If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
على الرغم من الآثار الكارثية التي خلّفتها الحروب الصليبية على العالم الإسلامي من حيث العلم، والحضارة، واللغة، والشعب، إلّا أنّ الأمة الإسلامة استطاعت احتواء أعدائها، وترويضهم من خلال مقومات البقاء والصمود التي تملكها، وقد بيّن ذلك ابن جبير في حاضرة صقلية، حيث قال: (وزي النصرانيات في هذه المدينة زي نساء المسلمين؛ فصيحات الألسن، ملتحفات، منتقبات)، كما أنّ عدداً من القادة الأوروبيين أُعجبوا بالحضارة الإسلامية، كروجر الثاني ملك صيقليه الذي أمر بجلب الكثير من الكتب العربية وترجمتها، والذي كان يحترم العلماء المسلمين ويُجلّهم، والإمبراطور فريدريك الثاني، الذي كان يجيد اللغة العربية كأنّها لغته الأصلية، حيث تأثر في طفولته باللغة العربية بعد أن أهداه قاضي مدينة بالرمو عدداً من الكتب العربية في مختلف مجالات العلوم، وقد قال عنه ابن جبير: (ومن عجيب شأنه المتحدَّث به أنّه يقرأ ويكتب بالعربية)، وقد أدّى اهتمام العلماء الأوروبيين بترجمة العلوم الإسلامية إلى ثورةٍ علميةٍ عظيمةٍ في أوروبا، حيث دفعت تلك النصوص العلمية العلماء إلى الاستيقاظ من سباتهم، وشجّعتهم على البحث والتفكير، ومن الآثار الناتجة عن الحروب الصليبية ترجمة القرآن الكريم إلى اللغات الأوروبية، وترجمة الإنجيل إلى اللغة العربية ليتستعين به المبشّرون في دعوتهم إلى النصرانيّة، وليتمكّن المسلمين من قراءته والاطلاع عليه، وظهر الاستشراق الذي يقوم على دراسة تراث الشرق، وعاداته وتقاليده، وبدأت حركة الاستشراق منذ القرن العاشر الميلادي، واستمرت إلى الوقت الحاضر.