If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
أشار بعضُ المُؤرخين إلى أنَّ الشخص الذي أطلق عليه المُؤرخون العرب والمُسلمون اسم «المُقوقس» لم يزل غامضًا. فهل كان مصريًّا أم روميًّا؟ وهل المُقوقس الذي سلَّم بابليون هو نفسه الذي أبرم اتفاقيَّة الإسكندريَّة؟ لم يصل الباحثون والمُؤرخون بما فيهم المُستشرقون إلى جوابٍ دقيقٍ عن هذه الأسئلة، وكان المُستشرق والعلَّامة الفرنسي الكبير جان فرانسوا شامپليون قد فرَّق بين «قيرس» (وهو الاسم المُفترض للمُقوقس) و«المُقوقس»، فصوَّر الأوَّل على أنَّه قسٌّ قلق ومُفسد خلف البطريرك جرجس الأوَّل سنة 630م، بينما حكم مصر أحد المصريين كريم الأصل ومن أغنى أغنياء البلاد، اسمه «المُقوقس». غير أنَّ المُستندات التي تحصَّل عليها المُؤرخون لا تسمح بعد بتفسير هذا اللُغز التاريخي تفسيرًا تامًّا. يقول الدُكتور جاك تاجر إلى أنَّ المُؤرخون استعملوا كلمة «مُقوقس» باعتبارها اسمُ شخصٍ مُعيَّن، على أنَّه يُحتمل أن تكون لقبًا حُرَّف لفظه في اللُغة العربيَّة. فالبطريرك قيرس الذي عيَّنهُ الإمبراطور هرقل دوقًا على دوقيَّة الإسكندريَّة، كان قبل تعيينه أُسقُفًا لِمدينة «فاز»، وهي من مُدن القفقاس، فلُقِّب في مصر بِلقب «قوقيوس» أي «القفقاسي»، كما يشهد على ذلك أحد المُستندات القبطيَّة النادرة التي كشف عنها وأشار إليها المُؤرِّخ الفرنسي إميل إميلينو. ويُشيرُ تاجر إلى أنَّ تحريفُ اللفظ في حد ذاته ليس خطيرًا، ولكن الخطر هو ذلك اللُّبس الذي وقع فيه المُؤرخون عندما كانوا يتحدثون عن دوقيّي مصر المُختلفين، وأنَّ المُؤرخين المُسلمين يبدوا أنَّهم أهملوا هذه الحقيقة ألا وهي أنَّ كُلَّ دوقٍ كان مسؤولًا أمام بيزنطة مُباشرةً وعليه أن يرفع تقاريرهُ إلى رئيس الأبرشيَّة المشرقيَّة فقط. فعلى الرُغم من أنَّ قيرس، بطريرك ودوق الإسكندريَّة، كان يتمتَّع بِمركزٍ مُمتاز بالنسبة إلى سائر الدوقات، لِأنَّهُ كان مُكلَّفًا بِجباية الضرائب إلى جانب وظيفته، إلَّا أنَّهُ لم يستطع الخُروج على النظام المُتبع أو أن يفرض سياسته الشخصيَّة على زُملائه أو أن يُبرم اتفاقات مع الفاتح، ثُمَّ يُوقعها بالنيابة عنهم.
ويميلُ تاجر إلى الاعتقاد - دون أن يجزم قطعيًّا - بأنَّ المُقوقس الذي فاوض في تسليم بابليون هو شخصٌ آخر غير البطريرك قيرس الذي أبرم صُلح الإسكندريَّة، بل أنَّه حاكمٌ مصريّ. على أنَّ المُؤرِّخ سعيد بن البطريق يُشيرُ إلى المُقوقس على أنَّهُ «يعقوبيّ مُبغضًا للرُّوم، إلَّا أنَّهُ لم يكن يتهيَّأ لهُ أن يُظهر مقالة اليعقوبيَّة لئلَّا يقتُلوه». ويتهمهُ ابن بطريق، إلى جانب ذلك، بأنَّهُ «قد اقتطع أموال "مصر" من وقت حصار كسرى للقُسطنطينيَّة، فكان يخافُ أن يقع في يد هرقل الملك فيقتُله». وقد تساءل البعض عن المقصود من كلمة «مصر» في تأريخ ابن بطريق، فهي قد تعني البلاد كُلَّها كما قد تعني مدينة منف البائدة، أو الفسطاط التليدة، والأخيرة هي ما درج عليه المُؤرخون المُسلمون والمسيحيّون الذين كتبوا التاريخ باللُغة العربيَّة في البداية أن يُسموها «مصر»، قبل أن يأتي المقريزي ويُدقق في المعنى، حيثُ فرَّق بين «أرض مصر» أي القطر كُلَّه، و«فسطاط مصر» أي المدينة. وقيل أنَّ ما يحمل على الاعتقاد بأنَّ حاكم بابليون أيَّام الحملة كان مصريًّا، هو الفرق الواضح بين اتفاقيتيّ بابليون والإسكندريَّة. فبينما تُعنى اتفاقيَّة الإسكندريَّة صراحةً بِمصير الروم، لم تهتم اتفاقيَّة بابليون إلَّا بِمصير الأهلين، وقد أشار ابن عبد الحكم إلى هذا الموضوع في مُحاولةٍ منه ألَّا يترُك شكًّا فيه، فأضاف بعد أن ذكر الاتفاقيَّة المُوقَّع عليها في بابليون بأنَّ «هذا كُلُّه على القِبط خاصَّة». كما أشار إلى أنَّ المُقوقس أراد أن يُخطر عمرو قبل دُخول الاتفاقيَّة في دور التنفيذ، فقال له أنَّ سُلطانه (أي سُلطان المُقوقس) ليس إلَّا على نفسه ومن أطاعه، وأنَّ صلح القِبط قد تمَّ فيما بينهم وبين المُسلمين ولم يأتِ من قبلهم نقض، وأنَّ الرُّوم هو بريءٌ منهم. ويتحدث ابن بطريق عن المُقوقس بأنَّهُ احتال على الرُّوم وقال سرًّا لِعمرو: «أمَّا الرُّومُ، فإنِّي بريءٌ منهم، وليس ديني دينُهم ولا مقالتي مقالتُهم، إنَّما كُنتُ أخافُ منهم القتل، فلِذلك كُنتُ أستُرُ ديني ومقالتي من مقالتهم وأكتُمُ ذلك».