العربية  

books murad i

If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.

View more

مراد الأول (Info)


الملكُ العادل والسُلطانُ الغازي أبو الفتح غيَّاثُ الدُنيا والدين خُداوندگار مُراد خان الأوَّل بن أورخان بن عُثمان القايوي التُركماني (بالتُركيَّة العُثمانيَّة: الملكُ العادل أبو الفتح غازى سُلطان مُراد خان أول بن اورخان بن عُثمان؛ وبالتُركيَّة المُعاصرة: Sultan Murad Han I ben Orhan Gazi)، ويُعرف اختصارًا باسم مُراد الأوَّل أو مُراد خُداوندگار (بالتُركيَّة العُثمانيَّة: مُراد خُداوندگار؛ وبالتُركيَّة المُعاصرة: Murad Hüdavendigâr)؛ و«خُداوندگار» كلمة فارسيَّة يُقصد بها الإشارة إلى حاملها بِأنَّهُ حاكمٌ بِأمر الله أو بِفضل الله، لِذا اشتهر هذا السُلطان بِأنَّهُ «مُرادُ الله». هو ثالث سلاطين آل عُثمان وأوَّل من تلقَّب بِلقب سُلطانٍ بينهم، بعد أن كان والده أورخان وجدِّه عُثمان يحملان لقب «أمير» أو «بك» فقط. والدته هي نيلوفر خاتون ابنة صاحب يني حصار البيزنطي، فهو بهذا أوَّلُ سُلطانٍ عُثمانيٍّ صاحب جُذورٍ تُركمانيَّة - بيزنطيَّة.

تولَّى الحُكم بعد وفاة أبيه السُلطان أورخان سنة 1360م، وكان عُمره 36 عامًا وقتها، واستمرَّ حُكمه 31 سنة تمكَّن خلالها من توسيع نطاق إمارته حتَّى أصبحت قوَّة إقليميَّة كبيرة. كانت باكورة أعماله فتح مدينة أدرنة في تراقيا ونقل مركز العاصمة إليها من بورصة، ثُمَّ تابع فُتوحاته وتوسُعاته في جنوب شرق أوروپَّا، فضمَّ الكثير من البلاد إلى مُمتلكاته وإلى ديار الإسلام، وأجبر أُمراء الصرب والبلغار وحتَّى الإمبراطور البيزنطي يُوحنَّا الخامس پاليولوگ على الخُضوع له ودفع جزية سنويَّة لِلدولة العُثمانيَّة. ولمَّا بلغت الأخيرة مبلغًا كبيرًا من القُوَّة والازدهار خضعت لها الإمارات التُركمانيَّة في الأناضول بعد أن تبيَّن لها عدم جدوى مُقاومتها وصحَّة مُحالفتها، إلَّا إمارة القرمان التي حاول أميرُها علاءُ الدين بن علي الداماد إثارة حمية الأُمراء المُسلمين المُستقلين وتحريضهم على قتال العُثمانيين لِيُقوِّضوا أركان مُلكهم الآخذ في الامتداد يومًا فيومًا، فكانت عاقبة دسائسه أن هاجمه العُثمانيَّون واستولوا على مدينة أنقرة عاصمة إمارته، فاضطرَّ إلى مُهادنتهم بِدوره.

وسَّع مُراد الأوَّل غزواته وفُتوحاته في شبه جزيرة البلقان التي كانت في ذلك الحين مسرحًا لِتناحُرٍ دائمٍ بين مجموعةٍ من الأُمراء المسيحيين الثانويين. فاستولى سنة 1383م على مدينة صوفيا في بلغاريا، ثُمَّ سالونيك في مقدونيا، وشنَّ عدَّة غارات على عديدٍ من القلاع والحُصُون في شمال بلاد اليونان، فاضطَّرب لِذلك المُلوك المسيحيُّون المُجاورون وطلبوا من البابا أوربان الخامس أن يتوسَّط لدى مُلوك أوروپَّا الغربيين لِيُساعدوهم على مُحاربة المُسلمين وإخراجهم من أوروپَّا خوفًا من امتداد فُتُوحاتهم إلى ما وراء جبال البلقان، فلبَّى البابا نداءهم ودعا إلى حملةٍ صليبيَّةٍ لِلدفاع عن القارَّة الأوروپيَّة ضدَّ المُسلمين. وفي 19 جُمادى الآخرة 791هـ المُوافق فيه 12 حُزيران (يونيو) 1389م، التقت الجُيُوش العُثمانيَّة بِالقوى الصربيَّة - تُساندُها قوىٍ من المجر والبلغار والأرناؤوط (الألبانيين) - في سهل قوصوه (كوسوڤو)، فدارت بين الفريقين معركةٌ عنيفة قُتل فيها السُلطان مُراد غدرًا على يد جُندي صربي تظاهر بِالموت، ولكنَّ العُثمانيين لم يلبثوا أن نظَّموا صُفوفهم تحت قيادة بايزيد بن مُراد، فهزموا القُوَّات الصليبيَّة هزيمة شنعاء.

كان مُراد الأوَّل أوَّل سُلطانٍ عُثمانيٍّ يموت في أرض المعركة، والوحيد من سلاطين بني عُثمان الذي قُتل في الحرب، وأُضيف إلى ألقابه بعد وفاته لقب «السُلطان الشهيد». تكمن أهميَّة مُراد الأوَّل بِنجاحه في الارتقاء بِالإمارة العُثمانيَّة إلى طور الدولة، وقد مهَّدت وضعيَّة فُتوحاته السبيل لِتطوير النظام الإنكشاري وإحداث تغييرات هامَّة في نُظم الإمارة، ما ساعد على وضع أُسس الهيكل المركزي فيها. وكما كان حالُ والده وجدِّه من قبل، عاش مُراد حياةً زاهدةً أقرب إلى حياة المُتصوفين، فكان لباسه لِباس الدراويش عكس ما تُصوِّره اللوحات، واشتهر بِقلَّة كلامه وحُبِّه مُجالسة العُلماء والتفقُّه بِالشريعة الإسلاميَّة، وقد وصفه المؤرخ الفرنسي «كرينارد» بِقوله: «كَانَ مُرَاد أَحَد أَكبَر رِجَال آل عُثمَان، وَإِذَ قَوَّمنَا تَقويمًا شَخصيًّا، فَقَد كَان في مُستوى أَعلَى مِن كُلِّ حُكَّامِ أوروپَّا».

حياته قبل الإمارة

ليس هُناك من معلوماتٍ كثيرة مُتوافرة عن حياة مُراد الأوَّل قبل تولِّيه السلطنة، لكن من المعروف أنَّهُ وُلد سنة 726هـ المُوافقة لِسنة 1326م لِثاني سلاطين آل عُثمان أورخان الغازي والأميرة نيلوفر خاتون بنت حاكم يار حصار (يني شهر) البيزنطي، وهو ثاني أولاد السُلطان من نيلوفر خاتون بعد شقيقه الأكبر سُليمان، وكان لهُ إخوة غير أشقَّاء هم إبراهيم وخليل وقاسم. ولم يكن على قيد الحياة من هؤلاء وقت تولِّيه العرش سوى إبراهيم وخليل. لا يُعرف مقدار تأثَّر هذا السُلطان بِوالدته روميَّة الأصل، وكذلك يُجهل إن كان مُرادًا عرف وتحدَّث الرُّوميَّة أم لا. أيضًا من غير المعلوم إن كان تلقَّى تعليمًا تُركمانيًّا تقليديًّا كوالده وجدِّه أم تعلَّم من المُدرسين والمُربين القيمين الذي كانوا يُدرِّسُون في مدارس المُدن المفتوحة في إزمير وبورصة وقت طفولته وشبابه. عندما استولى والده أورخان غازي على بورصة في عام 1326م، ووفقًا لبعض المصادر الأُخرى في سنة 1324م، عُيِّن مُراد أمير سنجق المدينة، وذلك وفقًا لِتاريخ عاشق زاده بك. ووفقًا لِبعض المصادر الأُخرى فقد تحوَّلت بورصة مُباشرةً لِمركز الدولة. من المعروف أنَّ مُراد الأوَّل حصل خِلال هذه الفترة على لقب «خُداوندگار»، وأنَّ هذا اللقب استُخدم على الأكثر في سنجق بورصة، وعند الأخذ بِعين الاعتبار أنَّهُ أُطلق أيضًا على مُراد الثاني بعد ذلك، فإنَّهُ من المُحتمل أن يكون لقبًا أُطلق على كُل من تولَّى ولاية سنجق بورصة. شارك مُراد الأوَّل، خِلال الفترة التي أمضاها واليًا على بورصة، في فُتوح بلاد الروم مع أخوه سُليمان باشا. وقد استمرَّ في فُتوحات الروم بعد أن حاز لقب بكلربك (أمير الأُمراء) لِمُدَّة ثلاثة أعوام (1359-1362م).

تولِّيه الإمارة

ظُروف تولِّي مُراد السُلطة

كانت أنظارُ الأعيان وأهلُ الحل والعقد في الإمارة العُثمانيَّة مُتوجهة نحو سُليمان بن أورخان، الأخُ الأكبر لِمُراد، كي يتولَّى عرش الإمارة بعد والده، لا سيَّما أنَّهُ ظهر كقائدٍ فاتحٍ مُنذ شبابه، وخاض حُروبًا بارزة انتصر فيها، من أبرزها فتح گليپولي، وكان الأكثر قُدرةً، من بين أبناء أورخان على مُتابعة مسيرة الجهاد والفُتُوح في أوروپَّا. لكن حصل في أوائل سنة 760هـ المُوافق فيه أواخر سنة 1358م، أن تُوفي سُليمان بعد أن زلَّت أرجُل حصانه على بعض الحجارة، فسقط عنهُ واصطدم رأسه عليها، فمات على الفور وعُمره 41 سنة، وقيل أيضًا أنَّ وفاته جاءت نتيجة اصطدامه بِبعض الأشجار وهو على صهوة جواده، الذي ثار ولم يستمع لِتعليمات سيِّده. وحزن أورخان حُزنًا شديدًا على وفاة ابنه، حتَّى قيل أن أجله اقترب أكثر من شدَّة حُزنه.

خلف مُراد أخاهُ سُليمان في قيادة الوحدات العسكريَّة على الساحة الأوروپيَّة بعد وفاته، فخاض جهاد الغُزاة التُركمان، وتمتَّع بِدعم هؤلاء له؛ وعليه فقد شارك فعليًّا في السُلطة، وظهر بِوصفه الخليفة الطبيعي لِوالده. وفي شهر جُمادى الأولى 761هـ المُوافق فيه شهر آذار (مارس) 1360م، توفي السُلطان أورخان وسنُّه 81 سنة ومُدَّة حُكمه 35 سنة، ودُفن في مدينة بورصة في تُربة والده عُثمان، وإلى جانب ابنه سُليمان. وعند وفاته، بُويع مُراد من قِبل أعيان بورصة ومُقاتلي المناطق الحُدوديَّة والعُلماء، بحيثُ أضحى حاكمًا شرعيًّا. هذا ويقول المُؤرِّخ التُركي يلماز أوزتونا أنَّ مُرادًا عُقدت لهُ ولاية العهد قبل أربع سنواتٍ ونصف من وفاة السُلطان أورخان، وذلك بدلًا من شقيقه سُليمان باشا الذي كان يكبره بِعشر سنوات، فكان الرأي أن يتولَّى الأمير اليافع شُؤون الحُكم كونه تمرَّس في الأعمال الإداريَّة، إذ أنَّهُ من المعلوم أنَّ أورخان أوكل جميع الأُمور الإداريَّة في الدولة لابنه مُراد في سنوات حياته الأخيرة، وتُترك شُؤون الحرب لِأخيه الأكبر كونه تمرَّس بها بِدوره.

وصيَّة والده

تنص المصادر العُثمانيَّة والتُركيَّة أنَّ أورخان ترك وصيَّةً لابنه مُراد يُوصيه فيها بِإكمال مسيرة الجهاد والفُتُوح في أوروپَّا، وتوسيع حُدود الإمارة التي أنشأها جدُّه عُثمان، ونشر الإسلام في رُبوعها. أمَّا نص الوصيَّة فهو:

يا بُني، أنشأ والدي الغازي عُثمان - أسكنه الله الجنة - إمارةً من حِفنة تُراب، ونحنُ حوَّلناها لِإمارةٍ سُلطانيَّةٍ بإذن الله. أنت أيضًا ستُوسُّعها، ولا يكفي العُثمانيين الحُكم في قارَّتين، لأن عزيمة إعلاء كلمة الله عزيمة كبيرة لن تكفيها قارتين.

ولمَّا كان مُراد مُقرَّبًا من والده، شغوفًا بِالغزوات ويحلم بِالسير على خُطى أبيه وشقيقه سُليمان، وكان بجانبه مجموعة من خيرة القادة والخُبراء العسكريين، شكَّل منهم مجلسًا لِلشورى لِلتباحث في كيفيَّة التوسُع مُستقبلًا في أوروپَّا وآسيا الصُغرى على حدٍ سواء.

توطيد دعائم حُكمه

بعد أن أصبح مُراد حاكمًا جمع جُندًا كثيرًا من ولايته ومن قره سي وفقًا لِعاشق زاده باشا، وبدأ بِاستعدادات العودة نحو الرُّوملِّي. ولكنَّ الدُول المُجاورة والأعداء تحرَّكوا على الفور للاستفادة من تغير الحاكم في الإمارة العُثمانيَّة. فاستعاد البيزنطيُّون مدينتيّ چورلو وبورغاس ومالقره. كما طرد القرمانيُّون الحامية العُثمانيَّة من جماعة الآخية المُتمركزة في أنقرة، والذين كانوا قد انضموا قبل وقتٍ قصيرٍ إلى الدولة العُثمانيَّة. وتمرَّد الشاهزاده إبراهيم باشا بن أورخان، الأخ غير الشقيق لِمُراد، وحاكم مدينة أسكي شهر. وحرَّض البيزنطيُّون الشاهزاده خليل خاطب ابنة الإمبراطور يُوحنَّا الخامس پاليولوگ وحفيد الإمبراطور السابق يُوحنَّا السادس قانتاقوزن من طرف الأم وكانوا سببًا في تمرُّده على أخيه هو أيضًا. كذلك، أخذت إمارة القرمان تُعدُّ جيشًا لِلهُجُوم على الإمارة العُثمانيَّة لِلحيلولة دون تمدُّد نُفوذها إلى بلادها. عقد مُراد في البداية مُباحثاتٍ مع قادته المُتمرِّسين والعُلماء والوُجهاء وغيرهم، في سبيل إيجاد حل لِتلك المشاكل في ذلك العام. وبدأ بِالهُجوم على أنقرة وسيطر على المدينة وقلاعها، ثم صفَّى المُفسدين فيها. ثُمَّ استولى السُلطان على أسكي شهر، وعاد لِبورصة وقام بالاستعداد لِحرب إمارة القرمان، وعلى الفور اتجه نحوها، وقد قال المُؤرِّخ العُثماني شُكر الله صاحب كتاب «بهجة التواريخ»: «تقدَّم جيشُ القرمان وتقابل الجمعان، وكُسِّرت الرِّماح، وتحطَّمت السُيُوف، وصارت الدُّرُوعُ حِطامًا. إن كُنَّا قد تمكنَّا من جُنُودِ القرمان فقد سقط أيضًا من التتر والتُركمان عددٌ لا يُحصى. وترك رجالُ قرمان بك عتادهم وهربوا». في تلك الأثناء قبض مُراد على أخويه إبراهيم وخليل اللذان أشهرا العصيان في أسكي شهر وبيله جك، وقتلهُما. كانت العادات حتَّى ذلك الوقت تقضي بِتعين أحد أخوة الأمير العُثماني كبكلربك وأمير سنجق، ولكن قتل مُراد لِإخوته غير الأشقَّاء وصغر سن أبناءه جعلهُ مُضطرًا لِتعين أشخاصٍ من خارج السُلالة السلطانية. فمنح مُربيه لاله شاهين باشا لقب بكلربك وعيَّنهُ قائدًا لِلجيش، وكذلك عيَّن قره خليل خيرُ الدين باشا الجندرلي قاضيًا للعسكر.

فتح أدرنة

    مضى السُلطان مُراد في حركة الجهاد والدعوة وفتح الأقاليم في أوروپَّا، وانطلق جيشه بِفتح مقدونيا مما أثار الممالك الأوروپيَّة مُجددًا، فتنادى المُلُوك مرَّةً أُخرى إلى إعلان حملةٍ صليبيَّةٍ جديدةٍ ضدَّ العُثمانيين. وفي تلك الفترة كان أسطفان أوروك الخامس قد اعتلى عرش إمارة الصرب خلفًا لِأسطفان دوشان، وكان مُتحمسًا لِقتال المُسلمين وإخراجهم من أوروپَّا، مُقتديًا بِأماديوس السادس. فلم ينتظر وُصُول المدد إليه من أوروپَّا الغربيَّة، بل استعان بِأُمراء البشناق والأفلاق وبِعددٍ عظيمٍ من فُرسان المجر والبُلغار إلى جانب عساكره الصربيين، فاستطاع أن يحشد جيشًا عرمرميًّا بلغ تعداده حوالي سبعين ألف جُندي، وسار بهم باتجاه مدينة أدرنة عاصمة الممالك العُثمانيَّة، مُستغلًا انهماك مُراد الأوَّل بِمُحاصرة مدينة بيجا، الواقعة إلى الجنوب من بحر مرمرة، وهو يُمنِّي النفس بِالنصر، وسار معهُ لويس الأوَّل ملك المجر وتڤرتكو ملك البشناق، والأميرين الأفلاقيين باساراب ولايكو. فلمَّا وصل خبر تقدُّم التحالُف الصليبي إلى آذان العُثمانيين أمر السُلطان مُراد قسمًا من الجيش أن يسير لِمُلاقاتهم، وعيَّن البكلربك لاله شاهين باشا والحاج إفرينوس بك الرومي أميران على رأس الجيش. ولم يرَ إفرينوس بك ضرورةً لانتظار السُلطان مُراد ريثما يعود من حملته في آسيا الصُغرى، فتفاهم مع لاله شاهين باشا وقرَّرا مُجابهة العدو والقضاء عليه قبل عودة السُلطان لا سيَّما وأنَّ الصليبيين أصبحوا على مسافة كيلومترات قليلة من أدرنة.

    اقترح أحد القادة العُثمانيين المُخضرمين، وهو الحاج إيل بك البالقي، أن يُبادر العُثمانيُّون بِالهُجوم ويأخذون الصليبيين على حين غرَّة، فوافقه الأميران على ذلك. فسار إيل بك إلى المُعسكر الصليبي على شاطئ نهر مريݘ، يُرافقه 10,000 جُندي، فباغت الصليبيين ليلًا وأوقعهم في ارتباكٍ كبير حتَّى أنَّهم قاتلوا بعضهم بعضًا في الظلام دون أن يُدركوا ما يحصل، ولم يلبثوا إلَّا قليلًا حتَّى ولُّوا الأدبار، فحلَّت بهم الكارثة، إذ غرق الآلاف منهم في نهر مريݘ بما فيهم الأميران الأفلاقيَّان، ونجا لويس ملك المجر من الموت بِأُعجوبة، وعندما انقشع غُبار المعركة وطلع نُور الصباح انكشف حجم المُصيبة التي حلَّت بِالتحالف، إذ فقدوا كثيرًا من الجُنُود والقادة، فهبطت معنويَّاتهم وتبدَّدت آمال القيصر الصربي والملك المجري بِتحقيق نصرٍ كبير. وعُرفت هذه المعركة الليليَّة في المصادر التُركيَّة بـ«الطريق إلى الصرب» أو «حرب القضاء على الصرب» (بالتُركيَّة العُثمانيَّة: جنگ صرب صنديغى أو صرب صنديغى مُحاربه سى؛ وبالتُركيَّة المُعاصرة: Sırpsındığı Muharebesi)، لِأنها أتاحت لِلعُثمانيين فتح مقدونيا وانتزاعها من أيدي الصربيين. لم يلبث لاله شاهين باشا طويلًا إلَّا وسار على رأس جيشٍ يُقدَّر بِثمانمائة جُندي إلى من تبقَّى من الجيش الصليبي على شاطئ نهر مريݘ، فاشتبك معهم في معركةٍ ضارية عند بلدة شيرمن وتغلَّب عليهم، وقُتل منهم العديد وغرق آخرون مُجددًا لمَّا حاولوا عُبُور النهر، ولم يبقَ من الجيش إلَّا فئة قليلة جدًا استطاعت أن تنجوا بنفسها وتعود إلى بلادها، ومن هؤلاء كان ملك المجر لويس الأوَّل، الذي شيَّد كنيسةً لِمرضاة السيِّدة مريم العذراء إظهارًا لِشُكره، بِمُجرَّد عودته إلى بلاده. كانت المعركة بين العُثمانيين والصليبيين ضاريةً لِدرجة أنَّ الثرى كان مُخضبًا بِالدماء بِشكلٍ جليٍّ، كما أنَّ نهر مريݘ جرى أحمرًا لِكثرة ما احتواه من الجُثث.

    بعد ذلك فتح العُثمانيُّون مدائن سوزوپول ودرامة وقولة وسيروز، فتمَّ لهم السيطرة على أطراف إقليم تراقيا وفتح إقليم مقدونيا، ووصلوا إلى جنوبي بُلغاريا وإلى شرقيّ الصرب، وأصبحت بِالتالي جميع مُدن وأملاك الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة والقيصريتين البُلغاريَّة والصربيَّة مُهددة بِالسُقوط في أيدي المُسلمين. وابتهج العالم الإسلامي بالانتصار الذي تحقق في أوروپَّا، فنال مُراد الأوَّل لقب «سُلطان» بِصُورةٍ رسميَّة من الخليفة العبَّاسي المُقيم بِالقاهرة أبو عبد الله مُحمَّد المُتوكِّل على الله، لِيُصبح بِهذا أوَّل حاكمٍ من آل عُثمان ينال هذا اللقب، بعد أن كان والده أورخان وجدِّه عُثمان يحملون لقب «أمير» أو «بك» فقط. كما خلع الخليفة العبَّاسي على السُلطان مُراد ألقابًا تشريفيَّة عديدة أُخرى تقديرًا لِما قدَّمهُ لِلإسلام، وتلك الألقاب هي: «سُلطانُ الغُزاة والمُجاهدين»، و«ملكُ المشايخ»، و«الملكُ العادل»، و«غيَّاثُ الدُنيا والدين»، و«شهابُ الدين غازي هنكار خُداونگار»، و«ليثُ الإسلام»، و«أبو الفتح»، و«غيَّاثُ المُسلمين». كما أدَّى هذا الانتصار إلى تلقيب الجنويين لِمُراد بِـ«الملك أمير التُرك» (باللاتينية: Dominus Armiratorum Turchie). أمَّا قيصر الصرب أسطفان أوروك، الرأس المُدبِّر لِهذه الحملة، فقد اتهمهُ النُبلاء والأعيان بِالضعف وتحاملوا عليه بعد هزيمة مريچ، فانكفأ دوره السياسي، وتُوفي بعد بضعة أشهُرٍ دون أن يترك وريثًا.

    عصيان صاووجي بك

    بينما كان السُلطان مُراد غائبًا يُحاربُ الصرب، أشهر ابنه صاووجي چلبي بك - الوكيل على العرش - العصيان، وأعلن تمرُّده على أبيه. وفي الحقيقة فإنَّ تمرُّد ذلك الشاهزاده كان امتدادًا لِلصراع على العرش العُثماني، الذي دار بين المُرشحين لِخلافة السُلطان مُراد، كما كان الأمر في الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة في القُسطنطينيَّة. ففي الأخيرة، كان أندرونيقوس بن يُوحنَّا الخامس يتنافس مع أخيه الأصغر عمانوئيل على العرش البيزنطي، وقد استغل أندرونيقوس ترك والده لِلقُسطنطيَّنة وخُروجه إلى آسيا الصُغرى وقام بِمُؤامرةٍ أعلن نفسه فيها إمبراطورًا. وسُرعان ما انضمَّ إلى عمليَّة العصيان تلك الشاهزاده العُثماني صاووجي بك الذي كان في الرابعة عشر وقتها، وأعلن نفسهُ حاكمًا بدلًا عن والده في الروملِّي وأمر بِإقامة الخطبة باسمه. انتقل السُلطان مُراد بِقُوَّاته نحو الروملِّي لمَّا بلغه عصيان ولده، فوقع اشتباكٌ بين جيشه والوحدات العسكريَّة الخاضعة لِلأمير البيزنطي أندرونيقوس والشاهزاده صاووجي بك في منطقةٍ تُسمَّى «أبكريدوم» بِالقُرب من القُسطنطينيَّة، وتمكَّن من الانتصار عليهما، وهرب صاووجي بك إلى ديموتيقة، لكن لم يُفده ذلك شيئًا، إذ قُبض عليه هناك وسيق إلى والده. كان السُلطان مُراد شديد التأثُّر بِتمرُّد ولده وانقلابه عليه، فأمر بِأن يُعاقب عقابًا صارمًا، وحكم عليه بِأن تُسمل عينيه، وبقول المُؤرِّخ العُثماني فيردون بك أنَّ السُلطان «حرم ابنهُ من نور البصر». وقد عُوقب ابن الإمبراطور أيضًا بِنفس الطريقة. غير أنَّ بعض المُؤرِّخين يقولون أنَّ السُلطان عاد وخفَّف عقاب ابنه فوضع في عينه خلٌّ حامٍ جعله نصف أعمى. لكن رُغم ذلك يبدو أنَّ السُلطان لم يتقبَّل فكرة طعن ولده لهُ في ظهره، ولم يستكين خاطره من جهته ولم يُعاوده الاطمئنان له، فأعدمه خنقًا في بورصة بعد ذلك، فأضحت تلك واقعة مأساوية تناولتها الروايات والأشعار العُثمانيَّة.

    التقارب البيزنطي - العُثماني

    لم تُحقق حملة أماديوس السادس الصليبيَّة طُمُوح الإمبراطور البيزنطي يُوحنَّا الخامس، لا سيَّما وأنَّ الخطر العُثماني ما يزالُ يُحيط بالقُسطنطينيَّة، ولأنَّ البنادقة بدأوا يميلون إلى التفاهُم مع مُراد الأوَّل حفاظًا على مصالحهم التجاريَّة؛ ما دفعهُ إلى التوجُّه إلى إيطاليا في شهر مُحرَّم من سنة 771هـ المُوافق فيه شهر آب (أغسطس) سنة 1369م، وأناب عنهُ في الحُكم ابنه أندرونيقوس، فاجتمع بِالبابا وقدَّم لهُ فُروض الولاء والطاعة امتثالًا لِأمره، وتمادى حين تخلَّى عن مذهبه الأرثوذكسي وأعلن أنَّهُ كاثوليكيّ المذهب، كما توصَّل إلى اتفاقٍ مُناسبٍ مع البنادقة لِمنع تحالُفهم مع مُراد الأوَّل، فمنحهم جزيرة تينيدوس التي تُهيمن على مدخل الدردنيل. وعلى الرُغم من أنَّ الإقدام على تغيير المذهب كان ذا طابعٍ سياسي، إلَّا أنَّهُ أثَّر تأثيرًا سلبيًّا على الجبهة الداخليَّة بِصفةٍ عامَّة، والأوساط الدينيَّة بِصفةٍ خاصَّة، بِالإضافة إلى أثره على الأحداث التالية، إذ أنَّ النتيجة كانت زيادة الانقسام، والفشل في تلقِّي المُساعدة، بل إنَّ صُعُوباتٍ ماليَّةٍ حالت دون مُغادرة الإمبراطور لِلبُندُقيَّة، واضطرَّ ابنه الثاني عمانوئيل إلى جمع المال اللازم وحمله بِنفسه إلى البُندُقيَّة، وأعاد والده إلى القُسطنطينيَّة في 17 ربيع الآخر 773هـ المُوافق فيه 28 تشرين الأوَّل (أكتوبر) 1371م.

    اضطرَّ الإمبراطور البيزنطي، تجاه الاندفاع العُثماني في تراقيا وعدم تلقِّي أيَّة مُساعدة جديَّة من الغرب الأوروپي، إلى التفاهم مع مُراد الأوَّل في سنة 773هـ المُوافقة لِسنة 1372م، فاعترف به سيِّدًا له وقبل بِدفع الجزية وتقديم مُساعدة عسكريَّة عند الحاجة، وتجلَّى هذا التفاهم بين العاهلين بِتعاونهما في قمع تمرُّد ولديهما صاووجي چلبي بن مُراد وأندرونيقوس بن يُوحنَّا الخامس اللذين طمعا في الحُكم، وانتهت هذه الثورة بِقتل صاووجي كما أُسلف، أمَّا أندرونيقوس فقد سُملت عيناه وزُجَّ به في السجن، وأشرك الإمبراطور معهُ ابنه عمانوئيل في الحُكم. ويبدو أنَّ جُهُود الإمبراطور البيزنطي في المُحافظة على تفاهُمه مع مُراد الأوَّل لم تنجح تمامًا، وبِفعل استمرار النزاع الأُسري في القُسطنطينيَّة الذي تطلَّع العاهل العُثماني إلى استغلاله لِصالحه، فقد ظلَّ أندرونيقوس يُشكِّلُ خطرًا بِفعل طُمُوحه المُتمثل بِالإطاحة بِوالده عن العرش، وبِخاصَّةً بعد أن نجح في الهرب من سجنه في سنة 778هـ المُوافق فيه سنة 1376م ولجأ إلى الجنويين في غلطة، واتصل من هُناك بِمُراد الأوَّل طالبًا منهُ المُساعدة في الوُثُوب إلى العرش البيزنطي مُقابل بعض التنازُلات، فأمدَّهُ مُراد الأوَّل بِقُوَّةٍ عسكريَّةٍ مكَّنتهُ من دُخُول القُسطنطينيَّة في 29 ربيع الأوَّل 778هـ المُوافق فيه 2 آب (أغسطس) 1376م، فألقى القبض على والده وأخويه عمانوئيل وتُيُودور وسجنهم، واعتلى العرش باسم أندرونيقوس الرابع، وردَّ گليپولي إلى مُراد الأوَّل، وبِذلك أضحى لِلعُثمانيين موطئ قدمٍ ثابتٍ في أوروپَّا، كما أضحى الإمبراطور البيزنطي تابعًا لِمُراد الأوَّل. وهكذا تمكَّن مُراد الأوَّل بِفضل سياسته السليمة، من التصرُّف مُجددًا، وفق المصلحة الإسلاميَّة في أوروپَّا، وهو لم يكن قد طُرد منها مُطلقًا، لكنَّ توجُّهه أصبح الآن التوسُّع لِكي يُصبح العاهل الوحيد في المنطقة، إذ لم تمضِ ثلاثة أعوامٍ على سجن الإمبراطور يُوحنَّا الخامس وولديه حتَّى نجحوا في الهرب، فعبروا البوسفور إلى مُراد الأوَّل، وعقد معهُ يُوحنَّا الخامس اتفاقيَّة، تعهَّد لهُ فيها بِدفع جزية سنويَّة ضخمة وتقديم مُساعدة عسكريَّة عند الحاجة، وتنازل لهُ عن مدينة فيلادلفية، آخر المُمتلكات البيزنطيَّة في الأناضول، مُقابل مُساعدته في استعادة عرشه. وتمَّ الأمرُ فعلًا على هذا الشكل، واضطرَّ أندرونيقوس الرابع إلى اللُجوء مُجددًا إلى حُلفائه الجنويين في غلطة. وساهم مُراد الأوَّل في تفتيت الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة من واقع استغلال الصراع الأُسري، ففرض على تابعه البيزنطي أن يعترف بِأندرونيقوس الرابع وليًّا لِعهده، والتنازُل لهُ عن بعض المُدن، فتجزَّأت بِذلك الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة إلى إماراتٍ صغيرةٍ عدَّة، فحكم الإمبراطور يُوحنَّا الخامس القُسطنطينيَّة، وأندرونيقوس الرابع الأراضي الواقعة على ضفاف بحر مرمرة، وعمانوئيل في سالونيك، وتُيُودور في المورة. والواضح أنَّ فشل الإمبراطور يُوحنَّا الخامس في الحُصُول على مُساعدةٍ جديَّةٍ من البابا والغرب الأوروپي؛ دفعهُ إلى الدُخُول في طاعة مُراد الأوَّل، وبِخاصَّةً بعد ازدياد خُطُورة الموقف الناتج عن تجدُّد النزاع الأُسري في القُسطنطينيَّة، بِالإضافة إلى أنَّ دُول أوروپَّا الشرقيَّة، مثل الصرب وبُلغاريا، لم تتمكَّن من وقف التقدُّم العُثماني مُنفردة، بعد إحجام دُول أوروپَّا الغربيَّة، المُنهمكة بِمُشكلاتها، عن تقديم المُساعدة، وعجز البابا عن حشد جُيُوش الغرب في حملةٍ صليبيَّة، ما جعل العُثمانيين أسياد الموقف.

    الفُتُوح في بُلغاريا

    في سنة 1379م، اتَّحد قيصر الصرب لازار بلينانوڤيچ، الذي تربَّع على تخت المملكة بعد وفاة أسطفان أوروك، مع يُوحنَّا شيشمان قيصر البُلغار على مُقاتلة العُثمانيين ومُحاربتهم ودفعهم إلى الخلف. وما أن علِم السُلطان مُراد بِهذا الأمر حتَّى قام على رأس جُيُوشه واجتاح بُلغاريا بِهدف فتح ما تيسَّر من حُصُونها وفض التحالف الصُربي البُلغاري. وكانت باكورة فُتُوحات العُثمانيين هي حُصُون جبال رودوپس المنيعة، فسارت فرقة من الجيش بِقيادة داود باشا إلى قلعة راكوڤيتسا، وضربت عليها الحصار فترة، لكنَّها امتنعت عليهم، فشدَّد داود باشا الحصار عليها حتَّى اضطرَّت حاميتها إلى طلب الأمان، فاستجاب لهم، ففتحوا له أبواب القلعة. ثُمَّ سار العُثمانيُّون إلى حصن اتسپينة الاستراتيجي، فحاصره داود باشا طيلة تسعة أشهر أبدى خِلالها المُقاومون بسالةً وشجاعة كبيرتين، ونظرًا لِصُعوبة تضاريس المنطقة والخوف من امتداد الحصار لِأكثر من هذا وحُلُول فصل الشتاء بِثُلُوجه وبرده القارس في تلك المنطقة، مما يُحتمل معهُ هلاك الكثير من الجُنُود وانفصالهم عن الجيش الرئيسي بِسبب انقطاع مسالك الجبل، أقدم داود باشا على سد الينابيع التي تُزوِّد الحصن بِالمياه، فلم يكن أمام حاميته من طريقٍ لِلخلاص سوى الاستسلام، ففتحوا الأبواب لِلمُسلمين، وأمَّنهم داود باشا على أموالهم وأنفُسهم ومُقدَّساتهم. بعد ذلك سقطت قلعة باطكون بِيد العُثمانيين وقُتل قائدها جرجير في الهُجُوم النهائي عليها، ثُمَّ تلتها مدينة استانيماكا. وهكذا تتابع سُقُوط الحُصُون والقلاع البُلغاريَّة بِيد المُسلمين رُغم المُقاومة العنيفة التي أبداها البُلغار، وأصبحت الطريق سالكة أمام العُثمانيين ناحية مدينة صوفيا المُهمَّة. أُصيب يُوحنَّا شيشمان بِالهلع لمَّا أدرك أنَّ سُقُوط صوفيا أصبح قاب قوسين أو أدنى، وأدرك أنَّ تحالفه مع القيصر الصربي لن يأتي بِالنتائج المرجُوَّة، فمال إلى التفاهم مع مُراد الأوَّل، لكنَّهُ لم يتمكَّن من ذلك بِسبب استغلال أخيه يُوحنَّا سراتسيمير لِلصراع الدائر، حيثُ تحصِّن في صوفيا واتخذها لِنفسه، فاضطرَّ يُوحنَّا شيشمان إلى مُقاتلة أخيه واسترجاع المدينة منه، ثُمَّ طلب المعونة من أمير دبروجة المدعو «دبروتيتسا» لِيُعاونه على دفع العُثمانيين بعيدًا عن صوفيا، لأنهم لو أخذوها يُخشى بعدها على سُقُوط العاصمة ترنوڤو بِيدهم، كما أنَّهم بِسيطرتهم عليها يتحكمون بِجميع الطُرق الواصلة ما بين بلاد الصرب ومقدونيا. لكنَّ الأمير سالِف الذِكر كان مُنشغ

    Source: wikipedia.org