If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
جرت عملية إحياء اللغة العبرية أثناء تطبيقها واقعياً في خطين متوازيين يتمثلان في إحياء اللغة العبرية المكتوبة من جهة وإحياء اللغة العبرية المحكية من جهة أخرى. فلم تكن العمليتان متصلتان في العقود الأولى القلائل، بل كانت تحدث في أماكن مختلفة أيضاً، حيث كانت اللغة العبرية المكتوبة تُجدد في مدن أوربية، بينما طُورت اللغة العبرية المحكية بشكل أساسي في فلسطين. لم تبدأ العمليتان بالاندماج حتى بداية القرن العشرين، فكانت هجرة حاييم نحمان بياليك إلى فلسطين في عام 1924 نقطة فاصلة في هذه العملية. لكن الاختلاف الكبير بين اللغة العبرية المحكية والمكتوبة بقي بعد نقل الأخيرة إلى فلسطين، ولا زال هذا الاختلاف قائم إلى اليوم. لم تبدأ خصائص اللغة العبرية المحكية في التسرب إلى الإنتاج الأدبي إلا في الأربعينات من القرن العشرين (في كتب موشى شامير ويزهار سملنسكى)، ولم تظهر اللغة العبرية المحكية على نحو واسع إلا في التسعينات وكتب ايتغار كيريت مثال على ذلك.
طرأت تغيرات في اللغة العبرية قبل عملية إحياء الكتابة العبرية الأدبية أثناء حركة هاسكالا اليهودية المشابه لحركة التنوير العلمانية. رأى أعضاء هذه الحركة المدعوون ماسكيليم والذين ناءوا بأنفسهم عن اليهودية الحاخامية بأن لغة الأدب الرفيع يجب أن تكون العبرية أو اللغة العبرية التوراتية. فكانوا يعتبرون الميشنايك واللغة الآرامية وأشكال أخرى من العبرية ناقصة وغير مناسبة للكتابة. وطغى على الكتابات الأدبية أثناء حركة هاسكالا مبدأين هما: الصفائية واللغة المنمقة. وينص مبدأ الصفائية على أن جميع الكلمات المستخدمة يجب أن تكون من أصل توراتي حتى لو لم يكن المعنى كذلك. أما مبدأ اللغة المنمقة فهو قائم على جلب آبيات كاملة وتعابير كما هي من التناخ، وكلما كان البيت منمق كلما اُعتبر أكثر جودة. وتعتبر الكلمات المفردة التي ترد في النص مرة واحدة ميزة لغوية أخرى تزيد من مقام النص.
ونعرض هذه الفقرة الافتتاحية من الرواية أهافت تسيون أو حب صهيون للكاتب أفراهام مافو كمثال لنص ينتمى لحركة الهسكالا:
واهتم أصحاب حركة الهسكالاه إلى جانب الأدب بعالم الصحافة العبرية، ابتداء من مجلة كهيلت موسار والتي تعد محاولة غير ناضجة قام بها موشى مندلسون في الخمسينيات من القرن الثامن عشر مروراً بمجلة همئسيف، ومجلة بخورى هعتيم، وكيرم حيمد، وصولاً إلى المجلة الأسبوعية همجيد، وصحيفة همليتس وهاتسفيرا، والمجلة الشهرية هشحار وغير ذلك.
وقد حافظ أصحاب هذه الحركة على الاتصال بينهم من خلال المجلات والصحف العبرية التي انتشرت بين الجاليات اليهودية في أوروبا واشتملت على مقالات عن حركة (حوخمت يسرائيل) ونصوص أدبية وأشعار. وقد ساهمت هذه المجلات مساهمة كبيرة في تحديث اللغة العبرية واستخدام اللغة في مجالات مختلفة.
إذا كان مافو قد نجح في رواية حب صهيون المُستمدة من خلفية مقرائية في وضع صفات منطقية للشخصيات والأماكن والأحداث، فإنه اضطر لاستخدام لغة الحكماء في رواية (ذئب في جلد حمل) لوصف شخصيات من يهود ليطا المعاصرين له. فعندما اتجه أدباء عصر الهسكالاه إلى جعل اعمالهم تتناول أحداث تدور في عصور أكثر حداثة، زاد الشعور بقلة المفردات الكثيرة التي كانت تُستخدم من قبل واقتصارها فقط على غرض الوصف وخاصة عند تأليف الكتب العلمية وكتب الطبيعة أو عند ترجمة الآداب من اللغات الأوروبية المختلفة. ولقد قام الكاتب مندلى موخير سفاريم بكسر هذا الحاجز أخيراً في نهاية الثمانينات من القرن التاسع عشر.
أُطلق على مندلى (1846 – 1917) المدعو يعقوب إبراهيم لقب "موخير سفاريم" أي بائع الكتب. بدأ مندلى الكتابة بالعبرية في زمن حركة الهاسكالا وتقيد بجميع مبادئ كتابتها، ثم قرر أن يكتب ياللغة اليدشية فسبب ثورة لغوية تتجسد في الانتشار الواسع لاستخدام اللغة اليدشية في الأدب العبري. وعاد مندلى إلى الكتابة باللغة العبرية في عام 1886 بعد انقطاع طويل، لكنه قرر أن يتجاهل قواعد اللغة العبرية التوراتية وأضاف حشد من المفردات من العصر الحاخامي والقرون الوسطى. وقد استخدم أسلوباً جديداً في كتابه "في قلب الضجيج "، هذا الأسلوب الذي يتسم بالاستطالة والتنوع يعكس لغة الكلام الييديشية التي كان الناس يتحدثون بها في محيطه، كما أنه حافظ في الوقت ذاته على جميع الأطوار التاريخية للغة العبرية. كان مندلى في حاجة إلى لغة لتمثل اللغة العامية التي تحتوي على النكات اللغوية والوصف التفصيلي في أعماله باللغة العبرية والتي كان بعضها ترجمات لكتبه باللغة اليدشية. وكان هذا الأمر كافياً للتخلص من قيود البلاغة التوراتية وبلاغة عصر الهسكالا، وكافياً أيضاً للتوجة إلى استخدام تعبيرات ومفردات تنتمى إلى لغة الحكماء مع دمجها بسمات تركيبية مستمدة من اللغات الأوروبية.
وقد اعتبرت لغة مندلى "لغة تركيبية" أى أنها تتركب من عدة مراحل لغوية سابقة وليست امتداد مباشر لمرحلة لغوية معينة. وتوصل الباحثون في الآونة الأخيرة إلى حقيقة مفادها أن لغة مندلى تعد امتداد مباشر للغة الأدب الرباني والحسيدي الذي يعود إلى بداية العصر الحديث، مع إضافة مبادئ حديثة وخاصةً في مجال النحو.
أنتشر أسلوب مندلي بسرعة وتبناه الكتاب المعاصرون بلهفة كبيرة. وتوسع أستخدام هذا الأسلوب في مجالات إضافية حيث استخدمه آحاد هعام في مقالتة "ليس هذا هو الطريق" في عام 1889، واستخدمه أيضاً حاييم نحمان بياليك في الشعر في قصيدته "إلى الطير" في ذات السنة. وإضافة إلى ذلك ’بذلت جهود كثيراً لكتابة الكتب العلمية وكتب الطبيعة باللغة العبرية، وبهذا زادت المُصطلحات العلمية والتقنية بشكل كبير. وشهدت أوروبا في الوقت ذاته نهوض اللغة العبرية في الصحف والمجلات وكانت جلسات ونقاشات الجماعات الصهيونية تُجرى وتُسجل باللغة العبرية. ومارس شعراء وكتاب اللغة العبرية حين قدموا إلى فلسطين قدراً معيناً من التأثير على تطور اللغة العبرية المحكية كذلك. على الرغم من التقارب الجغرافي واللغوي بين المراحل المختلفة، ظلت عبرية الكتابة تتميز بسمات كثيرة عن عبرية الكلام، أكثر من أي لغة أخرى تميز بين لغة الكلام ولغة الكتابة. وفي العبرية ينتهج كلاً من علم تركيب الجملة والمفردات وقواعد اللغة نهجاً مختلفاً في الكتابة عن لغة الكلام. وفي البداية كان تمثيل لغة الحديث في الأدب العبرى يتم باستخدام أسلوب راقٍ ورسمي جداً، ولكن في النصف الثاني من القرن العشرين تسربت بعض السمات الأسلوبية الخاصة بلغة الكلام العبرية إلى لغة الحوار الأدبي.