If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
ومن إنجازات الشيخ قباني التي أصبحت واحدة من معالم بيروت، تشييد السبيل الحميدي الرخامي في ما يعرف اليوم بساحة رياض الصلح وتم تدشينه وتدفق المياه منه نهار السبت في الأول من أيلول العام 1900 م – 1318 هـ وذلك بمناسبة مرور خمسة وعشرون عاماً على تولي السلطان عبد الحميد الثاني حكم السلطنة العثمانية.
وقامت البلدية برئاسة الشيخ قباني بتكليف مهندس البلدية رفعتلو يوسف أفندي أفتيموس بإنجاز هذا المشروع ليكون صدقة جارية بهذه المناسبة وذلك استناداً إلى الشرع الحنيف والحديث الشريف بهذا الخصوص من أنه بوفاة المرء ينتهي عمله إلا من ثلاث: ولد صالح يدعو له، صدقة جارية وعلم ينتفع به.
وقد قام اثنان من أهم صناع الرخام في ذلك الوقت بالعمل على السبيل إذ قام بتركيبه المعلم اليان أبو السلو وقام بنقشه المعلم يوسف العنيد.
وصدرت الصحف في ذلك الأسبوع تشيد بروعة ودقة العمل على السبيل وتتحدث عن الاحتفالات الضخمة التي أقيمت بالمناسبة. ومن هذه الصحف كانت ثمرات الفنون التي صدرت مزدانة بالمناسبة وأوردت وصفاً تفصيلياً للاحتفالات وللسبيل هذا بعض ما جاء فيه:
الصفحة الأولى من ثمرات الفنون مزدانة بالمناسبة
السبيل الحميدي
ثم شرف حضرة ملجأ الولاية الجليلة والأركان والأمراء والأعيان مكان السبيل الذي شيده المجلس البلدي في بيروت إجلالاً وتذكاراً لمرور خمس وعشرين عاماً على ارتقاء الجناب العالي السلطاني عرش الخلافة الكبرى وكانت البلدية نصبت بجانبه سرادقاً كبيراً فوقف عطوفة الوالي تلقاء الأنبوب الشرقي يحيط به من ذكرنا والكل بالملابس الرسمية ففاه صاحب الفضيلة نقيب أفندي بخطاب مناسب للمقام ختمه بالدعاء إلى الله تعالى بطول بقاء الجناب السلطاني معزز الشوكة منصور اللواء موفقاً لأمثال هذه المباني الخيرية وكان المصورون خلال ذلك يأخذون صورة هذا الاحتفال الحافل يالتصوير الشمسي ثم صدحت الموسيقى العسكرية بالسلام الحميدي وهتف الحضور بالدعاء "بادشاهم جوق باشا" ثم حرك عطوفة الوالي بيمينه آلة إنزال الماء فتدفقت من أنابيب السبيل الثلاثة فشرب منها عطوفته والحاضرون ثم شرف السرادق وارتاح به هنيهة طاف عمال البلدية خلالها بكؤوس المرطبات ثم آب إلى دار الحكومة حيث اقتبل التهاني من قناصل الدول العامة وأخذ الأهلون يستقون من السبيل شراباً مبرداً مرطباً، ودونك الآن وصف هذا السبيل وصفاً هندسياً.
في سهلة السور الواقعة في منتصف الثغر فسحة من الأرض مثلثة الشكل تكتنفها ثلاث طرق من أهم طرق البلدة مجمعها في الزاوية الشرقية منها ففي هذه الزاوية أقيم السبيل الحميدي من الرخام الأبيض على دكة مستديرة من من الحجر الفرني علوها 54 سانتيمتراً ويصعد إليها بثلاث درجات في كل جهة من الجهات المقابلة لكل طريق ويبتدء السبيل بمثلث يتشعع من زواياه ثلاث قوائم تنتهي في ثلاثة أعمدة من الحجر الناري المعروف بالغرانيت "شحم ولحم" ثم ترتفع هذه القوائم مكونة تاجاً فوق كل عمود منقوش على هيئة شبكة ذات جدل لطيف وتتجه عند المركز بجدل عمودي شبيه بظفار الشعر وتكتنف هذه القوائم بثلاثة أحواض من الرخام طول كل منها 650 سانتيمتراً وكل حوض مركوز على ثلاثة أعمدة من حجر الغرانيت ومزدان بنقوش مجدولة لطيفة كما في تيجان عواميد القوائم ويحيط بكل حوض سلسلة منقوشة به نقشاً غاية في اللطافة وفوق كل حوض قطعة من الرخام ينصب بها الماء من وسط نجمة منقوشة نقشاً بديعاً ومكتنفة بإكليل على هيئة ورق الغار ثم يعلو كل ذلك قطعة ضخمة من الرخام مثلثة الشكل طولها 120 سانتيمتراً ووزنها نحو خمسة عشر قنطاراً شامياً وهي منقوشة الزوايا بهيأة عمود قائم ومخصور بعدة حلقات من الجدل الرفيع ثم ينتهي كل عمود بحلزونة فوقها ورقة عريضة وأوجه هذه القطعة محدبة قليلاً ومحفور على إحداها الطغرى الغراء وعلى الوجهين الأخيرين
كتابة مذهبة باللغتين العربية والتركية بمعنى واحد، هذا نص العربية منها وهما مكتوبتان بقلم الفاضل الشيخ محمد أفندي عمر البربير:
"أنشأ هذا السبيل الحميدي في عام ثلاثمائة وثمانية بعد الألف
من الهجرة النبوية تذكاراً وتعظيماً لمضي خمس وعشرين سنة
من جلوس حضرة سيدنا ومولانا السلطان بن السلطان
السلطان الغازي عبد الحميد خان الثاني على عرش
الخلافة الإسلامية الكبرى واريكة السلطنة السنية العثمانية
العظمى وصدقة جارية تنضم لما لجلالته من عظيم الخيرات وعميم المبرات"
وفوق كل ذلك نقوش بديعة جداً يعلوها قطعة من الرخام مثلثة ذات جدل ينتهي في كل زاوية بورقة ظريفة النقش وهنا ينتهي الشكل المثلث ويبتدئ الشكل المستدير على هيأة عمود قطر قاعدته 65 سانتيمتراً وهي منزلة بحجر الغرانيت المار ذكره وشمعة مؤلفة من قطعتين السفلية منهما محاطة من أعلاها وأسفلها بأوراق منقوشة أبدع نقش يتخللها تضليع مقعر ومحدب والعليا منها خالية من النقش غير أن في وسطها سوار محفور حفراً لطيفاً مذهباً. أما تاج العمود فقطره 60 سانتيمتراً ومحاط أسفله بورق العنب ويرجع أعلاه إلى الهيأة المثلثة المحفورة والمنزلة بماء الذهب وعلى التاج عمود ثلاثي الشكل من حجر الغرانيت طوله 50 سانتيمتراً يعلوه تاج منقوش من جهاته الثلاث بورق جميل وفوق ذلك كله الهلال المظفر مذهباً. أما علو السبيل فثمانية أمتار من أسفل الدكة إلى أعلاه ويبلغ وزن الرخام الذي استعمل فيه 105 قنطاراً. وقد قام بهندسته الأديب البارع رفعتلو يوسف أفندي أفتيموس مهندس بلدية بيروت. وبتركيبه المعلم اليان أبو السلو وبنقشه المعلم يوسف العنيد وهما من أشهر صناع الرخام.
وأقامت بلدية بيروت عام 1900 هذا السبيل في الساحة المشهورة باسمه وهي التي اتخذت قراراً في عام 1957 بتفكيكه حجراً حجراً ونقله إلى حديقة الصنائع المشهورة قرب سراي الحكومة اليوم.