العربية  

books scientific side

If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.

View more

الجانب العلمي (Info)


دائما يقف القلم بجانب السيف وتتصارع الألسنة عندما تتقاتل الأسنة، فلم يكن غريبا أن تقوم نهضة علمية هائلة في الوقت الذي كان فيه الاضطراب السياسي على أشده. فانقسام الدولة الإسلامية إلى ممالك لم يؤثر على الجانب العلمي بل على العكس كان لقيام هذه الدول أثر كبير في تقدم الحضارة الإسلامية، وذلك أنه بعد أن كانت بغداد مركزا لهذه الحضارات ظهرت مراكز أخرى تنافس حضارة العباسيين في الحضارة وفي العلوم والمعارف مثل قرطبة والقاهرة وبخارى وأصبح كل منها قبلة العلماء والشعراء والكتاب الذين تنقلوا بين هذه الحواضر طلبا للعلم أو ابتغاء لكسب الرزق. وهذه الدويلات المتصارعة وإن اختلفت في معتقداتها واتجاهاتها إلا أنها لا تختلف على تشجيع العلم وأهله تثبيتا لدعائمها وهذه المذاهب المتصارعة ينشط علماؤها للدفاع عن معتقداتهم، ولهذا نلتقي في هذا العصر بحشد من العلماء في كل فن. فمن علماء الكلام عبد السلام بن يوسف القزويني المعتزلي (ت 482 هـ) الذي قيل عنه إنه كان يفتخر بالاعتزال وهو في حضرة الوزير نظام الملك، وله تفسير كبير يقع في سبعمائة مجلد. ومنهم أبو بكر البيهقي 458 هـ صاحب الأسماء والصفات والاعتقاد والهداية، وعبد القاهر البغدادي (429 هـ) صاحب أصول الدين والفرق بين الفرق، وأبو المظفر الإسفراييني (471 هـ) صاحب التبصير في الدين، وإمام الحرمين أبو المعالي الجويني (478 هـ) صاحب الشامل في أصول الدين والإرشاد ولمع الأدلة، وأبو حامد الغزالي (505 هـ) صاحب الإحياء والاقتصاد في الاعتقاد والتهافت، نجم الدين عمر النسفي 537 هـ صاحب العقائد النسفية، وابن حزم الظاهري (ت 456 هـ) صاحب الفصل في الملل والأهواء والنحل، والشهرستاني 548 هـ صاحب الملل والنحل.

أما العلوم الفلسفية فيتصدر هذا العصر علم من أعلام الفلسفة الإسلامية، وهو ابن سينا (ت 428 هـ)، ومن أشهر مؤلفاته موسوعته الفلسفية الشفاء والإشارات والتنبيهات والنجاة، والحسن بن الهيثم (ت 430 هـ)، وأبو الريحان البيروني (ت 440 هـ)، وعمر الخيام (ت 515 هـ) وله مختصر في الطبيعة ورسالة في الوجود.

أما علم التصوف فمن أبرز رجاله في ذلك العصر أبو القاسم القشيري (ت 465 هـ) صاحب الرسالة القشيرية، وكان من أشهر دعاة الباطنية الحسن بن الصباح (ت 518 هـ)، الذي أحكم خططه في الدعوة إلى هذا المذهب. ولما كنت الباطنية من أخطر وأقوى النحل التي أقلقت أهل السنة فقد ألف فيها علماء العصر مؤلفات خاصة في الرد عليهم بالإضافة إلى ما أوردوا عليهم من ردود في مصنفاتهم الكلامية، فإمام الحرمين الجويني يؤلف كتاب غياث الأمم في التياث الظلم يخصص الحديث فيه عن الإمامة، والإمام الغزالي يؤلف كتاب المستظهري أو فضائح الباطنية، وحجة الحق، وقواصم الباطنية، ويؤلف الشيخ أبو المعين كتابه الإفساد لخدع أهل الالحاد ويرد في على الباطنية.

وإذا رجعنا إلى بيئة الإمام أبي المعين في بلاد ما وراء النهر وجدنا أن الأمر يبدو قد استقر لأهل السنة وخاصة الحنفية، فشعوب هذه المنطقة من الأتراك وحكامها في عصر الإمام أبي المعين من السلاجقة الأتراك. وقد أصبح السلاجقة كغيرهم من الشعوب التركية متمسكين بعقائد المذهب السني بمجرد تحولهم إلى الإسلام، وقد عرفوا بشدة تحمسهم لهذا المذهب وتمسكوا كغيرهم من الأتراك بعقائد المذهب الحنفي، ومع هذا فلم يخل هذا الاستقرار ممن يعكر صفوه من المذاهب المناوئة، كما يتضح ذلك من مقدمة كتاب التمهيد التي يذكر فيها الشيخ أن طالب الكتاب قد تعقب أهل البدع فخيب سعيهم وأراق دماءهم. هذا وإن كان واضحا أن الغلبة والنفوذ كانا لأهل السنة، وفي بلاد ما وراء النهر قامت نهضة علمية واسعة النطاق فعنها يقول المؤرخ شمس الدين المقدسي في كتابه أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم بعد أن جعلها هي وخراسان إقليما واحدا يسميه إقليم الشرق: "أنه أجل الأقاليم، وأكثرها أجنة وعلماء، وهو معدن الخير، ومستقر العلم، وركن الإسلام المحكم، وحصنه الأعظم وملكه خير الملوك، وجنده خير الجنود فيه يبلغ الفقهاء درجة الملوك، وهو أكثر الأقاليم علما وفقها، وللمذكرين به صيت عجيب، ولهم أموال جمة، والغلبة في الإقليم لأصحاب أبي حنيفة.

أما بخارى فقد أصبحت مركزا من مراكز الحضارة تضارع المدن الكبرى كبغداد والقاهرة وقرطبة. وأما نسف فقد خرج منها من العلماء في كل فن جماعة لا يحصرون، ويكفي أن نستعرض ألقاب من نسبوا إلى هذه البلاد كالبخاري والنسفي والسمرقندي والشاشي لنعرف مدى ما وصلت إليه من نهضة علمية. ويأتي بعد ذلك الشيخ أبو المعين النسفي ليكون وليد عصره وبيئته، فهو الإمام الزاهد والعالم الفقيه الحنفي المحدث والمتكلم، يدعم آراء أسلافه بالبراهين القاطعة، ويعرض مذاهب خصومه من معتزلة وأشاعرة وحنابلة وجهمية وروافض وخوارج وغيرهم ويستدل على بطلانها بالحجج الدامغة. وينشر العلم بين الناس حتى يقول عنه تلميذه نجم الدين عمر النسفي: "كان عالم الشرق والغرب يغترف من بحاره، ويستضيء بأنوراه".

Source: wikipedia.org