If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
قسَّمت كاترين الثانية إمبراطوريَّتها إلى عدَّة أقسامٍ فرعيَّةٍ عُرف القسم الواحد منها باسم «غوبرنيه» وهي تُرادف «الولاية» أو «المُقاطعة» أو «الحاكميَّة» بِاللُغة العربيَّة، وقد بقيت مُعظم تلك التقسيمات التي وضعتها على حالها حتَّى قيام الثورة البلشُفيَّة سنة 1917م وانهيار الإمبراطوريَّة الروسيَّة. كان أسلاف كاترين من الأباطرة قد تقاعسوا عن تطوير التقسيمات الإداريَّة التي وضعها بُطرس الأكبر قبل سنواتٍ عديدة، فأصبحت تلك التقسيمات بدائيَّة ولا تسمح لِلدولة بِبسط سيطرتها بشكلٍ سليمٍ على كافَّة أنحاء البلاد، وكانت الحُكومة الروسيَّة تُعيِّن عددًا قليلًا من الوُلاة لِلنظر في شُؤون الأقاليم، الذين كان أغلبهم من الفاسدين والمُرتشين، كما اعتمدت على الإقطاعيين وعلى لِجان البلدات والقُرى لِإدارة شؤون إقطاعيَّاتهم وقُراهم وبلداتهم. ظهرت حاجة الإمبراطوريَّة إلى تقسيمٍ إدرايٍّ جديدٍ لِلبلاد بدايةً من سنة 1775م عندما أعلن إميليان پوگاچيڤ القوزاقي العصيان على الإمبراطوريَّة وسيطر مع جماعته على المنطقة المُمتدة بين نهر الڤولغا وجبال الأورال مُستغلًا ضعف الإدارة المحليَّة وعجز الحُكومة على فرض نُفوذها وهيبتها في المناطق البعيدة عن بطرسبرغ وموسكو. أمام هذا الواقع، أصدرت كاترين يوم 7 تشرين الثاني (نوڤمبر) 1775م قرار «إنشاء مُقاطعاتٍ جديدةٍ لِضمان التحكُّم والسيطرة على الإمبراطوريَّة الروسيَّة»، الذي تضمَّن إلغاء التقسيم الإداري ذي المُستويات الثلاث (المُقاطعة والأبرشيَّة والإقليم) الذي وضعه بُطرس الأكبر، واستبداله بِتقسيمٍ جديدٍ من مُستويان: الحاكميَّة والمُقاطعة. بناءً على هذا، أُنشئت 53 حاكميَّة جديدة تراوح عدد سُكَّان كُلٌ منها ما بين 350 و400 ألف نسمة، وقُسِّمت كُلُّ حاكميَّةٍ منها إلى ما بين 10 و12 مُقاطعة، تراوح عدد سُكَّانها بين 20 و30 ألف نسمة. ونظرًا لِقلَّة المُدن الكُبرى التي يُمكن أن تُتتخذ قصباتٍ لِلحاكميَّات الجديدة، أقدمت كاترين على تغيير صفة أكبر التجمُّعات الحضريَّة في كُل حاكميَةٍ على حِدى، من بلدات إلى مُدن، وجعلتها عواصمها. أمَّا إدارة الحاكميَّة فأوكلت إلى هيئة قضائيَّة يرأسها صاحب الشُرطة، المُنتخب من قِبل النُبلاء. وفي الحاكميَّات الأكثر أهميَّة كان يُعيَّن أمينُ صُندوقٍ لِلإشراف على ماليَّتها، ومسَّاحُ أراضٍ لِمُتابعة أُمور الأراضي الزراعيَّة والمشاعيَّة.
وبمُقتضى الإصلاحات الإداريَّة أيضًا، أوكلت رئاسة عدَّة حاكميَّات (غالبًا ثلاثة) إلى مُوظفٍ حُكوميٍّ عُرف باسم «الحاكم العام». وكان الحاكم العام يتمتَّع بِصلاحيَّاتٍ واسعة على المُستوى الإداري والمالي والقضائي، وتأتمرُ بِأمره جميع الوحدات العسكريَّة وقادتها المُرابطين ضمن حُدود الحاكميَّة، ولم يكن يُسأل عن أعماله إلَّا أمام الإمبراطورة مُباشرةً (ومن تلاها من أباطرة بِطبيعة الحال). أمَّا تعيينه فكان يتم عبر مجلس الشُيُوخ. قُسِّم الجهاز الإداري في الحاكميَّات إلى ثلاث مُستويات على أساس الفرُوقات الطبقيَّة والاجتماعيَّة بين الناس: القضاء الأعلى المُمثل بِالمحكمة الإداريَّة العُليا، واختصاصها النظر في المُنازعات التي تنشأ بين النُبلاء وكِبار القوم؛ القضاء الإداري المُمثل بِالمحكمة الإداريَّة الوُسطى، واختصاصها النظر في المُنازعات التي تنشأ بين طبقة العوام من أهالي المُدن مثل التُجَّار والحرفيين والأطباء وغيرهم؛ وقضاء الفلَّاحين والمُزارعين المُختص بِالنظر في المُنازعات التي تنشأ بين أفراد هذه الطبقة. أمَّا على مُستوى المُدن، فقد جُعل على رأس كُل مدينةٍ منها عُمدة واسع الصلاحيَّات، يُعاونه جهازُ شُرطة في إقرار الأمن والأمان. وقُسِّمت المُدن إلى مناطق يُشرف على كُل منطقةٍ منها مُساعد صاحب الشُرطة في المدينة، وقُسِّمت المناطق بِدورها إلى أحياء سكنيَّة يتولَّى الإشراف عليها ضابطٌ مُفوَّض من صاحب الشُرطة. أشار بعض المُؤرخين المُعاصرين إلى وُجود قُصورٍ كبيرٍ في عددٍ من جوانب الإصلاح الإداري الذي أجرته كاترين الثانية، فيقول المُؤرِّخ نِقولا پاڤلنكو أنَّ تلك التغييرات لم تأخذ بِعين الاعتبار العلاقات القائمة أساسًا بين الأهالي والمراكز التجاريَّة والإداريَّة التي كانت موجودة، فبعد أن كانت إحدى البلدات الكُبرى في إحدى المُقاطعات مثلًا تُشكِّلُ قِبلة التُجَّار لِأسبابٍ جُغرافيَّة واستراتيجيَّة، تحوَّلت بين ليلةٍ وضُحاها إلى بلدةٍ عاديَّةٍ، ونُقل المركز الإداري والتجاري لِلمُقاطعة إلى بلدةٍ أُخرى دون مُراعاة مؤهلاتها وإن كانت تصلح لِهذا، فتأثَّر أهالي البلدة الأولى سلبًا بِهذا. كما أنَّ هذا التقسيم تجاهل التكوينات العرقيَّة والإثنيَّة لِلمُقاطعات، فعلى سبيل المِثال قُسِّم إقليم موردوڤيا الذي شكَّل المورديڤيين الفينيين أغلب سُكَّانه إلى أربعة أقسام، ممَّا جعل هؤلاء القوم يتساوون بِالعدد أمام العرقيَّات الأُخرى في تلك الأقسام (الروس، والتتر، والأوكرانيُّون) أو يقلُّون عنها حتَّى. دفع هذا الأمر نِقولا پاڤلنكو إلى القول بأنَّ الإصلاح الإداري الذي انتهجته كاترين الثانية لِروسيا كان في الواقع تفتيتًا لِلبلاد وأشبه بِتشريح جسد شخصٍ على قيد الحياة. يقولُ آخرون أنَّ التقسيمات والتراتُبيَّات الإداريَّة الجديدة التي وضعتها كاترين الثانية كانت في الواقع مُثيرة لِلجدل في أيَّامها، إذ قال مُؤرخون مُعاصرون لها أنَّ تلك الخُطوة أدَّت إلى ازدياد حجم الرشوة وعدد المُرتشين من الموظفين الحُكوميين، فبعد أن كان المُواطن يُرشي مسؤولًا واحدًا لِلوصول إلى مُبتغاه وإنجاز مصالحه الحُكوميَّة، أصبح عليه في العهد الكاتريني أن يُرشي عدَّة موظفين بِتراتُبيَّاتٍ مُختلفة، فالإصلاح الإداري لم يُرافقه إصلاحٌ في ذمم ونُفوس المسؤولين. يقول المُؤرِّخ نِقولا چيچولين أنَّ الإصلاح الإداري الذي أطلقته كاترين الثانية أدَّى إلى زيادةٍ ملحوظةٍ في تكاليف صيانة الجهاز البيروقراطي لِلإمبراطوريَّة، حتَّى أنَّ التقديرات الأوليَّة لِمجلس الشُيُوخ أظهرت أنَّ تنفيذ مشروع الإصلاح هذا من شأنه زيادة إجمالي الإنفاقات في ميزانيَّة الدولة بِنسبةٍ تتراوح بين 12 و15%، لكن على الرُغم من ذلك فإنَّ المشروع نُفِّذ «بِطيشٍ كبيرٍ» على حد تعبير چيچولين، دون مُراعاة لِهذه النُقطة، الأمر الذي أدَّى إلى ظُهورٍ عجزٍ في ميزانيَّة الدولة بعد فترةٍ قصيرةٍ من بداية الإصلاحات، ولم تتمكن من القضاء عليه نهائيَّا إلَّا قُبيل نهاية العهد الكاتريني بِقليل. بِالإجمال، فإنَّ تكلُفة الحفاظ على الجهاز البيروقراطي لِلإمبراطوريَّة وصيانته زادت في عهد كاترين الثانية بِحوالي 5.6 مرَّات: من 6.5 ملايين روبل سنة 1762م إلى 36.5 ملايين روبل سنة 1796م، مُتفوِّقةً بِذلك على زياداتٍ أُخرى مثل زيادة الانفاقات العسكريَّة (التي ازدادت بِحوالي 2.6 مرَّات خِلال هذا العهد)، وعلى جميع الزيادات في المصاريف الحُكوميَّة الروسيَّة طيلة القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.