If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
بعد أن أنهى مروان أمر الأسرى كان قد حل فصل الشتاء، فذهب بجيشه إلى مدينته كسال وأقام فيها حتى انتهى الشتاء، - وكان مروان لا يُحارب بالشتاء بسبب وعورة الطرق وصعوبة المسير مع قسوة شتاء القوقاز وثلوجه وأمطاره وعواصفه وأعاصيره -، ولما جاء الربيع قرر أن يواصل غزواته في جميع بلاد القوقاز غير المسلمة، فتوجه إلى مملكة سماها العرب "السرير" - وهي مملكة واسعة تقع بين بلاد اللان ودربند ليس لها إلا طريقين طريق إلى أرمينيا والآخر طريق بلاد الخزر -، وحينها أرسل مروان إلى نائبه على الإمارة أسيد بن زافر السلمي يأمره أن يأتي إليه مع الجند والمقاتلين الذين هناك، ثم رحل مروان من كسال حتى عبر نهر الكر ووصل إلى بلد يقال له شكى ومن شكى إلى بلاد السرير، وما آن دخل البلد حتى وصل إلى قلعة يقال لها قلعة البلال - وهي قلعة منيعة وحصينة -، ففرض عليها الحصار لمدة شهر كامل وحاول بكل الطرق فتحها فلم يستطع ذلك حتى خطرت له حيلة من الحيل، بعدها نادى الحدّادين الذين معه فأمرهم أن يصنعوا له أعمدة من حديد مثل السكك، ففعلوا ذلك، ثم أمرهم أن يأتوا بألواح من الخشب وعندما انتهوا من صنعها، أختار 8 آلاف رجل من أفضل جنوده وآمر بوضع ألواح الخشب وأعمدة الحديد على البغال، فسار بالجنود والبغال إلى آخر القلعة عندها آمر أن يضعوا أعمدة الحديد بين حجارة السور واحداً تلو الآخر ثم آمرهم بوضع لوحين من ألواح الخشب عليها، بعدها آمر الجنود بالصعود عليها فاستمروا بوضع أعمدة الحديد وألواح الخشب حتى وصلوا إلى سطح القلعة، وأهل القلعة غافلون لا يعلمون أن المسلمين دخلوا عليهم من الخلف، فصعد مروان بن محمد ومعه جنوده فاقتحموها وقاتلوا جنودها حتى استطاعوا هزيمتهم وفتحوا باب القلعة لبقية الجيش، ثم جلس مروان على صخرة عند باب القلعة فأمر بإحضار بقية الجنود رجلاً تلو الرجل فقتلهم بنفسه حتى لَم يبقى أي جندي بالقلعة وآسر وسبى بقية سكان القلعة وآمر بهدم أسوار القعلة فهُدِم حتى سُوِّي بالأرض.
ثم ذهب إلى حصن غومسك فقاتلهم كثيراً حتى انتصر عليهم فقتل جنودهم، وسبى وآسر بقية سكان المنطقة، وهدم حصنهم. في تلك الأثناء وصل الخبر لملك بلاد السرير أن مروان توغل في بلاده وأنه في طريقه إليه فهرب إلى أقوى قلاعه وهي قلعة تسمى خيزج فلحقه مروان حتى وصل إليها ففرض عليها الحصار وعسكر بجيشه حولها فمضت أياماً وهو يحاول فتحها أو حتى الدخول إليها ولم ينفع معه أي شيء ولم يقدر عليها بوجه من الوجوه أو حيلة من الحيل فغضب كثيراً، عندها أقسم مروان على القرآن بيمين ليست لها كفارة أو قضاء أنه لن يترك هذه القلعة حتى يستطيع دخولها أو يموت وهو يُحاول فتحها والسيطرة عليها، بعدها أمر الجنود بأن يبنوا لأنفسهم بيوتاً يعيشون فيها لأنهم لا يُغادروا مكانهم حتى ينتصرون على أهل القلعة فبقى مروان مع جنوده سنة كاملة يحاصرونها حتى خطرت لمروان حيلة تمكنه من تحقيقه قسمه بدخول القلعة وأيضاً تُمكنه من التجسس على القلعة وتحديد مكان يستطيع منه هزيمتها والانتصار على القلعة.
بعدها قام مروان لتنفيذ حيلته، فاستحم وغسل جسده ودلكه تدليكا شديداً حتى ذهبت رائحة العطور والطِيب منه وذلك حتى لا يشم أهل القلعة رائحة الطيب والعطر الكثير على جسده فيعرفون أنه ليس رجلاً عادياً ويشكون به، ثم نادى طباخه وآمره بإعطاؤه ملابسه فارتداها مروان ولف على رأسه عمامة قذرة وتنكر على هيئة رجل عادي فقير، ثم جلس وكتب رسالة يقول فيها: «من مروان بن محمد إلى صاحب السرير: أما بعد فإني قد حلفت أني لا أنصرف أو تسالمني وأسالمك آخر الدهر، فإن رأيت أيها الملك أن تأذن لرجلي حتى يدخلها وينظر إليها فعلت ذلك منعماً إن شاء الله تعالى.»، أي أنه إذاً جعل رسول مروان - وهو نفسه مروان - يتجول بالقلعة فإنه سوف يُغادر ويتركه وشأنه، ثم أخذ الرسالة وذهب وحده متنكراً لباب القلعة فاستأذن من الحراس قائلاً: «قولوا للملك: رسول مروان بالباب»، فأذن له الملك بالدخول فذخل مروان وحده وأعطى ترجمان الملك الرسالة فقرأها على الملك بلغته حتى انتهى فقال الملك لرجاله متفاخراً بقوة قلعته: «خذوا هذا الرجل وأديروه في القلعة حتى ينظر هل لأحد إليها من سبيلٍ ؟!!»، أي دعوه يرى القلعة أنها لا تُهزم من شدة قوتها وحصانتها، فأخذوا مروان وهم لا يعرفونه هويته فجعلوه يرى كل القلعة حتى وجد ثغرة ضعيفة يستطيع منها أن يدخل للقلعة فحفظ موضعه وتعرف عليه، ثم أكمل مروان خداعه لهم بأن المسلمين يتجهزون لترك القلعة قائلاً: «أعطوني خبزاً آكل فإني جائعٌ وأخاف أن يرحل مروان ولا ألحقه» فصدق أهل القلعة أن مروان في طريقه لتركهم وأعطوا الرسول خبزاً ولحماً وأخرجوه من القلعة، وما آن خرج مروان من القلعة حتى ارتدى ثيابه وأخذ قلمه وكتب إلى الملك يخبره بأنه استطاع تبرير قسمه ودخل القلعة وتعرف على مكان يقدر منه دخولها مرة أخرى، وكان محتوى رسالته: «أما بعد يا ابن الخبيثة! فأنا مروان بن محمد، وأنا الذي كنت رسول نفسي، فقد أبررت بيميني التي كنتُ حلفتُ بها أني لأدخل إلى قلعتك، وقد دخلتها ودرت فيها وعرفت مسالكها، وأنا أرجو أن أدخلها ثانية إن شاء الله وأنفكَ راغمٌ فانظر أي رجلٍ تكون!»
بعد هذه الرسالة ارتعب الملك كثيراً وعلم أن مروان خدعه ودخل قلعته بالحيلة، فخاف على نفسه وبلده فأتقى وأرسل لمروان يستسلم ويطلب الصلح والسلام ووافق على دفع الجزية وإتاوة وهي ألف رأس من العبيد 500 منهم جواري و500 رجال، ومائة ألف مدي من الطعام والشراب - والمدي يقدر بـ 19 صاع -، وعشرة آلاف دينار ذهبي يرسلونها كلها بداية كل سنة للمسلمين في دربند، وأخذ مروان رهناً من الملك على ذلك، وأبقى مروان الملك على بلاد السرير ولَم يُغيره وأقره على مُلكه وخرج منتصراً.