If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
على الرغم من مفاوضات المعاهدة، إلا أن التخطيط للحملة الصليبية ظل مستمراً واستعداداتهم المحمومة للمعركة ضد العثمانيين التي انتهت وصولاً بمعركة ڤارنا مروراً بالمحطات التالية:
تنازعت المَلِك ڤلاديسلاڤ الثالث عدة تجاذبات تحثه على إتمام السلام مع العثمانيين وضغوط أخرى تدفعه إلى المضي في شن الحملة الصليبية ضدهم، فمثلاً انتشر تصريح للملك ڤلاديسلاڤ الثالث عن "مفاوضات السلام" التي يُجريها مع العثمانيين مما تسبب في ممارسة ضغوطٍ إضافية عليه من مؤيدي فكرة "الحملة الصليبية" من أجل دفعه للتخلي عن إتمام السلام مع الدولة العثمانية، وفي نفس الأثناء كانت هناك حرباً أهليةً في بلده الأصلي بولونيا وطالب فصيل هناك بعودة الملك ڤلاديسلاڤ الثالث من المجر لإنهائها مما يستدعيه لإتمام السلام مع العثمانيين لتأمين الجبهة معهم قبل العودة إلى بولونيا، كما أن الخسائر التي وقعت خلال فصل الشتاء الأسبق كانت كلها دلائل ضد استمرار الحرب.
آمن المندوب البابوي الكاردينال "يوليان سيزاريني" بقوة في الحملة الصليبية وضَغَطَ على الملك ڤلاديسلاڤ الثالث للمضي فيها وليُكرِهه على الخروج في حملة صليبية برغم سريان معاهدة أدرنة-سكدين مع العثمانيين. كان الملك متحرجاً من النكوث عن يمينه الذي أقسمه على الإنجيل، ولكن نجحت الدبلوماسية البابوية التي مَثّلها الكاردينال "يوليان سيزاريني" في إقناع الملك ڤلاديسلاڤ الثالث ملك بولونيا والمجر بأن نقض العهد مع المسلمين لا يُعدّ حنثاً بالعهد أمام الله وأحلّه البابا من القَسَم، وعلى الرغم من مرور فترة وجيزة جداً من الوفاء بجميع المتطلبات "قصيرة الأجل" للمعاهدة، إلا أن المجريون استأنفوا وحلفاؤهم الحملة الصليبية ضد العثمانيين.
على الرغم من أن الملك ڤلاديسلاڤ الثالث كان قد أقسم على الإنجيل بأنه لن يخلّ بالمعاهدة، إلا أنه حصل على فتوى دينية من البابوية تتيح له الإخلال بالاتفاق وبحنث اليمين التي أدّاها للعثمانيين حتى ولو كان قد أقَسَم على الإنجيل، و جاء في تلك الفتوى: "لمَّا أنَّ الأتراك يُنكرون ألوهية عيسى فهم كُفار، ومع الكفار يجوز الإخلال بالاتفاق حتى ولو كان هناك قسم على الإنجيل".
لم يكن الملك ڤلاديسلاڤ الثالث هو الشخص الوحيد الذي أُكره على المضى في الحملة الصليبية على العثمانيين، ففي 24 يونيو 1444م قام الرحَّالة الإيطالي "تشيرياكو دي بيتسيكولي" (بالإيطالية: Ciriaco de" Pizzicolli) الذي عُرف بنشاطه في النهضة الإنسانية، بالكتابة إلى هونياد وأرسل له رسالة تَوَسُّل لتجاهل السلام، زاعماً فيها كذباً بأن الأتراك مرعوبون وأنهم "يُعِدّون جيشهم للانسحاب بدلاً من دخولهم المعركة"، وتابع قائلاً بأن المعاهدة ستسمح للسلطان مراد الثاني "بالانتقام من الهزيمة التي ألحقها به هونياد في الماضي القريب"، وأن المجر والدول المسيحية الأخرى يجب أن تغزوا تراقيا بعد "إعلانِ حربٍ يستحق الدين المسيحي".
ونتيجةً لكل ما سبق وبناءً على دعوة المندوب البابوي الكاردينال "يوليان سيزاريني"، طمأن الملك ڤلاديسلاڤ الثالث حلفائه في الثاني من يوليو عام 1444م بعزمه على قيادة الحملة الصليبية وأعلن أنه سيتوجه إلى مدينة "ڤاراد" (أوراديا حاليا) (بالمجرية: Várad) (بالتركية: Varat) في 15 يوليو 1444م لتكوين جيش صليبي، ثم أعطى تاج العرش البلغاري لهونياد بُناء على توصية الكاردينال.
تعاونت المجر مع البندقية والبابا يوجين الرابع لتنظيم جيش صليبي جديد بقيادة النبيل المجري يوحنا هونياد المُلقّب "بالفارس الأبيض"، والملك ڤلاديسلاڤ الثالث، وكان هدفهم الرئيسي هو الدفاع عن المجر ضد العثمانيين، ثم مهاجمة أدرنة لاحقاً وهي عاصمة العثمانيين يومئذٍ، وجهَّزوا جيوشا لمحاربة الدولة العثمانية وشكَّلوا جيشاً كبيراً من قوات عدة دول أوربية ليهاجموا العثمانيين وشجعهم في ذلك:
اجتمعت كل الأسباب السابقة لدى الصليبيين لتبنِّي استراتيجية المواجهة والحرب على الدولة العثمانية رغم سريان المعاهدة. وعلى النقيض من ذلك، كانت الظروف مواتية في الدولة العثمانية لتبني استراتيجية السلام بعد تأمين الحدود وعقد معاهدات السلم.
فبعد توقيع المعاهدة، أخضع السلطان مراد الثاني إمارة قرمان بنهاية أغسطس 1444م، وتوقّع أن تُعطي الشروط المواتية الممنوحة في كل من معاهدة سلام أدرنة-سكدين والتسوية مع الداماد "إبراهيم بك الثاني" حاكم إمارة قرمان سلامًا دائمًا للدولة العثمانية، وترك كل ذلك انطباعاً لدى السلطان مراد الثاني وقناعةً بأن حدوده آمنة، وكان السلطان قد بلغ الأربعين من عمره آنذاك وناله من الإجهاد ما ناله، فتنازل طواعية عن المُلك لابنه محمد الثاني (الفاتح) وانقطع لِلعبادة في مغنيسية بعيداً عن العاصمة ومشاغل السياسة والحرب مطمئناً على ولده محمد الثاني لأن بينه وبين أوروپا معاهدة لعشر سنوات يكون ولده قد كبر واشتد عوده أمامهم.
استعمل يوحنا هونياد الكثير من ممتلكاته وأمواله لتهيئة الجيوش في سبيل صد العثمانيين في البلقان، وجعلته انتصاراته السابقة يرتقي منصبا عاليا في المملكة المجرية، وتملَّك مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية والمدن والقلاع، وكان نفوذه الأكبر في بلاده بحيث أنه لم يضاهه أي نفوذ آخر، ومنحه البابا پيوس الثاني لاحقاً لقب "بطل المسيح". لم يكرِّس هونياد قوته في سبيل السيطرة على عرش المجر التي كان يمتد نفوذها إلى رومانيا المعاصرة وأجزاء من البلقان وغيرها.
وفقا لرسالة من "جُريج برانكوڤيتش" ديسپوت الصرب، أنفق يوحنا هونياد أكثر من 63,000 فلورين ذهب لتوظيف المرتزقة في النصف الأول من العام.
رفض "جُريج برانكوڤيتش" أن ينضم للجيش الصليبي في المعركة بعد توقيعه المعاهدة التي استرد بها أملاكه سلمياً من العثمانيين، فقد كان يرغب في السلام أيضاً مثل السلطان، وكانت ابنته مارا برانكوڤيتش متزوجة من السلطان مراد الثاني أيضاً.
في 22 سپتمبر تحرك الصليبيون من المجر، يُريدون التقدم باتجاه البحر الأسود عبر جبال البلقان.
كانت نقاط تجمع الجيش الصليبي هي قرية "ڤارادين" (بالإنجليزية: Varadin) (حالياً: مدينة أوراديا في رومانيا) و"طمشوار" (بالرومانية: Timișoara) في غرب رومانيا.
لم تكن الدولة العثمانية قد علمت حتى ذلك الحين بنقض المندوب البابوي الكاردينال "يوليان سيزاريني" للمعاهدة وتسييرهم الجيش الصليبي من المجر.
عبر الصليبيون نهر الدانوب في الفترة من 18 إلى 22 سبتمبر 1444م، ثم دخلوا مدينة "نوڤي بازار" (واسمها بالتركية: "يني پازار") جنوب غرب صربيا في 24 أكتوبر وذبحوا المسلمين في المدينة. في 26 أكتوبر 1444م، نفذوا المذبحة نفسها في شومن (بلغاريا)، وتيرنوڤو (مقدونيا الشمالية)، وبريڤادي (بلغاريا)، وريتريك (Retric) وميهاليتش (بلغاريا)(بالإنجليزية: Mihalich).
في 9 نوفمبر 1444م، وصل الجيش الصليبي إلى ڤارنا واستولى على قرى "غلطة حصار" و"ماكروپوليس" و"كاڤارنا" و "كالي ياكرا" في جنوب المدينة وأنشأ معسكره في الجزء الشمالي من مدينة ڤارنا.
كان عمر السلطان محمد الفاتح 14 عاماً حين فسخ الصليبيون الهدنة سراً مع الدولة العثمانية بعد مرور خمسون يومًا عليها.
تحرك الجيش المجري في 20 سپتمبر 1444م من مدينة سكدين متجهين جنوباً، ووصلت الأخبار إلى السلطان محمد الثاني بواسطة الصدر الأعظم خليل باشا الجندرلي بأن المجر غدرت باتفاقية الصُلح وعبرت الحدود المُتفق عليها وأغاروا على بلاد البلغار غير مراعين لشروط الهدنة.
كان السلطان يعلم أنه صغير السن وعديم الخبرة لمقاومة تحالف ضخم كهذا بنجاح، ولأنه كان ذكيًّا فقد أسرع بجمع مجلس شورى السلطنة العثمانية، وإزاء هذه التطورات قرروا استدعاء السلطان مراد الثاني إلى العرش مرة أخرى، فاستدعى السلطان محمد الثاني والده السلطان مراد الثاني للعودة إلى العرش وقيادة الجيش في المعركة، لكن السلطان مراد الثاني لم يقبل بذلك ورفض قائلاً: "لقد كان هدفنا من مَنح السلطنة إلى ابننا مُحمَّد هو قضاء ما بقي من عمرنا في الطاعة والعبادة، وعليه أن يحافظ على الدِّين والدولة بموجب هذه السلطنة".
غضب السلطان محمد الثاني على والده الذي تقاعد منذ فترة وانقطع في جنوب غرب الأناضول لرغبته الشخصية في التفرُّغ لِلعبادة والطاعة لله بعمر 41 عاماً إذ كان السلطان مراد الثاني تقيًّا مخلصاً في إسلامه عاش حياةً مستقيمة وجديَّة ونزيهة، فكتب إلى والده قائلاً: «إِن كُنتَ سُلطَانًا فَظَاهِرٌ أَنَّ عَلَيكَ مُحَافَظَةُ البِلَادِ وَالعِبَادِ، وَإِن لَم تَكُن سُلطَانًا فَيَجِب عَلَيكَ طَاعَةُ السُّلطَانِ وَامتِثَالُ أَمرِه». وبعد أن تلقي السلطان مراد الثاني هذه الرسالة وافق على العودة لقيادة الجيش العثماني، فغادر مغنيسية وأعدّ الجيش للقاء الحملة الصليبية ليباغتها لاحقاً عند مدينة ڤارنا على شاطئ البحر الأسود قبل وصولهم إلى العاصمة إدرنة كما سيأتي تفصيله.
تذكر بعض المصادر أن "جُريج برانكوڤيتش" ديسپوت الصرب كان قد أخبر السلطان بقدوم حملة يوحنا هونياد الصليبية.