If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
خيرُ المُلُوك السُلطان الغازي أبي الخيرات مُعز الدين وسياج المُسلمين مُراد خان الثاني بن مُحمَّد بن بايزيد العُثماني (بالتُركيَّة العُثمانيَّة: خيرُ المُلُوك غازى سُلطان مُراد خان ثانى بن مُحمَّد بن بايزيد عُثمانى؛ وبالتُركيَّة المُعاصرة: Sultan II. Murad Han ben Gazi Sultan I. Mehmed Han)، ويُعرف اختصارًا باسم مُراد الثاني أو خُوجة مُراد (بالتُركيَّة العُثمانيَّة: خوجۀ مُراد؛ وبالتُركيَّة المُعاصرة: Koca Murad)؛ هو سادس سلاطين آل عُثمان ورابع من تلقَّب بِلقب سُلطانٍ بينهم بعد والده مُحمَّد وجدُّه بايزيد وجد والده مُراد، وأوَّل من لُقِّب بِالـ«ثاني» من سلاطين آل عُثمان، وأوَّل من قُلِّد سيف عُثمان الغازي عند البيعة.
تولَّى مُراد الثاني عرش الدولة العُثمانيَّة بعد وفاة والده مُحمَّد، واشتهر بين مُعاصريه بِلُجوئه إلى مُسايسة أعدائه كُلَّما كان بِوسعه ذلك، وكان - على الرُغم من ذلك - مُغرماً بِالفُتُوحات، على أنَّهُ لم يشن حربًا إلَّا وهو واثق من النصر، وكان ذا حزمٍ وعزمٍ، وهو وإن لم يُضارع أسلافه في الفُتُوح إلَّا أنَّهُ كان جديرًا بِأن يشترك مع والده بِحمل لقب الباني الثاني لِلدولة العُثمانيَّة، وذلك لِأنَّ السُلطانين توصَّلا بِجُهُودهما الكبيرة إلى إعادة الشأن لِلدولة العُثمانيَّة كما كان لها قبل نكسة أنقرة على يد المغول بِقيادة تيمورلنك. حاصر مُراد الثاني القُسطنطينيَّة بِجيشٍ عظيم لكنَّهُ لم يُوفَّق إلى فتحها، وكان حصارها عقابًا لِلرُّوم على إطلاقهم سراح الشاهزاده مُصطفى بن بايزيد، عم السُلطان مُراد المُدِّعي بِالحق في عرش آل عُثمان، وإثارة الأخير بلبلة في وجه ابن أخيه. وتمكَّن السُلطان مُراد من إخضاع جميع الإمارات التُركمانيَّة في الأناضول التي كان جدُّه بايزيد قد ضمَّها إلى الدولة العُثمانيَّة ثُمَّ أقامها تيمورلنك مُجددًا لمَّا تغلَّب على العُثمانيين في معركة أنقرة، كما أجبر الإمبراطور البيزنطي على الخُضُوع لِلدولة العُثمانيَّة ودفع جزية معلومة، واستطاع الاستيلاء على كُل الحُصُون والقلاع التي كانت لم تزل تحت تصرُّف الرُّوم في سواحل الروملِّي وبلاد مقدونيا وتساليا. واستخلص كُل المُدن الواقعة وراء برزخ كورنثة حتَّى باطن المورة. بعد ذلك حاول مُراد الثاني أن يُخضع البلقان لِسيطرته ويضمُّه إلى ديار الإسلام، لكنَّ البابا إيجين الرابع تخوَّف من التمدُّد الإسلامي في قلب أوروپَّا لا سيَّما بعدما استنجد به الإمبراطور البيزنطي يُوحنَّا الثامن پاليولوگ، فعقدت البابويَّة مُحالفة بين عدَّة مُلُوك غربيين كي يُساعدوا الرَّوم على مُحاربة المُسلمين وتخليص البلقان منهم، ووعد الإمبراطور البيزنطي مُقابل ذلك أن يسعى لِإقناع بطريركيَّة القُسطنطينيَّة المسكونيَّة وجميع بطاركة الشرق بِالخُضُوع لِلبابا. بناءً على هذا، قامت حملة صليبيَّة كبيرة سنة 846هـ المُوافقة لِسنة 1442م، تألَّفت من قُوَّاتٍ مجريَّةٍ بِالمقام الأوَّل، وعلى رأسها يُوحنَّا هونياد، والتقت بِالعُثمانيين عند مدينة نيش، فهزمتها هزيمة قاسية كان من نتائجها بعثُ الروح الصليبيَّة في أوروپَّا، وإعلان النضال الديني ضدَّ العُثمانيين.
بعد هزيمته النكراء ووفاة ابنه علاء الدين، شعر السُلطان مُراد بِتعبٍ من أعباء السلطنة وهُمُوم الدُنيا، فتنازل عن المُلك لِولده مُحمَّد، وانقطع لِلعبادة في تكيَّة مغنيسية وانتظم في سلك الدراويش. ولمَّا سمعت الدوائر الحاكمة في أوروپَّا بِذلك فسخت الهدنة وجهَّزوا جُيُوشًا لِمُحاربة الدولة العُثمانيَّة، فأُجبر السُلطان مُراد على الخُرُوج من عُزلته والعودة إلى السلطنة لِإنقاذها من الأخطار المُحدقة بها، فقاد جيشًا جرَّارًا والتقى بِالعساكر الصليبيَّة عند مدينة وارنة (ڤارنا) البُلغاريَّة وانتصر عليها انتصارًا كبيرًا، ثُمَّ عاد إلى عُزلته لكنَّهُ لم يلبث بها طويلًا هذه المرَّة أيضًا، لأنَّ عساكر الإنكشاريَّة ازدروا بِالسُلطان مُحمَّد الفتى، وعاثوا فسادًا في العاصمة أدرنة، فعاد السُلطان مُراد إلى الحُكم لِلمرَّة الأُخرى، وأشغل جُنُوده بِالحرب في أوروپَّا، وبِالأخص في الأرناؤوط، لِإخماد فتنة إسكندر بك الذي شقَّ عصا الطاعة وثار على الدولة العُثمانيَّة، لكنَّ المنيَّة وافت السُلطان قبل أن يُتم مشروعه بِالقضاء على الثائر المذكور، وذلك في 11 مُحرَّم 855هـ المُوافق فيه 13 شُباط (فبراير) 1451م.
كان مُراد الثاني شاعرًا ينظم القصائد بِالفارسيَّة والعربيَّة والتُركيَّة، وشهد عهده أهم الخُطُوات على صعيد الحياة الثقافيَّة العُثمانيَّة؛ وخاصَّةً على صعيد الفلسفة السياسيَّة، ويُسجِّل عهده نهاية الثقافة العُثمانيَّة المُتأثرة بِالثقافتين العربيَّة والفارسيَّة، من واقع ظُهُور أولى المُؤلَّفات المُسهبة بِاللُغة التُركيَّة التي أخذت تحل محل لُغتيّ الأدب العربيَّة والفارسيَّة. وكان هذا السُلطان جليلًا صالحًا، اهتمَّ بِالعلم واعتنى بِالعُلماء، كما كان واسع العطاء بحيث خصَّص الحرمين الشريفين بِمبلغ ثلاثة آلاف وخمسُمائة دينار سنويًّا. وقد وصفه المُؤرِّخ ابن تغري بردي بِقوله: «... وَكَانَ خَيْرُ مُلُوكِ زَمَانِهِ شَرْقًا وَغَربًا، مِمَّا اشتَمَلَ عَلَيهِ مِنَ العَقلِ وَالحَزمِ وَالعَزمِ وَالكَرَمِ والشَّجَاعِةِ وَالسُّؤدَدِ، وَأَفْنَى عُمْرَهُ فِي الجِهَادِ فِي سَبِيلِ الله تَعَالَىٰ، وَغَزَا عِدَّةَ غَزَوَات، وَفَتَحَ عِدَّة فُتُوحَات، وَمَلَكَ الحُصُونَ المَنِيعَة، وَالقِلَاعَ وَالمُدُن مِنَ العَدُوِّ المَخذُولِ...».
وُلد مُراد الثاني في مدينة أماسية بِالأناضول سنة 806هـ المُوافقة لِسنة 1403م، وفقًا لِبعض المُؤرِّخين مثل أحمد مُنجِّم باشي ومُحمَّد فريد بك المُحامي، بينما يقول يلماز أوزتونا وأحمد آق كوندز وسعيد أوزتورك وغيرهم، أنَّ ولادة مُراد الثاني كانت سنة 807هـ المُوافقة لِسنة 1404م، ولا يُخالفون القول بِولادته في المدينة سالِفة الذِكر. والده هو السُلطان مُحمَّد الأوَّل، أمَّا والدته فتختلف المصادر في تحديدها، ويغلب الظن أنها أمينة خاتون ابنة الأمير شعبان صولي بن قراقة، خامس أُمراء ذي القدر؛ وقيل أيضًا أنها شاهزاده خاتون، ابنة الأمير أحمد باشا الدوادار الجانقي، ثالث الحُكَّام القُطلُوشاهيين لِإمارة جانق، بينما يقول كُلٌ من المُؤرِّخ العُثماني شُكر الله بن أحمد بن زين الدين زكي، صاحب كتاب «بهجة التواريخ»، والمُؤرِّخ التُركي خليل إينالجك، أنَّ والدة مُراد الثاني كانت إحدى مُحظيات والده مُحمَّد. أمضى مُراد الثاني سنوات طُفُولته في أماسية، وفي سنة 1410م انتقل مع أبيه إلى بورصة حيثُ تلقَّى تعليمه على يد نُخبة من المُدرِّسين والعُلماء والعسكريين الذين عيَّنهم والده لِتأديبه وتربيته، واشتهر خِلال هذه الفترة بِميله إلى التقوى والعُزلة، بِالإضافة لِلشفقة والعدل.
عيَّن السُلطان مُحمَّد ابنه مُراد واليًا على إيالة الرُّوم سنة 1415م، في سبيل تدريبه على شُؤون الحُكم وتلقينه الأُصُول الإداريَّة الضروريَّة لِإدارة دفَّة الحُكم في الدولة العُثمانيَّة، لا سيَّما وأنَّ الإيالة المذكورة كان لها أهميَّة استراتيجيَّة كبيرة بِسبب وُقُوعها على الحُدُود الشرقيَّة لِلدولة، فانتقل إلى قصبتها أماسية مع مُربيه «لاله يوركج باشا الرومي». استمرَّ مُراد الثاني يتولَّى الإيالة المذكورة طيلة 6 سنوات حتَّى تربَّع على تخت المُلك، وخلال هذا الوقت أصبحت أماسية مركزًا ثقافيًّا مُهمًا في الأناضول، واستحال قصر وليّ العهد العتيد قِبلة العُلماء والشُعراء والمُتصوفيين. ويبدو أنَّ مُراد الثاني صادق - خِلال هذه الفترة - جرجس بن يُوحنَّا كستريو (إسكندر بك لاحقًا)، بعدما أصبح من خاصَّة غلمانه، إذ كان والده يُوحنَّا أمير إحدى النواحي في الأرناؤوط، قد هُزم هزيمةً ساحقة على يد السُلطان مُحمَّد، فطلب الأمير المذكور الأمان، وأعلن طاعتهُ لِلسُلطان ودُخوله في تبعيَّته، فكافأه الأخير بأن سمح لهُ بِحُكم بلاد آبائه باسم السلطنة العُثمانيَّة، واصطحب معهُ ابنه الأصغر جرجس، البالغ من العُمر 18 سنة، لِيُقيم في البلاط العُثماني لِضمان التزام والده بِبُنود الاتفاق مع العُثمانيين، وأُرسل فيما بعد، مع سائر الغلمان البلقانيين المسيحيين المُقيمين بين ظاهريّ العُثمانيين، إلى مكتب الأندرون، وهو المدرسة العسكريَّة المُخصصة لِتدريب وتخريج الإنكشاريين، ولِتلقين الفتيان المسيحيين أُصُول ومبادئ الإسلام بِالإضافة إلى اللُغتين التُركيَّة والعربيَّة وبعض العُلُوم الضروريَّة. شارك الشاهزاده مُراد بِقيادة الجيش الذي أرسله السُلطان مُحمَّد سنة 1413م لِمُحاربة الثائرين من أتباع پيرقليجه مُصطفى، وهو أحد مُريدي الشيخ بدر الدين محمود بن إسرائيل السماوني، الذي كان يدعو في مناطق إزمير وفي قره بورون بِدعوة شيخه المُتضمِّنة مواضيع تُخالف عدَّة أُسس وثوابت إسلاميَّة، أبرزها القول بِوحدة الوُجُود، وإنكار الجنَّة وجهنَّم ويوم القيامة والملائكة والشياطين، وقصر الشهادة على نصفها الأوَّل أي «لا إله إلَّا الله» وحذف نصفها الثاني أي «مُحمَّد رسول الله»، وغير ذلك. وكان پيرقليجه مُصطفى نفسه على علاقةٍ وطيدةٍ مع رُهبان جزيرة ساقز، ويُنادي بِالمزج بين المسيحيَّة والإسلام، فسار إليه الشاهزاده مُراد مع الصدر الأعظم بايزيد باشا الأماسيلِّي، والتقى بِجيش الثائرين في ضواحي إزمير وتغلَّب عليه، ووقع پيرقليجه مُصطفى وكثيرًا من أتباعه في الأسر، فأقام عليهم الصدر الأعظم حد الحرابة وقتلهم جميعًا. كذلك، ساهم مُراد الثاني خِلال ولايته، بالاشتراك مع القائد حمزة بكر أوغلي، في السيطرة على القسم المسيحي من مدينة صامصون، وهو القسم الذي كان يُسيطر عليه الجنويين.
تُوفي السُلطان مُحمَّد الأوَّل في أدرنة يوم الأحد 1 جُمادى الأولى 824هـ المُوافق فيه 4 أيَّار (مايو) 1421م، عن عُمرٍ ناهز 43 سنة. وتُشير رواية أُخرى أنَّهُ مات في يوم الإثنين 23 جُمادى الأولى المُوافق فيه 26 أيَّار (مايو) من السنتين سالِفتا الذِكر، وهُناك روايات تُشيرُ فقط إلى وفاته في شهر جُمادى الأولى المُوافق لِشهر أيَّار (مايو)، من دون ذكر اليوم، وهذا ما يظهر من النقش الموجود على قبره في بورصة. ووفق المصادر القائلة بِقُعُود مُحمَّد الأوَّل فترةً من الزمن قبل أن يُسلم الروح، فإنَّهُ لمَّا شعر بِدُنُوِّ أجله دعا الصدر الأعظم بايزيد باشا الأماسيلِّي وقال له: «عَيَّنتُ ابنِي مُرَاد خَلِيفَةً لِي، فَأَطِعهُ وَكُن صَادِقًا مَعَهُ كَمَا كُنتَ مَعِي. أُرِيدُ مِنكُم أَن تَأتُونِي بِمُرَاد الآن لِأَنَّنِي لَا أَستَطِيعُ أَن أَقُومَ مِنَ الفِرَاشِ بَعد، فَإِن وَقَعَ الأَمرُ الإِلٰهِي قَبلَ مَجِيئِه حَذَارِيَ أَن تُعلِنُوا وَفَاتِيَ حَتَّى يِأتِي». وكان قصد السُلطان تُدارُك وُقُوع الفوضى في الدولة فيما لو أُعلنت وفاته قبل مجيء الشاهزاده مُراد من أماسية، خاصَّةً أنَّ مُصطفى چلبي، شقيق السُلطان مُحمَّد والمُدَّعي بِالحق في عرش آل عُثمان، كان سيتحرَّك مُباشرةً لِلمُطالبة بِالعرش، مما سيُدخله في نزاعٍ مع مُراد، فيسفك العُثمانيين دماء بعضهم البعض مُجددًا، كما حصل بعد هزيمة أنقرة وفترة التنازع على العرش. امتثل الصدر الأعظم لِرغبة السُلطان، فتعاون مع الوزير إبراهيم باشا الجندرلي على إخفاء موت مُحمَّد الأوَّل عن الجُند حتَّى يحضر ابنه، فأشاعا أنَّ السُلطان مريض، وأمرا بِإغلاق كُل الحُدُود خوفًا من قُدُوم مُصطفى چلبي من جزيرة لمنى (لمنوس) التي هي أقرب إلى أدرنة وجُلُوسه على العرش، فلم يُذع خبر وفاة السُلطان طيلة 41 يومًا؛ بل إنَّهُ بِموجب إحدى الروايات، لم يعرف أحدٌ من الناس في أدرنة بِذلك، بل إنَّ الخبر أُخفي حتَّى عن أركان القصر، فكان هذا السُلطان أوَّل سُلطانٍ عُثمانيٍّ يُخفى خبر موته. وكان الوُزراء قد أرسلوا عند اشتداد مرض السُلطان رئيس الإنكشاريَّة علوان بك إلى الشاهزاده مُراد لِيأتي به، فوصل بورصة بعد أربعين يومًا، وكان السُلطان حينها قد أسلم الروح، فنُقل نعشه إلى بورصة حيثُ استقبلهُ ابنه مُراد، ودفنه بِالتعظيم والتكريم في قبَّةٍ مُقابل الجامع الأخضر الذي شرع بِبنائه خِلال حياته ليكون مسجدًا وقصرًا حكوميًّا، فقام ابنه مُراد الثاني بإكمال بناء الجامع الأخضر في كانون الأوَّل (ديسمبر) 1419م، وأنهى العمل في زخارف الجامع عام 1424م.
بايع القادة والوُزراء والأُمراء والساسة مُراد الثاني بِالسلطنة في مدينة بورصة، فجلس على تخت المُلك يوم 23 جُمادى الآخرة 824هـ المُوافق فيه 25 حُزيران (يونيو) 1421م، وهو في الثامنة عشرة من عُمره. وعند البيعة، قلَّد العالم شمس الدين مُحمَّد البُخاري السُلطان مُراد سيف عُثمان الغازي، فكان أوَّل سُلطانٍ عُثمانيٍّ يُقلَّدُ هذا السيف، واستمرَّت هذه المراسم مئات السنين من بعده. وبِمُوجب الرواية التقليديَّة، التي لا تُعد سُليمان چلبي ومُوسى چلبي من جُملة السلاطين العُثمانيين، فإنَّ مُرادًا الثاني يُصبح السُلطان السادس في سلسلة سلاطين الدولة العُثمانيَّة. فإذا عُدَّ سُليمان ومُوسى چلبي في تلك السلسلة، يكون مُراد الثاني هو الثامن في تلك السلسلة. إلَّا أنَّهُ بِالنظر إلى عدم تمكُّن سُليمان ومُوسى چلبي من السيطرة على أراضي الدولة العُثمانيَّة في الروملِّي والأناضول في وقتٍ واحدٍ، فلا يصح عدُّهما من السلاطين العُثمانيين. كان مُراد الثاني معني بِإعداد الدولة لِلمهام الكُبرى التي كانت مسؤولة عنها قبل نكسة أنقرة، لِذلك كان عليه إعادة ما تبقَّى من الأملاك التي خسرتها الدولة في الأناضول بعد النكسة، وتوحيد الأراضي العُثمانيَّة والمُحافظة عليها، وحل المُشكلات العالقة مُنذُ أيَّام مُحمَّد الأوَّل، وإنشاء جيش قوي واقتصاد متين، وحُدُود واضحة لِدولته في وجه أوروپَّا المُتوثِّبة. وحتَّى يتفرَّغ لِهذه المهام هادن الدُول الأوروپيَّة، فعقد مُعاهدةً مع مملكة المجر مُدَّتُها خمسة أعوام، وتفاهم مع الجنويين الذين وعدوه بِإمداده بِالسُفُن والجُنُود، واقترح على الإمبراطور البيزنطي عمانوئيل الثاني تجديد المُعاهدة التي وقَّعها والده من قبل، ومفادها أن يتعهَّد السُلطان العُثماني بِعدم مُحاربة الروم مُطلقًا، لقاء أن يبقى الشاهزاده مُصطفى چلبي بن بايزيد مُحتجزًا في ديارهم. فأرسل الإمبراطور البيزنطي وفدًا إلى مُراد الثاني لِتهنئته بِتولِّيه العرش، وأعلن استعداده تجديد المُعاهدة سالِفة الذِكر بِشرط تسليمه الأميران الصغيران محمود ويُوسُف، شقيقا السُلطان مُراد، لِضمان حُسن تنفيذ المُعاهدة من جهة، وتنفيذ وصيَّة السُلطان مُحمَّد القاضية بأن يرعى الإمبراطور البيزنطي الأميران المذكوران، وهدَّد بِإطلاق سراح مُصطفى بن بايزيد فيما لو لم يُنفَّذ هذا الشرط. ومن المعروف أنَّ السُلطان مُحمَّد كان قد عهد بِالأميرين محمود ويُوسُف إلى الصدر الأعظم بايزيد باشا الأماسيلِّي، لكنَّهُ أوصى في أن يتولَّى الإمبراطور البيزنطي رعايتهما، ويبدو أنَّهُ خشي من نُشُوب صراعٍ على السُلطة قد يُشكِّل خطرًا عليهما، فأراد إبعادهما عن مسرح الأحداث. لكن الحقيقة أنَّ طلب الإمبراطور لِلأميرين الصغيرين كان بِهدف إبقائهما رهينتين بِيده وورقة سياسيَّة يستخدمها لِتحقيق المصالح البيزنطيَّة، أكثر من تنفيذ وصيَّة السُلطان مُحمَّد، ومن الواضح أنَّ السُلطان مُراد أدرك هذا، فرفض الطلب البيزنطي، كما يُروى أنَّ بايزيد باشا سالِف الذِكر ردَّ على طلب الروم بِأنَّ الإسلام لا يسمح بِإيداع أولاد المُسلمين لِتربيتهم عند النصارى، وكان هذا الرفض كافيًا لِتفجير الأعمال العسكريَّة.
وتشكَّل في القُسطنطينيَّة، آنذاك، حزبٌ مُعارض لِسياسة التقارب مع العُثمانيين، بِزعامة وليّ العهد يُوحنَّا بن عمانوئيل، فضغط على والده الإمبراطور حتَّى يُعلن الحرب عليهم، فتذرَّع هذا بِرفض طلبه من جانب مُراد الثاني، وأطلق سراح الشاهزاده مُصطفى بن بايزيد، الذي كان يحتجزه في جزيرة لمنى (لمنوس) تحت حراسةٍ مُشددة، بعد أن كتب الأخير على نفسه أن يرُد إلى الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة جميع ما كان لها من المُدن والأراضي التي فتحها العُثمانيُّون، وتقع على سواحل بحريّ مرمرة والبنطس (الأسود)، بِالإضافة إلى تساليا، إذا ما نجحت ثورته، وأعانه الإمبراطور بِأن قدَّم لهُ عشر سُفنٍ حربيَّةٍ بِقيادة دمتريوس لاسكاريس. وأخلى الإمبراطور سبيل الأمير جُنيد بك بن إبراهيم الآيديني، آخر أُمراء بنو آيدين، الذي عصى السُلطان مُحمَّد الأوَّل مرَّتان، كانت آخرها دعمه الشاهزاده مُصطفى بن بايزيد ووُقوفه في صفِّه لِلمُطالبة بِالعرش العُثماني، وقد عفا عنه السُلطان مُحمَّد في المرَّتين، وفي المرَّة الأخيرة سلَّمهُ إلى الإمبراطور البيزنطي الذي وضعه تحت المُراقبة في إحدى كنائس القُسطنطينيَّة. وبِتلك الصورة، استند مُصطفى چلبي إلى مُساعدة بيزنطة، وجمع أتباعه من حوله، ويُقال أنَّهُ استوزر جُنيد بك الذي ما فتئ يُعارض التوسُّع العُثماني في الأناضول، وسار يُريدُ أدرنة. التمَّ العديد من أُمراء الحُدُود في الروملِّي - الذين لا يرتاحون عادةً لِلسُلطة المركزيَّة - حول مُصطفى چلبي ودعموه في المُطالبة بِالعرش العُثماني، وفي مُقدِّمتهم أولاد «أفرنوس بك»، القائد المُخضرم الذي قاتل تحت راية السُلطانين بايزيد ومُراد الأوَّل، وأولاد طُرخان بك، وأولاد آمُلي بك، وانقادوا لهُ مع أتباعهم. وكان مُصطفى چلبي يُؤكِّد هويَّتهُ لِلأُمراء عبر إظهاره جُرحًا عميقًا على بطنه كان قد اندمل وبقي أثره، وقال إنَّهُ من آثار معركة أنقرة التي خاضها مع أبيه وإخوته ضدَّ المغول، فصدَّقهُ الأُمراء وعظُم جمعُه، فسار معهم واستولى أولًا على سيروز وگليپولي، ثُمَّ سار إلى أدرنة ودخلها وجلس على العرش يوم 1 رمضان 824هـ المُوافق فيه 30 آب (أغسطس) 1421م، وقد اعترف الجيش في الروملِّي بِسلطنة مُصطفى چلبي على أساس أنَّهُ ما دام العم موجودًا فلا مُبرِّر لِجُلُوس ابن الأخ على العرش، ولم يبقَ أمامهُ إلَّا السيطرة على الأناضول وتنحيه ابن أخيه لِيُصبح سُلطانًا بِالتمام والكمال. والواقع أنَّ اختيار توقيت إطلاق سراح الشاهزاده مُصطفى كان جيدًا، إذ كان السُلطان مُراد في غُضون ذلك الوقت مشغولٌ باستمالة أُمراء الأناضول لِإعادتهم إلى حظيرة الدولة العُثمانيَّة دون حربٍ أو قتال، ولمَّا وصلت الأخبار بما حصل في الروملِّي، انتفضت الإمارات الأناضوليَّة في مُحاولة السعي لِلاستفادة من التغيير السياسي في الدولة العُثمانيَّة، فاعترفت بِشرعيَّة مُصطفى، واستعاد أمير مُنتشا استقلاله، وضرب النُقُود باسمه كمُؤشِّر على ذلك، واستردَّ أمير قسطموني، عزُّ الدين إسفنديار بك الجندرلي، بعض الأراضي التي كان قد تنازل عنها لِلعُثمانيين، واستعاد أمير صاروخان جُزءًا من أراضيه، وكان شاهرُخ بن تيمورلنك حريصًا على المُحافظة على التوازن الذي فرضه والده في الأناضول. تُشيرُ إحدى الروايات أنَّ مُراد الثاني لمَّا عَلم بِحركة عمِّه ورأى اعتراف أُمراء الأناضول بِسُلطانه، احتار في أمره، فسار إلى السيِّد شمس الدين مُحمَّد بن علي البُخاري الشهير بِأمير سُلطان، وهو صهر السُلطان بايزيد وأحد أهم عُلماء عصره، فاستغاث به وبِدُعائه في هذا الأمر، فدعا لهُ وربط سيفهُ على وسطه بِيده، وقال لهُ أنَّهُ رأى حُلمًا انتقلت فيه الدولة العُثمانيَّة إلى مُصطفى چلبي، فالتمس من الرسول مُحمَّد ردَّها إلى السُلطان مُراد ثلاث مرَّات، فأُجيب إلى ذلك في المرَّة الثالثة. فتفائل السُلطان مُراد من هذا الحُلم وقال بيتًا من الشعر:
ثُمَّ استشار السُلطان وُزراءه وأُمراءه في هذا الأمر، فأشاروا عليه بِإطلاق سراح بكلربك الروملِّي مُحمَّد بك ميخائيل أوغلي - الذي كان السُلطان مُحمَّد الأوَّل قد نفاه إلى توقاد وزجَّ به في السجن مُنذُ ثماني سنين، بعد أن والى مُوسى چلبي الذي نازع أخاه السُلطان على العرش واستمالته بِالوُعُود والإحسان؛ حتَّى يستميل هو أُمراء الروملِّي إلى جانبه، فإنَّهُ كان أقدمهم وأعظمهم، وكانوا يُحبُّونه ويُطيعونه، فأرسل السُلطان من يأتي بِمُحمَّد بك من توقاد. ثُمَّ أشار الوزيران إبراهيم باشا الجندرلي والحاج عوض باشا على السُلطان بِأن يُرسل الصدر الأعظم بايزيد باشا الأماسيلِّي في جمعٍ من العسكر إلى دفع مُصطفى چلبي قبل أن يعبر إلى الأناضول، لأنَّ أُمراء الروملِّي كانوا يُحبُّون بايزيد المذكور؛ فيميلون إليه، وحسَّنوا هذا الرأي عند السُلطان حسدًا على بايزيد باشا لِتقدُّمه عليهما بِالجلادة والرأي وإتمام المصالح، فقصدا هلاكه بِهذه الطريقة، فمال السُلطان إلى رأيهما المُموَّه. ولمَّا علم ذلك عرُّوج وأمور باشا ابنا البكلربك تيمورطاش باشا، لم يستصوبا هذا الرأي، وكذلك بايزيد باشا؛ على اعتبار أنَّ الجُنُود العُثمانيين غير ثابتين على طاعة السُلطان، وولائهم مُتأرجح بينه وبين مُصطفى چلبي، واحتمال وقوع انشقاق في الجيش واردٌ جدًا، فعرض بايزيد باشا ذلك إلى السُلطان، الذي ألحَّ عليه في العُبُور والمسير، فلم يجد بُدًا من الامتثال لِأمره، فسار ومعهُ أخوه حمزة بك في جمعٍ من العسكر، فعبر البحر من معبر قلعة أناضولي حصار، وقيل من معبر گليپولي نظرًا لِإغلاق الروم حُدودهم أمام العُثمانيين. وفي تلك الفترة، اتصل الإمبراطور البيزنطي، عمانوئيل الثاني، بِالشاهزاده مُصطفى چلبي، وطلب منهُ الإيفاء بِالمُعاهدة، التي بِموجبها تُعاد گليپولي وغيرها من المواقع إلى الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة. غير أنَّ مُصطفى چلبي وجُنيد بك رفضا ذلك الطلب رفضًا قاطعًا، قائلين أنَّ الإسلام لا يُجيز التنازل عن أراضي المُسلمين لِصالح النصارى؛ وإنَّهُما مُضطرَّان إلى القيام بِفتح البلاد المسيحيَّة الأُخرى أيضًا. أمام هذا الرَّد غير المُتوقَّع، حوَّل الإمبراطور البيزنطي أنظاره تجاه السُلطان مُراد مُجددًا، مُحاولًا استغلال تراجُع قُوَّته بِما يصب في مصلحة الروم، فعرض عليه أن يتنازل لِبيزنطة عن مدينة گليپولي ويُسلِّمه الأميران محمود ويُوسُف، مُقابل رفع الدعم عن مُصطفى، لكنَّ السُلطان رفض العرض، وهذا يعني أنَّ السُلطان مُراد الثاني أصبح مُواجهًا لِعمِّه مُصطفى من جهة، ولِبيزنطة من جهةٍ ثانية. ولمَّا عبر بايزيد باشا البحر إلى الروملِّي، خرج مُصطفى چلبي من أدرنة في جمعٍ عظيم، وانضمَّ إليه جُنيد بك الآيديني أيضًا مع عسكره، فلقيه في موضعٍ يُقال له «صازلي دره»، فتقدَّم مُصطفى وخطب في العساكر بِإطاعته لِأنَّهُ أحق بِالمُلك من ابن أخيه، فأطاعته الجُيُوش، وانحرف مُعظمهم إليه، ولم يبقَ مع بايزيد باشا سوى أخيه حمزة وأتباعهما، فاضطرُّوا إلى الاستسلام لِمُصطفى چلبي، الذي أعدم بايزيد باشا مُباشرةً وفق إحدى الروايات، وأبقى على حياة حمزة بك، وفي روايةٍ ثانية أنَّ بايزيد باشا لم يستسلم بل قاتل مُصطفى چلبي وقُتل في المعركة، بل إنَّهُ بِموجب روايةٍ ثالثة فإنَّ بايزيد باشا لم يُقتل في صازلي دره، وإنَّما قُتل في گليپولي أثناء دفاعه عنها. وبِجميع الأحوال فإنَّ بايزيد باشا هو أوَّل صدرٍ أعظمٍ عُثمانيٍّ يُقتل في الحرب. شكَّلت هذه المُحاولة العُثمانيَّة لاستئصال مُصطفى چلبي دعوةً لهُ لِيتوجَّه إلى الأناضول ويُسيطر على بورصة ويُزيح ابن أخيه عن العرش، فانتقل مع العديد من أُمراء الروملِّي عبر مضيق الدردنيل، وهبط البر قُرب بلدة «لپسكي» في 26 مُحرَّم 825هـ المُوافق فيه 20 كانون الثاني (يناير) 1422م.
جهَّز السُلطان مُراد جيشًا كبيرًا بلغ تعداده مائة وخمسة وعشرين ألف جُندي، منهم 120,000 من الخيَّالة و5,000 من المُشاة، وخرج على رأسه لِلتصدِّي لِعمِّه مُصطفى. التقى الجمعان في شطيّ نهر أولوباط: أحدهما في أحد جانبيه، والآخر في الآخر، وكان مع مُصطفى چلبي خمسون ألف فارس وعُشرون ألف راجلٍ عزبيّ، بِالإضافة لِطائفةٍ من عسكر الروملِّي. ولا يبدو أنَّ الطرفان كانت لديهما نيَّةٌ في القتال، فأخذ ينظرُ أحدهما إلى الآخر دون أن يُشهر أحدٌ منهما السلاح، وقرَّر السُلطان مُراد اتباع الأُسلوب السياسي لاستقطاب حُلفاء مُصطفى وإضعافه، وبِخاصَّةٍ جُنيد بك وأُمراء الحُدُود، وكلَّف مُحمَّد بك ميخائيل أوغلي - الذي كان وصل من توقاد - باستمالة هؤلاء إلى صفه، فكتب إليهم بذلك وشنَّع عليهم اتباع رجُلٍ يدَّعي أنَّهُ شقيق السُلطان مُحمَّد الأوَّل، فيما لا شيء يُثبت ذلك تمامًا، فهم يتَّبعون رجُلًا مجهول النسب. اعتقد أُمراء الحُدود بدايةً أنَّ هذه الرسالة قد تكون دسيسةً من وُزراء السُلطان ولم يُصدِّقوا أنَّ مُحمَّد بك المذكور على قيد الحياة، حتَّى سار إليهم ليلًا ووقف على شط النهر وجعل يُنادي الأُمراء بِأسمائهم، وأعلمهم بِنفسه وحياته، واستمالهم إلى السُلطان مُراد، وتعهَّد عفو الأخير عمَّا سلف منهم، فمالوا إليه. كذلك، أرسل الحاج عوض باشا خطابًا إلى مُصطفى چلبي تظاهر فيه بِأنَّهُ من أتباعه، وحدَّثهُ عن خيانة أُمراء الروملِّي واتفاقهم على الغدر به بعدما اتفقوا مع السُلطان على ذلك، وأنَّ التنفيذ سيكون في الليلة الفُلانيَّة بعد أن يمُدُّهم السُلطان بِعسكره، وعلى الرُغم من وُرُود رواية تُفيد بِمُخادعة جُنيد بك الآيديني أيضًا، فإنَّ هُناك اختلافات في تفصيلاتها، لكن الشائع أنَّ رسالةً أُخرى أُرسلت إلى جُنيد بك تُعلمهُ بِالمُخطط المزعوم وتستقطبه إلى جوار السُلطان مُراد، فوقعت تلك الرسالة في يد مُصطفى چلبي، الذي تزلزل لمَّا طابق مضمونها مع ما سبق وأُرسل إليه. ولمَّا أدرك الأخير حقيقة الخطر الداهم، اختار من عسكره خمسة آلاف مُقاتل من فارسٍ وراجلٍ، وأرسلهم ليلًا لِمُباغتة الجُنُود العُثمانيين، ولمَّا عبروا النهر على جسرٍ قائمٍ، فوجئوا بِخمسمائة إنكشاريّ يقفون لهم بِالمرصاد، فتقاتل الطرفان حتَّى هُزم العزبيُّون، وأُسرت منهم جماعة عظيمة بحيث كان كُل إنكشاريّ يُطلق سراح عزبيين مُقابل رأس غنمٍ واحد. أمام هذه الحركة، عبر عوض باشا النهر في جمعٍ من الجُنُود وهُم يصيحون ويُكبِّرون، مما أثار رُعب مُصطفى چلبي وجعله يعتقد بِمجيء الأُمراء لِقتله، فاضطرَّ إلى الهُرُوب، أولًا إلى إزمير، ثُمَّ منها إلى گليپولي. وبناءً على روايةٍ أُخرى، فإنَّ مُصطفى چلبي لم يذهب إلى إزمير، وإنَّما وصل إلى گليپولي بِشق الأنفس خلال ثلاثة أيَّام؛ بل تزيد الرواية أنَّ قاضي بلدة «بيغة» تعاون معه أثناء هُرُوبه، مما أفضى إلى إعدمه لاحقًا بِأمرٍ من السُلطان مُراد. وقيل أيضًا أنَّ انسحاب مُصطفى چلبي كان نتيجة إصابته بِمرض الرُعاف، الذي استمرَّ عليه ثلاثة أيَّام حتَّى ضعف جدًا، فتفرَّق عسكره وهرب هو إلى الروملِّي. أمَّا أُمراء الروملِّي، فقد استقبلوا السُلطان وسُيُوفهم مسلولة على رقابهم في إشارةٍ إلى خُضُوعهم التَّام له، فعفا عنهم وأقرَّهم على إيالاتهم وسناجقهم، ثُمَّ شرع في تعقُّب خُطُوات مُصطفى چلبي لِلقضاء عليه.
تتبَّع السُلطان مُراد خُطوات عمِّه حتَّى بلدة لپسكي لِيكتشف أنَّهُ عبر إلى الروملِّي، ولم يجد في الساحل سفينة لِلعُبُور ورائه، فأرسل إلى عامل گليپولي - وهو أحد أتباع الوزير إبراهيم باشا الجندرلي - أن يُزوِّده بِالسُفن اللازمة، فاستأجر الأخير مجموعةٍ منها سرًا، من جنويي مُستعمرة «فوچة» لِقاء خمسة آلاف دينار، وأرسلها إلى السُلطان. وبهذه الكيفيَّة تمكَّن العُثمانيُّون من العُبُور إلى ساحل گليپولي، ونزلوا في ناحية «أجه أواسي». وعلى الرُغم من قيام مُصطفى چلبي بِضرب سُفن ابن أخيه من وراء الأسوار، فإنَّهُ لم يتمكَّن من منع قُوَّاته من النُزُول في تلك المنطقة. وبناءً على ذلك، بدأ مُراد الثاني بِوضع الحصار على گليپولي، ويُروى أنَّ مُصطفى چلبي، الذي تيقَّن بِعدم إمكانيَّة مُقاومة ابن أخيه، فرَّ من گليپولي، مُتجهًا إلى أدرنة حيثُ أخذ خزينته وذهب باتجاه الأفلاق. تتبَّع السُلطان مُراد عمَّه إلى أدرنة ودخلها ثُمَّ أرسل الطلب في عقب الهارب، فلُوحق حتَّى أُدرك في ناحية «ينيجة قُزل آغاج»، ووفق إحدى الروايات فإنَّ بعض أتباعه خانوه وسلَّموه إلى الجُنُود العُثمانيين فحملوه مُعتقلًا إلى السُلطان الذي أمر بِصلبه، فصُلب على بُرج سور أدرنة، وقيل أيضًا شُنق. وقيل أدركهُ مُحمَّد بك ميخائيل أوغلي في «جامورلي» بِقُرب مدينة صوفيا، فخنقهُ بِوتر قوسه، وحمل رأسه إلى السُلطان، وهي رواية يستبعدها عدَّة مُؤرِّخين عُثمانيين. وبناءً على روايةٍ ثالثة، فإنَّ مُراد الثاني كان من جُملة المُلاحقين، وقد وجد عمَّهُ مُختبئًا وراء أدغال، فأخرجه منها بِيديه، وجلبه معهُ إلى أدرنة حيثُ علَّقهُ بِأحد أبراج القلعة مصلوبًا، وكان ذلك سنة 825هـ، وقيل كذلك أنَّ مُصطفى چلبي لم يُقتل في ذلك التاريخ وإنَّما أُعدم في سنة 829هـ المُوافقة لِسنة 1426م. وعلى هذا الشكل انتهت فتنة مُصطفى چلبي، بعد أن حكم في الروملِّي 9 أشهر، وثبُت في كُتب التاريخ العُثمانيَّة أنَّهُ كان دجَّالًا مُنتحلًا شخصيَّة مُصطفى بن بايزيد الحقيقي، على أنَّ المُؤرخين المُعاصرين يميلون إلى القول بِأنَّهُ لم يكن مُدعيًا، بل هو الشاهزاده مُصطفى فعلًا.
أثبتت الأحداث الأخيرة أنَّ بيزنطة لا تزال تُكنُّ العداوة لِلعُثمانيين، وأنَّ الإمبراطور البيزنطي يستغل الفُرص المُتاحة لِزعزعة كيان الدولة العُثمانيَّة وتقسيم أراضيها، فأراد مُراد الثاني أن ينتقم من نظيره عمانوئيل، وأدرك هذا الأخير سوء عمله، وشعر بِالخطر يتهدَّده، فحاول أن يُخفِّف من غضب السُلطان، فبعث إليه يُهنِّئه بانتصاره على مُصطفى چلبي، ويعتذر عمَّا بدر منه، لكنَّ مُراد الثاني لم يكترث باعتذاره، فلم يكد الوفد البيزنطي يُغادر البلاط السُلطاني حتَّى أعدَّ العُثمانيُّون العدَّة لِضرب حصارٍ على القُسطنطينيَّة وفتحها. وكان الإمبراطور الكهل قد اعتزل السياسة وترك أُمُور الدولة لِقسيمه في المُلك، وابنه، يُوحنَّا الثامن، وانكبَّ على تأليف الكُتُب، فلمَّا بلغه انتصار السُلطان مُراد ومقتل مُصطفى چلبي اضطرَّ أن يعود إلى الحياة السياسيَّة لِإصلاح الوضع قبل أن يحصل ما لا تُحمد عُقباه، لا سيَّما وأنَّ يُوحنَّا الثامن كان يُعادي العُثمانيين دون تبصُّر بِالعواقب، ولم يكن قادرًا على الدفاع عن البلاد تجاه ما قد يقوم به العُثمانيين إزاءها. زحف السُلطان مُراد، في شهر جُمادى الآخرة 825هـ المُوافق فيه شهر حُزيران (يونيو) 1422م، على رأس قُوَّاتٍ كثيفة تُقدَّر بِما بين ثلاثين وخمسين ألف جُندي إلى القُسطنطينيَّة وحاصرها. وقد تجهَّز الجيش العُثماني بِأدوات الحصار والمدافع الكبيرة، فكانت تلك أوَّل مرَّة تُستخدم فيها المدافع المشهورة بِالـ«شاهينيَّة» في الجُيُوش العُثمانيَّة. ذكر المُؤرِّخ البيزنطي «يُوحنَّا كنانوس»، الذي عاصر هذا الحصار، أنَّ الجيش العُثماني طهَّر المنطقة المُجاورة لِلقُسطنطينيَّة أولًا بِقيادة مُحمَّد بك ميخائيل أوغلي، ثُمَّ وصل السُلطان مُراد يوم 20 حُزيران (يونيو) على رأس القُوَّة الأساسيَّة ومعه آلات الحصار، فأقامها على الأسوار وبدأ بِالتضييق على المدينة. استمرَّ هذا الحصار نحو أربعة أشهر، أي حتَّى نهايات شهر شوَّال المُوافق لِشهر أيلول (سپتمبر)، وقد شارك فيه العالم شمس الدين مُحمَّد بن علي البُخاري مع خمسُمائة من مُريديه، ممَّا أعطى العُثمانيين دفعًا معنويًّا. أمَّا الروم، فقد دافعوا عن بلادهم على أحسن وجه، وعملوا على إصلاح الإضرار التي كانت تلحق بِالأسوار، حتَّى أنَّ النساء شاركن في الدفاع عن المدينة. ويُروى أنَّ أشد هُجُوم تعرَّضت لهُ القُسطنطينيَّة كان في يوم الإثنين 6 رمضان المُوافق فيه 24 آب (أغسطس) من السنتين المذكورتين. غير أنَّ هذا الهُجُوم أيضًا لم يُسفر عن شيء. والحقيقة فإنَّ القُسطنطينيَّة كانت قاب قوسين أو أدنى من السُقُوط بِيد المُسلمين بعد أن تهالكت أوضاعها الداخليَّة نتيجة الحصار المُستمر، ولم يُنقذها سوى تمرُّد الشاهزاده مُصطفى چلبي الأصغر الشهير بِـ«كُجُك مُصطفى»، وهو الأخ الصغير لِمُراد الثاني، إذ كان قد خرج على أخيه وشقَّ عصا الطاعة، ممَّا اضطرَّ السُلطان إلى فك الحصار والعودة إلى الأناضول لِلتعامُل مع الوضع. بناءً على هذا، نجت القُسطنطينيَّة وبقيت في حوزة الروم لِمُدَّة إحدى وثلاثين سنةٍ أُخرى، إلى أن فتحها السُلطان مُحمَّد الفاتح. وكان هذا الحصار السادس، هو آخرُ حصارٍ فرضه المُسلمون على القُسطنطينيَّة قبل فتحها. ولقد شرح البيزنطيُّون هذه النجاة بِمُعجزةٍ فحواها أنَّ السيِّدة مريم العذراء، وقفت، في أثناء الحرب، على الأسوار، وأنَّها دافعت عنها، وتحقَّقت بِذلك المُعجزة ونجت المدينة.
مُصطفى الأصغر، الشهير بِـ«كُجُك مُصطفى»، هو أحد إخوان مُراد الثاني، كان والده مُحمَّد قد عيَّنه واليًا على إقليم الحميد تحت إشراف مُربيه «لاله إلياس بك الشرابدار». وكان إلياس بك المذكور من أتباع سُليمان چلبي بن بايزيد، ولمَّا هُزم الأخير وآلت السلطنة إلى مُحمَّد الأوَّل، عفا عن إلياس بك وعيَّنهُ مُربيًا لابنه مُصطفى. وفي أثناء اشتغال السُلطان مُراد بِمُحاربة عمِّه مُصطفى بن بايزيد، حرَّك إلياس بك مخدومه مُصطفى الأصغر على العصيان وطلب المُلك، مُستغلًا حداثة سن الشاهزاده، البالغ من العُمر 13 سنة، وقلَّة خبرته بِالحياة وأُمُور السياسة. وأعانه في هذا التحريك الأمير الكرمياني يعقوب بك بن سُليمان، وكان قد تبنَّى مُصطفى الأصغر وأحبَّهُ حُبًّا شديدًا، فأراد نيله المُلك. وكذا وافقهُما الأمير القرماني ناصر الدين مُحمَّد بك بن عليّ بِدافع الحقد على الدولة العُثمانيَّة وإيقاظًا لِفتنةٍ جديدةٍ فيها في سبيل التوسُّع على حسابها في جنوب الأناضول. كما أنَّ الإمبراطور البيزنطي عمانوئيل الثاني أغرى مُصطفى، شقيق السُلطان، بِالخُرُوج على أخيه في سبيل دفع الأخير بعيدًا عن القُسطنطينيَّة. وهكذا يبدو، في حقيقة الأمر، أنَّ مسؤوليَّة القيام بِالتمرُّد، لا تقع على عاتق الشاهزاده اليافع، وإنَّما على مُربيه وأميرا كرميان والقرمان والإمبراطور البيزنطي. وفي جميع الأحوال فإنَّ مُصطفى الأصغر توجَّه في جمعٍ من الأوباش القرمانيَّة والكرميانيَّة والحميديَّة إلى مدينة بورصة وضرب الحصار عليها، لكنَّهُ لم يتمكَّن من اقتحامها، فتوجَّه إلى إزنيق عوضًا عنها وحاصرها. فما كان من السُلطان مُراد إلَّا أن أرسل إلى إلياس بك الشرابدار سرًا يعده ببكلربكيَّة الروملِّي إن شغل أخاه إلى أن يكبسه السُلطان، وكذلك أرسل إلى علي بك صاحب إزنيق بِتسليم مُصطفى الأصغر إليه بِطريق الحيلة لِيمكُث في المدينة ريثما يصلها السُلطان، ففعلا ما أُمرا به، وأشغل إلياس بك الشرابدار مخدومه سليم الخاطر بِأنواع المشاغل، فشعر الأُمراء القرمانيين والكرميانيين بِما يدور في الخفاء، وحاولوا حمل مُصطفى الأصغر على مُغادرة المكان، فلم يُصغِ إلى قولهم، واعتمد على إلياس بك المكَّار، الذي حمله على فرسه وأدخله إزنيق وأجلسهُ في إحدى قُصُورها، ورتَّب له ديوانًا كديوان السلاطين لئلَّا يتوهَّم منه. أمَّا السُلطان مُراد فإنَّهُ فوَّض أُمُور الثُغُور الغربيَّة من الروملِّي إلى علي بك بن أفرنوس، والثُغُور الشماليَّة منها إلى فيروز بك، وسار هو في بقيَّة العسكر مُسرعًا إلى جانب إزنيق حيثُ جرت مُصادمة بسيطة قُتل فيها مُحمَّد بك ميخائيل أوغلي، لكنَّ جمع مُصطفى الأصغر تفرَّق تمامًا وهرب أكثره إلى داخل المدينة، ولمَّا وصل إليها السُلطان خرج إلياس بك الشرابدار ومعهُ الشاهزاده مُصطفى وسلَّمهُ إلى أخيه الذي أمر به فقُتل شنقًا، ثُمَّ حُمل نعشه إلى بورصة حيثُ دُفن بِجوار والده مُحمَّد الأوَّل. وقيل سُملت عيناه فمات من شدَّة السمل، وقد أُرِّخت هذه الحادثة بِسنة 826هـ المُوافقة لِسنة 1423م. وفي روايةٍ أُخرى أنَّ مُصطفى الأصغر هرب من إزنيق إلى القُسطنطينيَّة وعقد تحالُفًا مع الإمبراطور البيزنطي لم يصل الباحثين أي بندٍ من بُنُوده، ونتيجةً لِذلك تحصَّن في قوجه إيلي في الوقت الذي استعاد فيه مُراد الثاني مدينة إزنيق، إلَّا أنَّ الأُمراء تخلُّوا عنه، فوقع في أسر السُلطان الذي أعدمه في 9 ربيع الأوَّل 826هـ المُوافق فيه 20 شُباط (فبراير) 1423م.
بعد تخلُّصه من المُطالبين بِالعرش، انهمك مُراد الثاني في تعزيز دولته وتصفية مراكز القوى في الأناضول. وكان أمير قسطموني عز الدين إسفنديار بك الجندرلي قد استردَّ چانقري وطوسيه وقلعة جك، التي أُلحقت بِالدولة العُثمانيَّة في عهد السُلطان مُحمَّد الأوَّل، وذلك بالاستفادة من انشغال السُلطان مُراد بِمُشكلة مُصطفى الأصغر. واستولى، بعد ذلك، على بولي وطاراقلي والمنطقة المُجاورة لهما. فلمَّا أدرك السُلطان تعدِّي إسفنديار بك على أطراف الممالك، توجَّه إلى قتاله على الفور وقابل جيشه بِقُرب بلدة بورلي حيثُ دارت بينهما معركة عُرفت بِمعركة «طاراقلي بورلي»، هُزم فيها أمير قسطموني، ففرَّ مُلتجئًا إلى سينوپ حيثُ طلب الصُلح، فوافق السُلطان وأمَّنه. وبِمُوجب الاتفاق الذي عقده الطرفان، في أواخر سنة 826هـ المُوافقة لِسنة 1423م، اعترف إسفنديار بك بِسيادة العُثمانيين على إمارة قسطموني، وتعهَّد بِتزويد السُلطان بِقُوَّةٍ عسكريَّةٍ عند الحاجة، وبِدفع جُزءٍ من إيرادات المناجم، وتعبيرًا عن إخلاصه وولائه زوَّجه ابنته خديجة حليمة خاتون. ويُروى أنَّ قاسم بك بن إسفنديار، المُؤيِّد لِلعُثمانيين، والذي عُيِّن حاكمًا على چانقري في عهد مُحمَّد الأوَّل، قدَّم العون إلى مُراد الثاني ضدَّ والده، عندما حمل عليه العُثمانيُّون. التفت مُراد الثاني بعد ذلك إلى الإمارة القرمانيَّة مُستغلًا التنازع الأُسري فيها بعد مقتل الأمير ناصر الدين مُحمَّد. وتفصيل ذلك أنَّ الأمير القرماني سالف الذِكر قاد حملةً على أنطالية، الداخلة ضمن نطاق الدولة العُثمانيَّة، سنة 826هـ المُوافقة لِسنة 1423م بِحُجَّة الانتقام من حاكمها حمزة بك بن فيروز الذي قتل أمير تكة عُثمان بك التابع لِلقرمانيين، والواقع أنَّهُ كان يُملي نفسه السيطرة على تلك المدينة لأهميَّتها التجاريَّة البحريَّة. تمكَّن حمزة بك من صد هُجُوم القرمانيين، وقُتل ناصرُ الدين مُحمَّد أثناء الحصار حيثُ أُصيب بِقذيفة مدفع. وبناءً على ذلك، انتقلت الإمارة إلى شقيقه علاءُ الدين عليّ، فالتجأ ابنا ناصر الدين مُحمَّد: إبراهيم وعيسى، إلى السُلطان مُراد الثاني ضدَّ عمِّهما، وتزوَّجا من أُختيه إلعالدة وإنجي. ساند السُلطان الأمير إبراهيم بن مُحمَّد لِتولِّي عرش الإمارة القرمانيَّة مُقابل حُصُول الدولة العُثمانيَّة على إمارة الحميد، التي كان القرمانيُّون قد استولوا عليها في سنة 824هـ المُوافقة لِسنة 1421م، ومُنح عيسى بن مُحمَّد إمارة إحدى سناجق الروملِّي، أمَّا علاءُ الدين عليّ، الذي أُسقط عن عرشه، فقد مُنح سنجق صوفيا؛ وبِهذا أصبحت الإمارة القرمانيَّة تحت النُفُوذ العُثماني، إلَّا أنَّ هذا التدبير والمُصاهرة التي قامت بين البيتين لم تضمن إخلاص آل قرمان لِآل عُثمان ووفاق البيتين الحاكمين. وفي سنة 828هـ المُوافقة لِسنة 1425م، عصى الأمير جُنيد بك بن إبراهيم الآيديني الدولة العُثمانيَّة، واستولى على إمارة آيدين، التي أعاده إليها السُلطان مُراد بعدما عفا عنه مُجددًا، رُغم دوره الأساسي في فتنة الشاهزاده مُصطفى بن بايزيد، وتمرُّده وعصيانه سابقًا في عهد السُلطان مُحمَّد الأوَّل. ولم يكتفِ جُنيد بك هذه المرَّة بِخلع تبعيَّته لِلعُثمانيين، بل حرَّض بيزنطة والإمارات الأناضوليَّة والبُندُقيَّة ضدَّ السلطنة، لِذلك قرَّر السُلطان مُراد استئصال هذا الأمير، فأرسل إلى بكلربك الأناضول عرُّوج بك بن تيمورطاش أن يتولَّى هذه المُهمَّة، فسار وأغار على بلاده، لكنَّ الموت أدركه فلم يُكمل مُهمَّته، فكلَّف مُراد الثاني حاكم أنقرة حمزة بك، شقيق الصدر الأعظم بايزيد باشا الأماسيلِّي الذي قُتل أثناء فتنة الشاهزاده مُصطفى چلبي، بِمُحاربة جُنيد بك ووضع حدٍ لِخطره. وكلَّف السُلطان أيضًا نسيب بايزيد باشا، المدعو خليل يخشي بك الرومي، مُطاردة الأمير الآيديني والقضاء عليه. التقت الجُيُوش العُثمانيَّة بِجيش جُنيد بك، يقوده ولده «قورد حسن بك»، قُرب مدينة آق حصار حيثُ دارت بينهم معركة انهزم فيها الآيدينيين، ووقع قورد حسن وعمِّه في الأسر، فأُرسلا إلى گليپولي حيثُ زُجَّا في السجن، أمَّا جُنيد بك، فتمكَّن من الهرب من إزمير والتجأ إلى حصن أپسالا الواقع على بحر إيجة، مُقابل جزيرة شامُس، حيثُ حاول الاتصال بِالبنادقة لِإنقاذه، لكنَّ حمزة بك وصل سريعًا وضرب الحصار على أپسالا من البر والبحر، ولمَّا يئس جُنيد بك من وُصُول المدد، وفشل في استقطاب القرمانيين لِتخفيف الضغط عنه، اضطرَّ إلى الاستسلام بِشرط عدم المس بِحياته، فأُخذ أسيرًا مع من تبقَّى من بني آيدين. ويبدو، كما يتبيَّن من الأحداث، أنَّ جُنيد بك قاوم حتَّى سنة 829هـ المُوافقة لِسنة 1426م، وبجميع الأحوال فإنَّ كُلٍ من حمزة بك وخليل يخشي بك لا يبدو أنَّ كانت لهما نيَّة الإبقاء على حياة الأمير الأسير، فقتلاه خنقًا مع أتباعه وأقاربه انتقامًا لِبايزيد باشا، وبِمقتله، تخلَّصت الدولة العُثمانيَّة من أبرز الخونة الذين خانوا عهدها أكثر من مرَّة، ولمَّا علِم السُلطان مُراد بِمقتل جُنيد بك، أمر بِإعدام أخيه وابنه قورد حسن المسجونان في گليپولي، فنُفِّذ الأمر، وبِذلك لم يبقَ أحدٌ على قيد الحياة من بني آيدين، فانقطعت سُلالتهم وآلت بلادهم إلى الدولة العُثمانيَّة، ووزَّعها السُلطان على أُمرائه. وكان أمير مُنتشا أحمد بك بن إلياس قد استغلَّ انشغال الدولة العُثمانيَّة بِمُشكلة جُنيد بك، فهرب من منفاه في الدولة الآق قويونلويَّة ونجح في استرداد عرش آبائه إلى أن هُزم جُنيد بك، فاضطرَّ إلى الهرب مُجددًا والعودة من حيث أتى، فأخذ السُلطان مُراد أراضي تلك الإمارة وجعلها سُنجقًا عُثمانيًّا، وأقطعها لِأقدم أُمرائه «بلبان باشا».
استأنف مُراد الثاني سياسته المُعادية لِلبيزنطيين، بعد تحرُّره من المُشكلات الأناضوليَّة، وقد أثبتت التجرُبة الأخيرة أنَّ القُسطنطينيَّة لا تزال بعيدة عن مُتناول العُثمانيين، لكنَّ هؤلاء سوف يُهاجمون سالونيك ويشنُّون هجماتٍ في المورة. وتُوفي في هذه الأثناء الإمبراطور البيزنطي عمانوئيل الثاني، وخلفه ابنه يُوحنَّا الثامن، وكانت الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة لدى اعتلاء الإمبراطور الجديد العرش، قد تضاءلت، فلم تعد تشمل سوى القُسطنطينيَّة وضواحيها حتَّى سلمبرية، بِالإضافة إلى بعض الأراضي الضيِّقة على ساحل البحر، فعانت من قلَّة الموارد بسبب فُقدانها لِأراضيها، مع ما ينتج عن ذلك من ضُعفٍ ظاهرٍ في نواحي الحياة كافَّة، فعلى سبيل المِثال لم يتمكَّن يُوحنَّا الثامن من سك النُقُود الذهبيَّة، فاكتفى بِالفضيَّة منها. واستغلَّ السُلطان مُراد ضعف الروم الظاهر ففتح مدينة مودونة الواقعة في شبه جزيرة المورة، مما جعل الإمبراطور يُدرك عدم قُدرته على الصُمُود أمام ضغط العُثمانيين، لِذلك وافق على الخُضُوع لِلسلطنة، وأُبرم صُلحٌ بين الطرفين يوم الثُلاثاء 21 ربيع الأوَّل 828هـ المُوافق فيه 22 شُباط (فبراير) 1425م، وبِمُوجب شُرُوط هذا الصُلح، الذي احتوى مواد ثقيلة على الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة، تنازل يُوحنَّا الثامن لِلعُثمانيين عن جميع القلاع الباقية تحت السيطرة ا