العربية  

books preliminaries

If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.

View more

العمليَّات التمهيديَّة (Info)


كان هدف الروم الأوَّل هو الاستيلاء على قيليقية تمهيدًا لِلوُلوج إلى الشَّام والقضاء على سيف الدولة، ثُمَّ الاندفاع نحو الجنوب في سبيل نُصرة المسيح والإمبراطور الذي يُمثِّله على الأرض، وبُلُوغ أطراف الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة المُؤدية إلى بيت المقدس، وانتزاعه من المُسلمين. ففي سنة 348هـ المُوافقة لِسنة 959م، اجتاح الدمستق ليون فوقاس مدينة طرسوس واستولى على حصن الهارونيَّة قُرب مرعش يوم 1 شوَّال المُوافق فيه 5 كانون الأوَّل (ديسمبر)، ثُمَّ توجَّه إلى ديار بكر، فتصدَّى لهُ سيف الدولة، فعاد إلى الشَّام وهو يقتل ويُدمِّر ويهدم الحُصُون والقلاع، وتوَّج حملته بِأسر مُحمَّد بن ناصر الدولة الحمداني. خرج سيف الدولة في سنة 349هـ المُوافقة لِسنة 960م على رأس جيشٍ كبيرٍ، تعداده ثلاثون ألف مُقاتل، وتوغَّل في الأراضي البيزنطيَّة حتَّى خرشنة، وهو يقتل ويسبي ويحرق ويفتح الحُصُون من دون أن يحفل بما خلَّفه وراءه ليون فوقاس من جُندٍ في الشَّام، فوقع في خطأٍ عسكريٍّ كلَّفهُ غاليًا. تجنَّب ليون الدُخُول في معركةٍ سافرةٍ مع سيف الدولة الذي يتفوَّق عليه في العدد والعتاد، وفضَّل أن يكمن له في ممرَّات جبال طوروس، فاحتلَّ الدُرُوب الرئيسيَّة التي تُحتِّم على سيف الدولة أن يجتازها عند عودته. وفعلًا بلغ الجيش الحمداني بعد انتصاره سفح جبال طوروس من الجهة الشرقيَّة واتخذ طريقه في دربٍ صخريٍّ ضيِّقٍ اشتُهر باسم «مغارة الكُحل»، ويُعدُّ من أهمِّ الدُروب التي كانت تسلُكها الفرق العسكريَّة الإسلاميَّة. واحتشدت القُوَّات البيزنطيَّة في هذا الدرب، حتَّى إذا تقدَّم سيف الدولة بِمن معهُ من الأسرى وبِما يحملُ من الغنائم، انقضَّ عليه ليون بِقُوَّاته، فدارت بين الطرفين معركة في 15 رمضان المُوافق فيه 8 تشرين الثاني (نوڤمبر)، تعرَّض فيها سيف الدولة لِخسارةٍ جسيمة وصلت إلى حد الكارثة، فقد وضع ليون السيف في قُوَّاته، ونجا سيف الدولة مع ثلاثمائة مُقاتل بشقّ النفس، وعاد إلى حلب، واستردَّ ليون الأسرى البيزنطيين والغنائم، واستولى على خزائن سيف الدولة وأسلحته ودوابه.

بعد انتصار ليون فوقاس في مغارة الكُحل وعودته إلى القُسطنطينيَّة، عُيِّن أخاه نقفور دمستقًا في الشرق، وعُهد إليه نقل الحرب إلى قلب الدولة الحمدانيَّة. أوَّل ما هاجمه نقفور من المُدن الإسلاميَّة كان عين زربة، بِفعل ضعف حاميتها، فضلًا عن صُعُوبة قُدُوم الإمدادات لِنجدتها، كما أنها تقع على الطريق المُباشر القصير الذي يمتد من قيصريَّة إلى حلب التي هي الهدف الأسمى له. واحتشدت العساكر القادمة من القُسطنطينيَّة ومن ثُغُور آسيا الصُغرى في قيصريَّة بِقباذق (كبادوكيا)، وقد بلغ عديدُها مائة وستين ألف جُندي، مُدعَّمين بِالدبَّابات وأدوات الحصار. تحرَّكت هذه الجحافل باتجاه عين زربة سالكةً الطريق المُباشر الذي يربطها بِقيصريَّة، وعندما وصلت إليها ضربت حصارًا مُركزًا عليها، فتصدَّى لها رشيق النسيمي حاكم طرسوس، إلَّا أنَّهُ تعرَّض لِلهزيمة وفقد نحو خمسة آلاف قتيل وأربعة آلاف أسير. والواقع أنَّ المدينة جرى تشييدها في موقعٍ منيعٍ في سفح جبلٍ شديد الانحدار يُحيطُ بها سورٍ ذو حائطٍ مُزدوج، وتتوقَّف استدارته عند الجهة المُلاصقة بِالجبل، وتطُل قمَّته على المدينة، وأنَّ كُل من يستولي عليها يُصبح باستطاعته الدُخُول إلى المدينة بِسُهولة، فأرسل نقفور قُوَّةً عسكريَّةً من الفُرسان ارتقت القمَّة واحتلَّتها. وتعرَّضت أسوار المدينة لِقذائف المجانيق، فأحدثت بها ثغرة. ولمَّا رأى سُكَّانُ المدينة ما حدث من احتلال البيزنطيين لِلجبل، وأنَّ نقفور قد ضيَّق عليهم ومعهُ الدبَّابات، وقد وصل إلى السُور وشرع في النقب؛ طلبوا الأمان، وقبلوا أن يُسلِّموا المدينة مُقابل الإبقاء على حياتهم، فأمَّنهم نقفور، وفتحوا له باب المدينة فدخلها في شهر مُحرَّم سنة 351هـ المُوافق فيه شهر شُباط (فبراير) سنة 962م، وكان جُنده الذين في الجبل قد سبقوه إليها، فندم على منح السُكَّان الأمان حيثُ كان باستطاعة جُنده الاستيلاء على المدينة في يُسرٍ وسُهولةٍ، فنقض عهده، وأصدر أوامره إلى سُكَّانها بِأن يجتمعوا بِالمسجد الجامع، ومن تأخَّر في منزله قُتل، فخرج من أمكنهُ الخُروج، فلمَّا أصبح أنفذ رجاله إلى المدينة، وكانوا ستِّين ألفًا، وأمرهم بِقتل من يجدوه في منزله، فتعرَّض لِلقتل كُل ما صادفه الجُند بِشوارع المدينة ودُورها، ثُمَّ جمع السلاح وأمر من في المسجد بِأن يخرجُوا من المدينة إلى حيثُ يشاؤون، وهدَّد من يبقى بِالقتل، غير أنَّ عددًا كبيرًا منهم لقي حتفه بِسبب شدَّة الزُحام والبرد والجُوع، ومن نجا منهم لجأ إلى طرسوس، وتعرَّضت المدينة لِلنهب ودمَّر البيزنطيُّون الدُور والأسوار.

وظلَّ نقفور واحدًا وعشرين يومًا في المنطقة وحول المدينة، استولى خلالها على أربعةٍ وخمسين حصنًا عنوةً وصُلحًا، وارتكب جُنُودهُ كثيرًا من الأعمال الوحشيَّة والبشعة، وأظهر من الشدَّة والصرامة والقسوة ما اعتقد أنها تُلقي الرُعب في نُفُوس السُكَّان من المُسلمين بِهذه الجهات وعلى الأطراف، فيجلون عنها، فتعرَّض السُكَّانُ لِلقتل والتشريد والعذاب ما أدَّى إلى هلاك عددٍ كبيرٍ منهم، ومن نجا من القتل من الأطفال جرى عليهم الرِّق، ولم تنجُ الأشجار والنباتات من يد التخريب، فأمست المناطق المُجاورة لِعين زربة خرابًا يبابًا. ولا يبدو أنَّ نقفور فوقاس استولى في هذه الحملة على طرسوس والمصيصة؛ إذ لم تتعرَّض هاتان المدينتان لِحصار البيزنطيين، والرَّاجح أنَّ ما حدث من انهزام ابن الزيَّات حاكم طرسوس ووفاته، قضى على كُل مُقاومة في هذه الناحية. والمعروف أنَّ ابن الزيَّات ثار على سيف الدولة إثر هزيمته على يد الروم، فقطع اسمه من الخِطبة في طرسوس وأعمال الثُغُور وأقامها لِلخليفة أبو القاسم الفضل المُطيع لِله وحده، ثُمَّ خرج بِنفسه على رأس أربعة آلاف مُقاتل لِمُحاربة البيزنطيين، فهزمه نقفور وقتل أكثر جُنده، كان من بينهم أخٌ له. ولمَّا عاد إلى طرسوس وجد أنَّ السُكَّان أعادوا الخِطبة لِسيف الدولة وراسلوه بِذلك، فصعد إلى روشن في داره فألقى بِنفسه منهُ إلى نهرٍ تحته فغرق، وراسل أهلُ بغراس الدمستق، وبذلوا له مائة ألف درهم، فأقرَّهم وترك مُعارضتهم. بعد هذا، لم يبقَ أمام نقفور سوى أن يُواجه عدوَّهُ سيف الدولة بِكُل قُوَّته، فيُخضع أقاليمه الخصبة، ويُهاجم عاصمته. وتحتَّم عليه من أجل ذلك أن يستولي على ممرَّات جبال الآمانوس، ممَّا يُؤمِّن لهُ السيطرة على قيليقية، ويُسهِّل لِلروم النفاذ إلى الشَّام والمسير إلى حلب. وتعود شُهرة هذه الجبال إلى أنَّ جميع الغُزاة والفاتحين اجتازوها، فمنها غزا المُسلمون قيليقية وما يليها من جهات الأناضول، ولا بُدَّ لِنقفور فوقاس أن يجتازها لِيُهاجم سيف الدولة في قلب دولته. غير أنَّ فصل الشتاء أقبل، وبدأت الثُلُوج تتساقط لِتسُد الممرَّات الجبليَّة، كما أنَّ موسم الصوم أضحى على الأبواب، ويبدو أنَّ الدمستق فكَّر وقتذاك القيام بانقلابٍ وتسلُّم الحُكم بِفعل ما اشتهر به الإمبراطور رومانوس الثاني من الخفَّة والطيش، لِذلك كان عليه أن يكون قريبًا من العاصمة والاتصال ببعض العناصر المُؤيِّدة له. ومهما يكن من أمرٍ، فقد قرَّر نقفور فوقاس العودة إلى القُسطنطينيَّة على أن يستأنف حملاته العسكريَّة في الربيع القادم بعد عيد القيامة، وترك جيشه في قيصريَّة. اتاح انسحاب نقفور فوقاس من قيليقية الفُرصة لِسيف الدولة لاستئناف نشاطه الجهادي، فأعاد بناء ما تهدَّم من عين زربة، وأنفق في ذلك ثلاثة ملايين درهم، على أنَّ هذه المدينة فقدت أهميَّتها، بِدليل أنَّ البيزنطيين لم يُقدموا على الاستيلاء عليها مرَّة أُخرى.

Source: wikipedia.org