If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
لا تمثل المؤسسية الحديثة قطيعة مع التيار الاقتصادي الرئيسي بقدر ما تمثل استكمالاً له. فالتحليل الاقتصادي ليس خاطئاً بقدر ما هو قاصر. ودور المؤسسية الحديثة هو مد أدوات التحليل الاقتصادي إلى هذه الجوانب المهملة من اهتمامات النظرية الاقتصادية، وهي الجوانب المؤسسية.
ففي قضايا التنمية والإصلاح الاقتصادي نجد أن الاهتمام لم يعد يقتصر على السياسة الاقتصادية الكلية بل تخطتها إلى قضايا أساليب الحكم والإدارة. فلم يعد الأمر مجرد اهتمام بالكميات الكلية مثل الإدخار، وتوازن ميزان المدفوعات والنسق المتوازن للقطاعات الإنتاجية مثل الزراعة والصناعة والبنية الأساسية، بل جاوز الأمر ذلم إلى طبيعة المؤسسات القائمة عاى اتخاذ القرار، وحقوق الملكية والتزامات المتعاقدين. وإذا كانت الصيحة للإصلاح الاقتصادي مع الفكر النيوكلاسيكي هي "ضرورة إصلاح نظام الأسعار" فإنها تصبح مع المؤسسية الحديثة "البحث عن المؤسسات المناسبة" ومن هنا الدعوة إلى ما يُسمى بالتخصيص، بل وإلى الإصلاح السياسي والدستوري.
على أن المؤسسية الحديثة لا تكتفي بإبراز أهمية المؤسسات، بل تؤكد أيضاً على أن هذه المؤسسات يمكن أن تخضع للدراسة والتحليل سواء في عملها أو في تطورها. وارتبط بهذه النظرة المؤسسية أن أصبح تقييم المؤسسات القائمة يتم في إطار مؤسسي وليس نظرياً مجرداً. فقد جرت العادة مثلاً عند تقييم عمل السوق مقارنة الآداء الفعلي للأسواق بالمقابلة مع النموذج النظري لأسواق المنافسة الكاملة كما تدرسه كتب المبادئ. وتصبح النتيجة الطبيعية لهذه المقارنة هي تقرير فشل واختلال الأسواق. أما المدرسة المؤسسية فإنها عند تقييم الأسواق القائمة، فإنها لا تجري المقارنة مع نموذج نظري، وإنما مع الترتيبات المؤسسية البديلة، سواء كان ذلك عن طريق قيام الحكومة بهذا الدور محل الأفراد أو غير ذلك من الترتيبات البديلة. ولذلك فإن نتائج هذا التحليل كثيراً ما تنتهي إلى إبراز فشل أو قصور التدخل الحكومي بدلاً من الاقتصار على تقرير فشل الأسواق. ويصبح الأمر الجدير بالاهتمام هو المقارنة بين أعباء وتكاليف كل منهما. وبعبارة أخرى أيهما أكثر خطورة: اختلالات وانحرافات السوق، أم اختلالات وانحرافات التدخل الحكومي. ,ايهما أيسر في العلاج؟
ومن التطورات التي أدخلتها المدرسة المؤسسية- الانتقال ببؤرة الاهتمام من مجال الأسعار والإنتاج إلى ميدان التصرفات، مما أدى إلى ظهور ما عرف باقتصاديات التصرفات (بالإنجليزية: Transactions economics)، وهو يتناول الظروف التي تتم فيها هذه التصرفات وما يرتبط بها من تكاليف وأعباء. وهذا ما يتطلب العناية بالظروف التي تحكم هذه التصرفات من أدوات مستخدمة (حوافز أو رقابة) ومعايير للأداء، ومعلومات متاحة والقوانين التي تحكمها وبخاصة النظام القانوني للعقود. وبالنسبة للنظام القانوني فلا يكفي الاهتمام بالقواعد القانونية القائمة، بل يجب النظر أيضاً إلى مدى تطبيقها واحترامها Law enforcing.
وتثير الأوضاع المؤسسية قضية المصداقية (بالإنجليزية: Credibility). فالتصرفات الاقتصادية تتوقف إلى حد كبير على الثقة في احترام التعهدات وفي المقدرة على الحصول على الحقوق. ويظهر ذلك بوجه خاص في قضايا الإستثمار. ومن هنا تظهر أهمية سلامة الإطار القانوني والدستوري، باعتباره أساساً للنجاح الافتصادي وحيث يتوقف على عدد من العناصر الأساسية، في مقدمتها؛ المسئولية (بالإنجليزية: accountability)، والاستقرار، والقدرة على التنبؤ والتوقع. وهي أمور تتحقق عادة في إطار النظم الديمقراطية الدستورية. وهكذا أعادت المؤسسية الحديثة مناقشة الإطار المؤسسي للنظام الاقتصادي. فالسوق لا يعمل في فراغ، وإنما في ظل عدد من المؤسسات المناسبة.