العربية  

books stoning limit guides

If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.

View more

أدلة حد الرجم (Info)


يعد حد الرجم من الأحكام الشرعية في الإسلام، والحكم الشرعي يثبت بدليل شرعي، من نص القرآن، وإن لم يوجد فمن الحديث النبوي، ثم الإجماع ثم القياس على نص شرعي، ولا مجال للرأي في إثبات الحكم أو نفيه، ومن المعلوم أن القرآن المكتوب في المصحف الذي يقرؤه المسلمون لا يوجد فيه نص يدل على حد الرجم، بل المذكور فيه نص يدل على حد الجلد، ومن ثم فإن الدليل على ثبوت حد الرجم هو الأحاديث النبوية، (أي: السنة النبوية)، وهي المصدر الثاني للتشريع الإسلامي، وقد ثبت حد الرجم بأدلة مستفيضة من الأحاديث النبوية، وقد روى البخاري عن علي ابن أبي طالب قوله: «رجمتها بسنة رسول الله » إشارة منه بذلك إلى أن حد الرجم ثابت بدليل السنة النبوية، وما ليس له دليل من القرآن فدليله من السنة، ويفهم من كلامه الانكار على من لا يأخذ بالحديث. وجميع الأحكام الشرعية لا تؤخذ إلا بالحديث النبوي بطريق الوحي والنقل والروايـة، وكل ما نزل من الوحي لا يعلم إلا بطريق السنة النبوية، فنصوص القرآن والحديث كلاهما من عند الله تعالى. ومن المعلوم أن أحكام الشرع الإسلامي لم تنزل من عند الله جملة واحدة، فهناك أحكام شرعت على التدريج مثل: تحريم شرب الخمر. وقد شرع الله الحكم في الزنا بالاشهاد والحبس في البيوت، ثم نسخ بحد الزنا. قال الله تعالى:  وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً    ومعنى الآية: أن المرأة إذا زنت، متزوجة كانت أو غير متزوجة؛ فاستشهدوا عليها أربعة شهود، فإن شهدوا عليها فتحبس في البيت حتى تموت، أو يجعل الله لها سبيلا، أي: مخرجا وحكما في ذلك، وكان حكم الحبس في البيوت في زمن التشريع قبل أن يشرع حد الزنا. والسبيل الذي جعله الله هو رجم المحصن أي: المتزوج رجلا كان أو امرأة، وجلد غير المحصن رجلا كان أو امرأة، قال ابن جرير: وإجماع الحجة على هذا. ويدل على هذا حديث: «عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله : خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا: البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم.» ومن الأدلة على الرجم حديث: «عن عبد الله قال: قال رسول الله : لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة.» وفي رواية لمسلم: «عن عبد الله قال قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: والذي لا إله غيره لا يحل دم رجل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا ثلاثة نفر التارك الإسلام المفارق للجماعة. أو الجماعة -شك فيه أحمد- والثيب الزاني والنفس بالنفس.» قال النووي: وفي هذا الحديث: إثبات قتل الزاني المحصن، والمراد: رجمه بالحجارة حتى يموت، وهذا بإجماع المسلمين.

حديث عمر

حديث عمر بن الخطاب، أو خطبة عمر التي رواها عنه الصحابة، وذكرها العلماء في كتب الحديث وغيرها، وهي في الصحيحين وغيرهما من كتب الحديث، وتتضمن إثبات حد الرجم بدليل السنة النبوية، وهذا الحديث جزء من خطبة عمر في المسجد النبوي بالمدينة المنورة، بمحضر جمع من كبار فقهاء الصحابة، وكان سبب حديث عمر أنه لما خرج للحج وصلته أخبار بوجود أشخاص يثيرون الشبهات، فشاور بعض الصحابة في أن يخطب ويبين للناس أشياء بحاجة لمن يفهما عنه، فأشاروا عليه ألا يتحدث بها حتى يرجع إلى المدينة المنورة؛ لأن فيها كبار فقهاء الصحابة، روى البخاري نص خطبة عمر: «عن ابن عباس قال كنت أقرئ رجالا من المهاجرين منهم عبد الرحمن بن عوف فبينما أنا في منزله بمنى وهو عند عمر بن الخطاب في آخر حجة حجها إذ رجع إلي عبد الرحمن فقال: لو رأيت رجلا أتى أمير المؤمنين اليوم فقال يا أمير المؤمنين هل لك في فلان يقول لو قد مات عمر لقد بايعت فلانا فوالله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة فتمت فغضب عمر ثم قال: إني إن شاء الله لقائم العشية في الناس فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم قال عبد الرحمن فقلت يا أمير المؤمنين لا تفعل فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم فإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالة يطيرها عنك كل مطير وأن لا يعوها وأن لا يضعوها على مواضعها فأمهل حتى تقدم المدينة فإنها دار الهجرة والسنة فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس فتقول ما قلت متمكنا فيعي أهل العلم مقالتك ويضعونها على مواضعها فقال عمر أما والله إن شاء الله لأقومن بذلك أول مقام أقومه بالمدينة. قال ابن عباس فقدمنا المدينة في عقب ذي الحجة فلما كان يوم الجمعة عجلت الرواح حين زاغت الشمس حتى أجد سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل جالسا إلى ركن المنبر، فجلست حوله تمس ركبتي ركبته، فلم أنشب أن خرج عمر بن الخطاب فلما رأيته مقبلا قلت لسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل: ليقولن العشية مقالة لم يقلها منذ استخلف، فأنكر علي وقال: ما عسيت أن يقول ما لم يقل قبله.» قال ابن عباس: «فجلس عمر على المنبر فلما سكت المؤذنون قام فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد فإني قائل لكم مقالة قد قدر لي أن أقولها، لا أدري لعلها بين يدي أجلي، فمن عقلها ووعاها؛ فليحدث بها حيث انتهت به راحلته، ومن خشي أن لا يعقلها؛ فلا أحل لأحد أن يكذب علي: إن الله بعث محمدا بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله: «آية الرجم» فقرأناها وعقلناها ووعيناها، رجم رسول الله ، ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل،(3) أو الاعتراف..» وقد روى البخاري بقية الحديث في صحيحه. وذكر في كلام عمر حد الرجم، في حديث رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن عبد الله بن عباس عن عمر بن الخطاب، أنه قال: «إن الله بعث محمدا بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله: «آية الرجم» فقرأناها وعقلناها ووعيناها، رجم رسول الله ، ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف..» هذا اللفظ للبخاري. وروى هذا علماء الحديث من طرق متعددة.

وفي صحيح مسلم في باب رجم الثيب في الزنى حديث: «عن عبد الله بن عباس يقول قال عمر بن الخطاب وهو جالس على منبر رسول الله : إن الله قد بعث محمدا بالحق، وأنزل عليه الكتاب فكان مما أنزل عليه آية الرجم قرأناها ووعيناها وعقلناها فرجم رسول الله ، ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، وإن الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف». وقد اتفق جمهور أهل السنة والجماعة على أن آية الرجم: كانت إحدى الآيات القرآنية المنزلة من عند الله تعالى، قرأها الصحابة وعقلوها ووعوها، ثم نسخ لفظها وبقي حكمها وهو حكم الرجم. وأن النسخ لا يكون إلا بأمر الله تعالى وحكمة. ومعنى قوله: «فكان مما أنزل الله عليه آية الرجم قرأناها ووعيناها وعقلناها.»: أن الله بعث محمدا بدين الحق، أي: مبلغاً ومبينا للناس ما أنزل الله عليه. وأنزل القرآن على نبيه، وكان من القرآن المنزل على نبيه آية الرجم. قال النووي: أراد بآية الرجم: «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة...»، وهذا مما نسخ لفظه وبقي حكمه، وقد وقع نسخ حكم دون اللفظ، وقد وقع نسخهما جميعا، فما نسخ لفظه ليس له حكم القرآن فلا تحرم قرآته على الجنب، ولا يجوز قرآته في الصلاة. فالصحابة لم يكتبوا إلا ما أمروا بكتابته، وفي ترك الصحابة كتابة هذه الآية دلالة ظاهرة: أن المنسوخ لا يكتب في المصحف، وفي إعلان عمر بالرجم وهو على المنبر وسكوت الصحابة وغيرهم من الحاضرين عن مخالفته بالإنكار دليل على ثبوت الرجم. وفي كلام عمر ابن الخطاب أنه كان يخشى من وقوع أناس من المسلمين في ضلال، بتعطيل حكم شرعه الله فقال: «فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة.» والذي كان عمر يخشى من وقوعه، هو ظهور أناس من المسلمين يضلون عن الحق بقول القائل منهم: ما نجد الرجم في كتاب الله، أي: أنهم لا يأخذون إلا بالقرآن، وهو إخبار بما لم يحدث، إشارة منه إلى الخوارج الذين ظهروا بعد ذلك. قال النووي: «هذا الذي خشيه قد وقع من الخوارج ومن وافقهم.» قال عمر ابن الخطاب: «وإن الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف.» قال النووي: أجمع العلماء على أن الرجم لا يكون إلا على من زنى وهو محصن. وقال أيضا: وأجمعوا على أنه إذا قامت البينة بزناه وهو محصن يرجم، وأجمعوا على أن البينة أربعة شهداء ذكور عدول، هذا إذا شهدوا على نفس الزنا، ولا يقبل دون الأربعة، وإن اختلفوا في صفاتهم، وأجمعوا على وجوب الرجم على من اعترف بالزنا وهو محصن يصح إقراره بالحد، واختلفوا في اشتراط تكرار إقراره أربع مرات..

وقول عمر: «أو الحبل» بمعنى ظهور الحمل وحده، إذا لم يكن لها زوج ولا سيد، ففي مذهب عمر بن الخطاب، أنه يثبت به الزنا، ويجب الحد به، وتابعه في هذا مالك وأصحابه. وقال الشافعي وأبو حنيفة وجماهير العلماء: لا حد عليها بمجرد الحبل مطلقاً؛ لأن الحدود تسقط بالشبهات. وقوله: «على منبر رسول الله »: للدلالة على أنه خليفة الرسول في تبليغ الأحكام وبيانها. والذين تحدث إليهم معظمهم من الصحابة، والذي تحدث عنه هو: حكم حد الرجم الذي ثبت عند الصحابة، بقصد استظهار إقرارهم بما عرفوه وتلقوه من الأحكام ليتحملوا مسؤلية البيان والتبليغ لمن بعدهم. والمعنى: أنه أرد منهم أن يتحملوا مسؤلية تبليغ وبيان هذه الأحكام التي تقررت في السابق، وانتهى الأمر بالإتفاق على هذا ولم ينكروا علية، إذ لو كان في الأمر أي مخالفة لما وافقوه، كما أن ما هو مقرر عند الجميع ومعلوم مسبقا؛ لا يلزم أن يتحدث عنه ويرويه كل فرد. وفي كلامه: حث الصحابة على تبليغ الأحكام الشرعية وبيانها للناس وخصوصا ما يخفى منها غالبا، وقد يكون من ذلك عدم ظهور الزنا بسبب صلاح الناس، أو لأنه مما يخفى غالبا، كما أن ستر مثل هذه الأمور وعدم التحدث عنها مما يطلب في الشرع الإسلامي كل هذا قد يؤدي إلى ترك حكم شرعي. كما أن نسخ لفظ آية الرجم قد يؤدي إلى إنكار حكم الرجم بحجة أنة لم يوجد في القرآن حكم الرجم وهذا ما كان يخشاه عمر وقد حدث بعده بالفعل، حيث ظهر من ينكر حد الرجم.

الإجماع

أجمع الصحابة ومن بعدهم على ثبوت حكم رجم الثيب الزاني، ولم يثبت عن أحد منهم إنكاره، وهو مذهب جمهور الفقهاء والمحدثين، ونقل غير واحد من علماء التفسير والحديث وأصول الفقه وفروعه وغيرهم: أن رجم الزاني المحصن ثابت بإجماع المسلمين، فهو ثابت بإجماع جماهير أهل السنة والجماعة، من علماء التفسير والحديث والفقه وغيرهم، وعند الشيعة، والفرق الأخرى، ولم ينكره إلا بعض الخوارج وبعض المعتزلة ومن وافقهم. ذكر النووي في شرح صحيح مسلم أن الخوارج وبعض من وافقهم أنكروا حد الرجم. وجاء في شرح صحيح البخاري أن الخوارج وبعض المعتزلة أنكروا حد الرجم بحجة أنه لا يوجد في القرآن ما يدل على الرجم، ومن لازم هذا أنهم لم يحتجوا بالأحاديث النبوية، ولا بأقوال الصحابة. وقد نقل العلماء الإجماع على ثبوت حد الرجم. قال ابن حجر العسقلاني: «وقال ابن بطال: أجمع الصحابة وأئمة الأمصار على أن المحصن إذا زنى عامدا عالما مختارا فعليه الرجم، ودفع ذلك الخوارج وبعض المعتزلة واعتلوا بأن الرجم لم يذكر في القرآن، وحكاه ابن العربي عن طائفة من أهل المغرب لقيهم وهم من بقايا الخوارج، واحتج الجمهور بأن النبي رجم، وكذلك الأئمة بعده، ولذلك أشار علي رضي الله عنه بقوله في أول أحاديث الباب: «ورجمتها بسنة رسول الله ".»» وثبت في صحيح مسلم في باب رجم الحبلى حديث: «عن عبادة أن النبي قال: خذوا عني: قد جعل الله لهن سبيلا، الثيب بالثيب الرجم..الحديث» وسيأتي في "باب رجم الحبلى من الزنا" من وحديث عمر أنه خطب فقال: «إن الله بعث محمدا بالحق وأنزل عليه القرآن فكان مما أنزل آية الرجم..»

أدلة حد الرجم في السنة النبوية

دلت على حكم حد رجم الزاني المحصن أحاديث من السنة النبوية بلغت مبلغ الاستفاضة، في الصحيحين وغيرهما من كتب الحديث المعتمدة، بروايات صحيحة متعددة، تدل على ثبوت حد الرجم للزاني المحصن. روى مسلم في صحيحه حديث: «لا يحل دم امرء مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني..» وثبت في صحيح البخاري: «عن مسروق عن عبد الله قال: قال رسول الله : لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمارق من الدين التارك للجماعة وورد في صحيح البخاري: «عن علي رضي الله عنه حين رجم المرأة يوم الجمعة وقال: قد رجمتها بسنة رسول الله ». يعنى: إنه إذا لم يوجد في المصحف ما يدل على الرجم؛ فإن الحكم ثابت بالسنة النبوية. وفي البخاري: «عن عائشة رضي الله عنها قالت: اختصم سعد وابن زمعة فقال: النبي : «هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش واحتجبي منه يا سودة.» زاد لنا قتيبة عن الليث «وللعاهر الحجر» و"العاهر": الزاني، ومعنى «وللعاهر الحجر» : للزاني الرجم، ودلت الأحاديث الأخرى على أن المراد به المحصن. ووردت أيضا أحاديث تدل على تنقيذ حكم حد الرجم بالسنة النبوية ومنها حديث: «عن جابر أن رجلا من أسلم جاء النبي فاعترف بالزنا فأعرض عنه النبي حتى شهد على نفسه أربع مرات قال له النبي : «أبك جنون؟» قال: لا، قال: «آحصنت؟» قال: نعم. فأمر به فرجم بالمصلى فلما أذلقته الحجارة فر فأدرك فرجم حتى مات فقال له النبي : «خيرا» وصلى عليه.» ولمسلم: «عن أبي هريرة أنه قال: أتى رجل من المسلمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد، فناداه فقال: يا رسول الله إني زنيت، فأعرض عنه فتنحى تلقاء وجهه فقال له: يا رسول الله إني زنيت، فأعرض عنه حتى ثنى ذلك عليه أربع مرات، فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أبك جنون؟» قال: لا قال «فهل أحصنت؟» قال: نعم، فقال رسول الله : «اذهبوا به فارجموه» قال ابن شهاب: فأخبرني من سمع جابر بن عبد الله يقول فكنت فيمن رجمه فرجمناه بالمصلى فلما أذلقته الحجارة هرب فأدركناه بالحرة فرجمناه.» وورد في الحديث تفصيل الحكم في حد الزنا، فالمحصن حده الرجم، وغير المحصن جلد مائة، وتغريب عام. ويدل عليه حديث: «عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني أنهما قالا: إن رجلا من الأعراب أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أنشدك الله إلا قضيت لي بكتاب الله فقال الخصم الآخر وهو أفقه منه نعم فاقض بيننا بكتاب الله وأذن لي فقال رسول الله : «قل» قال: إن ابني كان عسيفا على هذا فزنى بامرأته، وإني أخبرت أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبروني أنما على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم فقال رسول الله : «والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله: الوليدة والغنم رد، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها.» قال: فغدا عليها فاعترفت فأمر بها رسول الله فرجمت.» والعسيف: الأجير. والحديث دليل على ثبوت حد رجم الزاني المحصن، بعد ثبوت الزنا. وقوله: فافتديته بمائة شاة ووليدة، أراد بدل الجلد مائة شاة، وبدل التغريب إعتاق جارية. وقوله: «رد عليك» أي: مردود عليك؛ لأنه استحداث ما هو مخالف لحكم الشرع، مما ليس منه. ذكر النووي: أن هذا الحديث دليل صريح على أن غير المحصن يجلد مائة جلدة، وينفى لمدة سنة، وهو قول الجمهور خلافا للحنفية القائلين بأنه لا تغريب مع الجلد إلا إذا رأى الإمام مصلحة في ذلك. وقوله: «لأقضين بينكما بكتاب الله.» بمعنى: بما كتب الله وحكم به وأنزله بالوحي، سواء كان بالقرآن أو السنة فكلاهما من عند الله.

رجم من أقر بالزنا

«عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال جاء ماعز بن مالك إلى النبي فقال: يا رسول الله طهرني فقال: «ويحك ارجع فاستغفر الله وتب إليه» قال: فرجع غير بعيد ثم جاء فقال: يا رسول الله طهرني، فقال رسول الله : «ويحك ارجع فاستغفر الله وتب إليه» قال: فرجع غير بعيد ثم جاء فقال يا رسول الله طهرني فقال: النبي مثل ذلك حتى إذا كانت الرابعة قال له رسول الله: «فيم أطهرك؟» فقال من الزنى فسأل رسول الله : «أبه جنون؟» فأخبر أنه ليس بمجنون فقال «أشرب خمرا؟» فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريح خمر قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أزنيت؟» فقال نعم فأمر به فرجم فكان الناس فيه فرقتين قائل يقول لقد هلك لقد أحاطت به خطيئته وقائل يقول ما توبة أفضل من توبة ماعز أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوضع يده في يده ثم قال اقتلني بالحجارة قال فلبثوا بذلك يومين أو ثلاثة ثم جاء رسول الله وهم جلوس فسلم ثم جلس فقال: «استغفروا لماعز بن مالك» قال فقالوا غفر الله لماعز بن مالك قال فقال رسول الله : «لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم.» قال ثم جاءته امرأة من غامد من الأزد فقالت يا رسول الله طهرني فقال «ويحك ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه» فقالت أراك تريد أن ترددني كما رددت ماعز بن مالك قال «وما ذاك؟» قالت: إنها حبلى من الزنى فقال «آنت؟» قالت: نعم فقال لها: «حتى تضعي ما في بطنك» قال: فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت قال فأتى النبي فقال: قد وضعت الغامدية فقال: إذا لا نرجمها وندع ولدها صغيرا ليس له من يرضعه فقام رجل من الأنصار فقال إلي رضاعه يا نبي الله قال: فرجمها.» يدل هذا الحديث على أن المرأة الحامل لا يقام عليها حد الرجم حتى تضع حملها ومثل هذا إذا وجب عليها القصاص فلا ينفذ إلا بعد وضع الحمل؛ لأن ذلك يؤدي إلى قتل ما في بطنها. ولا ترجم بعد الوضع؛ لأن الطفل بحاجة إلى إليها. قال الشافعي وأحمد وإسحاق والمشهور عند مالك: لا ترجم حتى ترضع ولدها، حتى يستغني عنها ويجد من يرضعه ويرعاه، فإن لم تجد من يرضعه، فلا ترجم حتى تفطمه. وقال أبو حنيفة ترجم بعد الوضع.

حديث رجم ماعز ابن مالك

ذكرت حادثة رجم ماعز ابن مالك في كتب الحديث، وقد أقيم عليه الحد بإقراره وتفاصيل ذلك مذكور في الأحاديث الصحيحة التي رواها الصحابة بشهادتهم عليها ومنها: «عن جابر بن سمرة قال رأيت ماعز بن مالك حين جيء به إلى النبي رجل قصير أعضل ليس عليه رداء فشهد على نفسه أربع مرات أنه زنى فقال رسول الله : فلعلك قال لا والله إنه قد زنى الأخر قال: فرجمه ثم خطب فقال: ألا كلما نفرنا غازين في سبيل الله خلف أحدهم له نبيب كنبيب التيس يمنح أحدهم الكثبة أما والله إن يمكني من أحدهم لأنكلنه عنه.» وفي رواية: «عن سماك بن حرب قال سمعت جابر بن سمرة يقول: أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل قصير أشعث ذي عضلات عليه إزار وقد زنى فرده مرتين ثم أمر به فرجم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلما نفرنا غازين في سبيل الله تخلف أحدكم ينب نبيب التيس يمنح إحداهن الكثبة إن الله لا يمكني من أحد منهم إلا جعلته نكالا أو نكلته قال فحدثته سعيد بن جبير فقال إنه رده أربع مرات.» وفي رواية: فرده مرتين. وفي حديث أبي عامر: فرده مرتين أو ثلاثا. «عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي قال لماعز بن مالك: «أحق ما بلغني عنك؟» قال: وما بلغك عني؟ قال: " «بلغني أنك وقعت بجارية آل فلان» قال: نعم، قال: فشهد أربع شهادات ثم أمر به فرجم.» في الحديث سؤال المتهم عما قيل فيه، وظاهر هذا أنه لم يخبر بنفسه عما حدث منه، وقد ورد في روايات أخرى أن أهله أتي به، ولا تعارض بين هذا وبين رواية أنه أتى واعترف، فقد ورد أن أهل ماعز أتوا به؛ ليجدوا له مخرجا، وجاء في رواية: ياهزال لو سترته بثوبك، وكونه أتى معترفا وطالبا أن يقام عليه لا ينافي كونهم أخبروا عنه.

«عن أبي سعيد أن رجلا من أسلم يقال له ماعز بن مالك أتى رسول الله فقال: إني أصبت فاحشة فأقمه علي، فرده النبي مرارا، قال: ثم سأل قومه فقالوا: ما نعلم به بأسا إلا أنه أصاب شيئا يرى أنه لا يخرجه منه إلا أن يقام فيه الحد، قال: فرجع إلى النبي فأمرنا أن نرجمه، قال: فانطلقنا به إلى بقيع الغرقد، قال: فما أوثقناه ولا حفرنا له، قال: فرميناه بالعظم والمدر والخزف، قال: فاشتد واشتددنا خلفه حتى أتى عرض الحرة، فانتصب لنا فرميناه بجلاميد الحرة -يعني الحجارة- حتى سكت، قال: ثم قام رسول الله خطيبا من العشي فقال: «أو كلما انطلقنا غزاة في سبيل الله تخلف رجل في عيالنا، له نبيب كنبيب التيس، علي أن لا أوتى برجل فعل ذلك إلا نكلت به.» قال: فما استغفر له ولا سبه.» وفي رواية لمسلم: «فقام النبي من العشي فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أما بعد فما بال أقوام إذا غزونا يتخلف أحدهم عنا له نبيب كنبيب التيس.» ولم يقل في عيالنا.» وفي رواية لمسلم: «فاعترف بالزنى ثلاث مرات.» ذكر النووي في شرح الحديث أن الرجم يحصل بالحجر أو بغيره، مثل: العظم والخزف والمدر.

حديث رجم الغامدية

«عن عمران بن حصين أن امرأة من جهينة أتت نبي الله وهي حبلى من الزنى فقالت: يا نبي الله أصبت حدا فأقمه علي، فدعا نبي الله وليها فقال: «أحسن إليها فإذا وضعت فأتني بها»، ففعل فأمر بها نبي الله فشكت عليها ثيابها، ثم أمر بها فرجمت، ثم صلى عليها، فقال له عمر: تصلي عليها يا نبي الله وقد زنت؟ فقال: «لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها لله تعالى.»» وفي الحديث دلالة على مشروعية الإحسان إلى من يقام عليه الحد. وإصرار الغامدية على إقامة الحد عليها رغم أنها أمرت بالتوبة يدل على أنها أرادت أن يتحقق لها قبول التوبة بإقامة الحد، وأن التوبة وحدها قد لا تكون خالصة. قوله: أحسن إليها فإذا وضعت فائتني بها. خطاب لولي الغامدية بالإحسان إليها خلال فترة تأجيل إقامة الحد؛ خوفا عليها من أقاربها أن تحملهم الغيرة ولحوق العار بهم أن يؤذوها، فأوصى بالإحسان إليها تحذيرا لهم من ذلك. وأيضا؛ أمر بالإحسان إليها رحمة إذ قد تابت، والتأكيد على الإحسان إليها لما في نفوس الناس من النفرة من مثلها، وإسماعها الكلام المؤذي ونحو ذلك فنهى عن هذا كله. «قوله: "فأمر بها فشكت عليها ثيابها ثم أمر بها فرجمت" هكذا هو في معظم النسخ: "فشكت" وفي بعضها: "فشدت" بالدال بدل الكاف، وهو معنى الأول، وفي هذا استحباب جمع أثوابها عليها وشدها بحيث لا تنكشف عورتها في تقلبها وتكرار اضطرابها.» وروى مسلم في صحيحه: «عن عبد الله بن بريدة عن أبيه أن ماعز بن مالك الأسلمي أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني قد ظلمت نفسي وزنيت وإني أريد أن تطهرني فرده فلما كان من الغد أتاه فقال يا رسول الله إني قد زنيت فرده الثانية فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قومه فقال أتعلمون بعقله بأسا تنكرون منه شيئا فقالوا ما نعلمه إلا وفي العقل من صالحينا فيما نرى فأتاه الثالثة فأرسل إليهم أيضا فسأل عنه فأخبروه أنه لا بأس به ولا بعقله فلما كان الرابعة حفر له حفرة ثم أمر به فرجم. قال: فجاءت الغامدية فقالت يا رسول الله إني قد زنيت فطهرني، وإنه ردها فلما كان الغد قالت: يا رسول الله لم تردني لعلك أن تردني كما رددت ماعزا فو الله إني لحبلى قال إما لا فاذهبي حتى تلدي فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة قالت هذا قد ولدته قال اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز فقالت هذا يا نبي الله قد فطمته وقد أكل الطعام فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها وأمر الناس فرجموها فيقبل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها فتنضح الدم على وجه خالد فسبها فسمع نبي الله صلى الله عليه وسلم سبه إياها فقال مهلا يا خالد فو الذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له ثم أمر بها فصلى عليها ودفنت.» ولا ترجم الحامل حتى تضع حملها، ويؤجل رجمها بعد الوضع حتى ترضعه وترعاه حتى يكتفي عن الرضاع ويحصل على من يتولى رعايته. روى الإمام مالك في الموطأ: «عن عبد الله بن أبي مليكة أنه أخبره أن امرأة جاءت إلى رسول الله فأخبرته أنها زنت وهي حامل، فقال لها رسول الله : اذهبي حتى تضعي، فلما وضعت جاءته فقال لها رسول الله : اذهبي حتى ترضعيه، فلما أرضعته جاءته فقال: اذهبي فاستودعيه قال: فاستودعته ثم جاءت فأمر بها فرجمت.»

رجم اليهوديين

بعد الهجرة النبوية وقعت في المدينة المنورة حادثة زنا رجل وامرأة يهوديين، وقد حكم عليهما بالرجم فرجما. ويدل على هذه الواقعة حديث: «عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أتي رسول الله بيهودي ويهودية قد أحدثا فقال: «ما تجدون في كتابكم؟» قالوا: إن أحبارنا أحدثوا تحميم الوجه والتجبية قال عبد الله بن سلام: أدعهم يارسول الله بالتوراة، فأتى بها فوضع أحدهم يده على آية الرجم فجعل يقرأ ما قبلها وما بعدها فقال له عبد الله بن سلام ارفع يدك فإذا آية الرجم تحت يده فأمر بهما رسول الله فرجما. قال ابن عمر فرجما عند البلاط فرأيت اليهودي أجنأ عليها.» وهو دليل على ثبوت حد الرجم، بحكم الله، في الشرع الإسلامي، موافقا لما لحكم الله تعالى المنزل في التوراة، وليس معناه أن المسلمين أخذوا الحكم تقليدا لليهود. وإقامة حد الرجم لا يعقل أن يطبق معززا بشهادة الصحابة: إلا بوحي من عند الله تعالى. وفي صحيح البخاري قال: «حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا عبد الواحد حدثنا الشيباني: سألت عبد الله بن أبي أوفى عن الرجم فقال: رجم النبي فقلت: أقبل النور أم بعده؟ قال: لا أدري تابعه علي بن مسهر وخالد بن عبد الله والمحاربي وعبيدة بن حميد عن الشيباني وقال بعضهم المائدة والأول أصح.» «عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: إن اليهود جاءوا إلى رسول الله فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله : «ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟» فقالوا: نفضحهم ويجلدون. قال عبد الله بن سلام: كذبتم إن فيها الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك فرفع يده فإذا فيها آية الرجم، قالوا: صدق يا محمد، فيها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله فرجما فرأيت الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة.» يدل هذا الحديث على ثبوت حكم رجم المحصن، الاقتصار على الرجم ولا يضم إليه الجلد، وأن أنكحة الكفار صحيحة؛ لأن ثبوت الإحصان فرع ثبوت صحة النكاح، وأن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، وأن اليهود كانوا ينسبون إلى التوراة ما ليس فيها، ولو لم يكن مما أقدموا على تبديله وإلا لكان في الجواب حيدة عن السؤال لأنه سأل عما يجدون في التوراة فعدلوا عن ذلك لما يفعلونه وأوهموا أن فعلهم موافق لما في التوراة فأكذبهم عبد الله بن سلام، واكتفاء الحاكم بترجمان واحد موثوق به، وأن شرع من قبلنا ليس شرعا لنا إلا إذا ثبت ذلك لنا بدليل قرآن أو حديث صحيح ما لم يثبت نسخه، وأنه لما حكم عليهم علم أن هذا الحكم لم ينسخ من التوراة أصلا. قال ابن حجر: ونقل ابن العربي عن الطبري والثعلبي عن المفسرين قالوا: «انطلق قوم من قريظة والنضير منهم كعب بن الأشرف وكعب بن أسد وسعيد بن عمرو ومالك بن الصيف وكنانة بن أبي الحقيق وشاس بن قيس ويوسف ابن عازوراء فسألوا النبي وكان رجل وامرأة من أشراف أهل خيبر زنيا واسم المرأة بسرة، وكانت خيبر حينئذ حربا فقال لهم اسألوه، فنزل جبريل على النبي فقال: اجعل بينك وبينهم ابن صوريا". فذكر القصة مطولة ولفظ الطبري من طريق الزهري المذكورة: "إن أحبار اليهود اجتمعوا في بيت المدراس، وقد زنى رجل منهم بعد إحصانه بامرأة منهم قد أحصنت،»(10) فذكر القصة وفيها: «فقال اخرجوا إلى عبد الله بن صوريا الأعور.» قال ابن إسحاق: «ويقال إنهم أخرجوا معه أبا ياسر بن أحطب ووهب بن يهودا، فخلا النبي صلى الله عليه وسلم بابن صوريا..» وذكر الحديث. وجاء عند الطبراني من حديث ابن عباس: «أن رهطا من اليهود أتوا النبي ومعهم امرأة فقالوا: يا محمد ما أنزل عليك في الزنا؟.» وفي حديث عبد الله بن الحارث عند البزار: "أن اليهود أتوا بيهوديين زنيا وقد أحصنا". وذكر أبو داود من طريق الزهري سبب مجيئهم في حديث: «عن أبي هريرة قال: زنى رجل من اليهود بامرأة، فقال بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى هذا النبي فإنه بعث بالتخفيف فإن أفتانا بفتيا دون الرجم قبلناها واحتججنا بها عند الله وقلنا فتيا نبي من أنبيائك، قال فأتوا النبي وهو جالس في المسجد في أصحابه فقالوا: يا أبا القاسم ما ترى في رجل وامرأة زنيا منهم..» وفي رواية عند الطبري: "أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ناشده قال: يا رسول الله، إنهم ليعلمون أنك نبي مرسل ولكنهم يحسدونك"، وقال في آخر الحديث: "ثم كفر بعد ذلك ابن صوريا ونزلت فيه: يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر الآية". وقوله: فقالوا نفضحهم بفتح أوله وثالثه من الفضيحة. وفي لفظ: "قالوا: نسخم وجوههما، ونخزيهما"، وفي رواية عبد الله بن عمر: "قالوا: نسود وجوههما ونحممهما ونخالف بين وجوههما ويطاف بهما". وفي رواية عبد الله بن دينار: "أن أحبارنا أحدثوا تحميم الوجه والتجبيه". وفي حديث أبي هريرة أنهم قالوا: "يحمم ويجبه ويجلد"، والتجبيه أن يحمل الزانيان على حمار وتقابل أقفيتهما ويطاف بهما. وقال الباجي: ظاهر الأمر أنهم قصدوا في جوابهم تحريف حكم التوراة والكذب على النبي إما رجاء أن يحكم بينهم بغير ما أنزل الله وإما لأنهم قصدوا بتحكيمه التخفيف عن الزانيين واعتقدوا أن ذلك يخرجهم عما وجب عليهم، أو قصدوا اختبار أمره؛ لأنه من المقرر أن من كان نبيا لا يقر على باطل، فظهر بتوفيق الله نبيه كذبهم وصدقه، ولله الحمد. ووقع في حديث البراء: «فحده الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه وإذا أخذنا الوضيع أقمنا عليه الحد، فقلنا تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم.» ووقع بيان ما في التوراة من آية الرجم في رواية أبي هريرة: «المحصن والمحصنة إذا زنيا فقامت عليهما البينة رجما، وإن كانت المرأة حبلى تربص بها حتى تضع ما في بطنها.»

حكم رجم اليهود أهل الذمة في الزنا

أهل الذمة في الاصطلاح الإسلامي، هم: أهل الكتاب، (اليهود والنصارى) الذين كتب لهم والي المسلمين عقد ذمه؛ ليعيشوا تحت رعاية والي المسلمين ويكون لهم حقوق وعليهم واجبات. وفي حادثة زنا يهوديين، في المدينة المنورة، في العصر النبوي، جملة من الأحكام والدلالات في التشريع الإسلامي، في زمن نزول الوحي. وقد رواها أصحاب كتب الحديث، فقد رواها الإمام مسلم في صحيحه بعنوان: «باب رجم اليهود أهل الذمة» للإشارة إلى أنهم كانوا أهل ذمة. أما البخاري فقد رواها بعنوان: «باب أحكام أهل الذمة وإحصانهم إذا زنوا ورفعوا إلى الإمام.» وقد كان البخاري من فقهاء أهل الحديث، وعرف عنه في صحيحه: أن فقهه في ترجمته، فهذا العنوان الذي ذكره هو خلاصة فقه الحديث، ومعنى هذا: أن الحكم في هذه الحادثة باعتبار أن أولئك اليهود كانوا من أهل الذمة، وأن الإسلام ليس شرطا للإحصان. روى مسلم في صحيحه بسنده: «عن نافع أن عبد الله ابن عمر أخبره: أن رسول الله أتي بيهودي ويهودية قد زنيا، فانطلق رسول الله حتى جاء يهود فقال: «ما تجدون في التوراة على من زنى؟» قالوا: نسود وجوههما ونحملهما ونخالف بين وجوههما ويطاف بهما، قال: «فأتوا بالتوراة إن كنتم صادقين» فجاءوا بها فقرءوها حتى إذا مروا بآية الرجم وضع الفتى الذي يقرأ يده على آية الرجم وقرأ ما بين يديها وما وراءها فقال له عبد الله بن سلام وهو مع رسول الله : مره فليرفع يده، فرفعها فإذا تحتها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله فرجما. قال عبد الله بن عمر: كنت فيمن رجمهما فلقد رأيته يقيها من الحجارة بنفسه.» ورواه من طريق آخر: «عن ابن عمر أن رسول الله رجم في الزنى يهوديين رجلا وامرأة زنيا، فأتت اليهود إلى رسول الله بهما وساقوا الحديث بنحوه.» وفي رواية لمسلم: «عن ابن عمر أن اليهود جاءوا إلى رسول الله برجل منهم وامرأة قد زنيا وساق الحديث بنحو حديث عبيد الله عن نافع.» يدل هذا الحديث على أن الكفار إذا تحاكموا إلى المسلمين؛ حكم القاضي بينهم بحكم شرع الإسلام. والحكم في حادثة اليهوديين لم يكن تطبيقا لشريعة اليهود، بدليل أن الرجم وقع تطبيقه على المسلمين في حوادث أخرى، والمعنى أن المسلمين لم يكونوا تابعين لليهود، فالمسلمون يأخذون بشريعة الإسلام، ولا يطبقون على أنفسهم شريعة اليهود، فحكم الرجم الواقع على اليهود بحكم شريعة الإسلام، ووقع الحكم عندهم موافقا لما في الشرع الإسلامي، ولا غرابة في ذلك؛ لأن الحاكم واحد وهو الله الذي شرع لعباده الأحكام، وأرسل الرسل وأنزل عليهم الكتب، ودين كل الأنبياء واحد، وربهم واحد، وأما شرائع الرسل فهي محل اختلاف. وهناك أحكام اتفق فيها الشرع الإسلامي مع غيره، والتوافق لا يستلزم الاتباع. وقد توجه المسلمون في صلاتهم إلى بيت المقدس، قبل تحويل القبلة، وقد قال اليهود حينها: أن المسلمين اتبعوا قبلتنا، وكلامهم غير صحيح؛ لأن العبادة لله وحده، والخلق كلهم عباده، فيأمرهم بما شاء وكيف شاء. وفي رجم اليهوديين وهما غير مسلمين دليل على أن الإسلام ليس شرطا للإحصان، إذ لو كان شرطا لم يثبت الإحصان إلا به، وإذا لم يثبت الإحصان فلا يقام الحد إلا على المسلم. وقال مالك: أن الإسلام شرط للإحصان، بمعنى: أنه لا يصح إحصان الكافر، وقال: إنما رجم اليهوديين؛ لأنهما لم يكونا أهل ذمة. قال النووي: وهذا تأويل باطل؛ لأنهما كانا من أهل العهد، ولأنه رجم المرأة، والنساء لا يجوز قتلهن مطلقا. وقول ابن عمر: «إن النبي أتي بيهودي ويهودية قد زنيا..» أي: أتي إليه بصفته حاكما، واليهود الذين تحاكموا إليه كانوا داخلين تحت حكمه، فاليهود الذين كانوا في المدينة، كانوا من أهل الذمة، أي: أنهم دخلوا تحت حكم المسلمين بهذه الذمة، وأجريت عليهم بذلك أحكام الإسلام. قال النووي: «في هذا دليل لوجوب حد الزنا على الكافر، وأنه يصح نكاحه؛ لأنه لا يجب الرجم إلا على محصن، فلو لم يصح نكاحه لم يثبت إحصانه ولم يرجم. وفيه أن الكفار مخاطبون بفروع الشرع وهو الصحيح، وقيل: لا يخاطبون بها، وقيل: إنهم مخاطبون بالنهي دون الأمر.» ومعنى قوله: «ما تجدون في التوراة؟» سأل اليهود عما هو موجود في كتابهم في حد الزاني؟ وقد كانوا أهل كتاب. قال العلماء: إن هذا السؤال الموجه لهم لم يكن بقصد معرفة الحكم منهم، فهو لا يجهل حكما شرعيا، كما أنه لا يريد اتباع شريعة اليهود ولا أخذ الحكم منهم، ولا تقليدهم في ذلك؛ لأن الأنبياء يأخذون الأحكام بالوحي من عند الله تعالى، ولا يتلقون تعاليم الشرع إلا من عند الله تعالى. ولكن المقصود من سؤاله إياهم إلزامهم بما يعتقدونه في كتابهم، وبيان ما كتموه من الحق في كتابهم. قال النووي: «قوله : «ما تجدون في التوراة؟» قال العلماء: هذا السؤال ليس لتقليدهم ولا لمعرفة الحكم منهم، فإنما هو لإلزامهم بما يعتقدونه في كتابهم، ولعله قد أوحي إليه أن الرجم في التوراة الموجودة في أيديهم لم يغيروه كما غيروا أشياء، أو أنه أخبره بذلك من أسلم منهم، ولهذا لم يخف ذلك عليه حين كتموه.» وقد أجابوا عن ذلك بقولهم: "نسود وجوههما ونحملهما" أي: قالوا: أن الحكم في شريعة اليهود على من زنا هو: تحميم الوجه، أي: تسويد وجه الزاني بالفحم، وحمله على بعير يطاف به بين الناس؛ بقصد فضحه والتشهير به. وهذا بحسب ما قلوه غير صحيح، فهذا ليس هو الحكم في شريعة اليهود، بل الحكم هو الرجم، لكنهم ذكروا أن ما قالوه هو الحكم الموجود في التوراة، فطلب منهم ذلك، فجاؤوا بالتوراة، فقرأ أحدهم منها حتى وصل إلى النص الدال على حكم الرجم وضع يده على موضعه، وكان عبد الله ابن سلام حاضرا، وهو على علم بالتوراة، حيث أنه قد أسلم بعد ما كان في السابق من أحبار اليهود، فقال له: ارفع يدك، قال: فرفع يده فإذا آية الرجم تلوح. فظهر جليا أن الحكم هو الرجم، وأن ما ذكروه باطل، وفي هذا دليل على تحريفهم في التوراة.

Source: wikipedia.org