If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
خلال أوائل العهد الإسلامي، ترددت الأندلُس في ارتباطها الإداريّ، بين ولاية أفريقية والإشراف المباشر لمركز الخلافة الأُمويَّة في دمشق. وعندما كانت الأندلُس تتبع لولاية أفريقية كان والي القيروان يقوم بتعيين وُلاتها، ومنهم على سبيل المِثال: الحُر بن عبد الرحمٰن الثقفي (توفي سنة 100هـ)، وعنبسة بن سحيم الكلبي (توفي سنة 107هـ). ثم اتبعت الأندلُس مركز الخلافة في دمشق أيَّام الخليفة عُمر بن عبد العزيز من أجل الإسراع في الإنجاز والإشراف المُباشر، فعيَّن السمح بن مالك الخولاني واليًا عليها. لكنها عادت ولاية تابعة لأفريقية في ولاية عنبسة سالِف الذِكر، ومن جاء بعده. وهكذا ترددت تبعية الأندلُس بين الإشراف المباشر للخلافة عليها، وبوساطة ولاية أفريقية، حسب مُقتضيات الأمور. وفي بعض الأحيان كانت الظُروف تفرض تعيين والٍ بسُرعة، فيتفق أهل الأندلُس على شخصٍ مُعيَّن يولونه أمر البلاد، حتى يأتي غيره، ويؤيد الخليفة أو والي أفريقية هذا الأمر. كما حدث بعد مقتل عبد العزيز بن موسى، إذ عين أهل الأندلُس الوالي أيُّوب بن حبيب اللخميّ لِيتولّى شُؤونهم، وأقرَّ والي أفريقية بذلك. وكانت الأندلُس، أغلب فترة الوُلاة (95 - 138هـ) تابعة لِولاية أفريقية، وكانت مدينة إشبيلية قاعدة الولاية، ثم انتقلت إلى مدينة قُرطُبة ذات الموقع المُتوسِّط بين السَّاحل والدَّاخل.
ويبدو أنَّ النظام الإداريّ للأندلُس لم تتضح معالمه إلا في أواخر عصر الوُلاة، وذلك عندما قسم الوالي يُوسُف الفهري الأندلُس إلى خمس ولايات هي: ولاية باطقة، وتقع بين نهر وادي يانة والبحر المُتوسِّط، وأشهر مدنها قُرطُبة، وقرمونة، وإشبيلية، ومالقة، وإلبيرة، وجيان، وإستجة. ولاية طُليطلة، وتمتد بين جبال قرطبة حتى نهر دويرة، وأشهر مدنها: طُليطلة ومرسية ولورقة وشاطبة ودانية وبلنسية ووادي الحجارة وقونقة. ولاية ماردة، تمتد فيما وراء نهر وادي يانة شرقًا حتى المُحيط الأطلسي غربًا، وأشهر مدنها: ماردة وباجة وأشبونة وإسترقة وسمورة وشلمنقة. ولاية سرقسطة، وتمتد من ساحل البحر المُتوسِّط عند طركونة وبرشلونة إلى جبال البرانس وبلاد البشكنس، وأشهر مدنها: سرقسطة وطركونة وبرشلونة ولاردة وطرطوشة ووشقة. ولاية أربونة، كانت توجد في الأراضي الفرنسية، وتشمل مصب نهر الرون، وأشهر مدنها: أربونة وقرقشونة ونيم وماجلونة. وكان الوالي الكبير في قُرطُبة مسؤولٌ عن الوٌلاة الخمسة لهذا التنظيم الإداري، وكُلُّ والٍ مسؤولٌ عن ولايته، وكُلَّ ولايةٍ تتبعها مجموعة مُدن وهي الكُور، وكل كُورةٍ يتبعها عدَّة أقاليم، وكُلُّ إقليمٍ يتبعه عدَّة أرياف. بقي النظام الإداري الأندلُسي على حاله في عهد الإمارة، واعتمد عبد الرحمٰن الداخل والأُمراء من بعده في إدارة الثُغور والولايات والكُور على جماعةٍ مُختارة من الأعوان المُخلصين، ومن أفراد البيت الحاكم، مع الاعتماد على أُسرٍ اشتهرت في الأندلُس، مثل أسرة أبي عبدة، وأُسرة بني شُهيد وأُسرة مُغيث الرومي وغيرهم.
يُلاحظ أنَّ طبيعة البلاد الأندلُسيَّة كانت هي الأساس الأوَّل للتقسيم الإداري السياسي، فالجبال والوديان والأنهار هي أصل التقسيم، فحُدود أيبيريا الطبيعيَّة تصلحُ تمامًا لأن تكون حُدودًا سياسيَّة، ويُمكنُ تحويلها إلى حُدودٍ إداريَّة واضحة المعالم بكُل سُهولة، فما كان على الإداري أو المُنظِّم إلَّا أن يُثبِّت حُدود هذه الوحدات ويُعيِّن قواعدها، فلا يجد صُعوبة في إدارتها وجباية خِراجها، وهذا ما فعله الرومان والقُوط، ومن ثُمَّ المُسلمون. وقد تأثر الأندلُسيين بنمط التنظيم الإداري المشرقي، فاقتبسوا العديد من المُصطلحات والأساليب المشرقيَّة، منها على سبيل المِثال مُصطلح «الكورة» وهو لفظٌ من أصلٍ مصريّ إغريقيّ استقر في مصر واستُعمل فيها منذ القرن الثامن الميلاديّ، وكان يُستخدم للدلالة على الأجزاء الإداريَّة التي قُسِّمت إليها أرض مصر في ظل الحُكم البيزنطي، ثم انتقل اللفظ بدلاته الإداريَّة هذه لأرض الأندلُس.