If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
كان أييتيس على يقين تام من أن كل ما حدث في ذلك اليوم لم يكن في استطاعة أحد القيام به دون مساعدة ابنتيه، ورأت هيرا ملكة الأرباب، الخطر المحاط بجاسون، فملأت قلب ميديا بالهواجس والشكوك، وفي الحال أحست أن أباها قد اكتشف الحقيقة، فاحترقت الدموع تحت جفون ميديا، وضاقت الدنيا في وجهها بما رحبت.. استردد ميديا سيطرتها على أعصابها،
وصممت على الهرب.. غمرت ميديا فراشها وأبواب مقصورتها بالقبلات، ثم لمست حوائط حجرتها لآخر مرة، وقصت خصلة من شعرها ووضعتها فوق فراشها، لكي يتذكرها أبوها وأمها، وفرت ميديا من بيتها العزيز.. لم يلاحظ الحراس ميديا وهي تتسلل في ظلام الليل وسرعان ما اجتازت حدود المدينة وبلغت معبدا قريبا من طريق غير معروف، وذهبت ميديا تسعى في طريقها ثم عرجت إلى الشاطئ حيث ساعدتها النار العظيمة التي أشعلها بحارة الأرجو، فلما بلغت الشاطئ وأصبحت في مواجهة السفينة، نادت فرونتيس ابن صغرى شقيقاتها، فإذا هو و جاسون يتعرفان على صوتها ويجيبان.. بدت الدهشة على وجوه الأبطال عندما سمعوا صوتها، ولكنهم سرعان ما جدفوا للقائها والترحيب بها، وقبل أن ترسو السفينة، قفز جاسون، وتبعه فرونتيس و أرجوس.
وما أن أبصرت الفتاة حبيبها وابني أختها يهرعون إليها، حتى ركعت أمامهم وأمسكت بركبهم وهي تصيح: "أنقذوني، أنقذوا أنفسكم! أنقذوني من أبي وانتقامه! لقد أفشى سر جميع ما فعلت من أجلكم، ولا سبيل إلى عمل شئ أو الصمود أمام غضبه، هيا بنا بهرب بالسفينة قبل أن يستطيع اعتلاء ظهر جواده السريع.. سأحصل لكم على الجرة الذهبية التي قدمتم من أجلها متحملين الأخطار والمتاعب، بأن أتلو تعويذة تجعل الأفعوان الضخم الذي يحرسها يغط في نوم عميق، وأنت أيها الحبيب، أقسم لي بآلهتك وفي حضرة أصدقائك، أنك لن تنال من كرامتي عندما أصير غريبة وحيدة في بلادك".
قالت هذا والدموع تنهمر من عينيها، ولكن جاسون ربت على ظهرها بلين ورفق، وحملها واحتضنها قائلا: "أي حبيبتي! ليشهد علي زيوس و هيرا حليفة الزواج، بأنني سوف آخذك إلى بيتي كزوجتي الشرعية بمجرد عودتنا إلى بلاد الإغريق، وسوف تكونين معززة مكرمة".
أمرت ميديا المجدفين الأبطال أن يسرعوا بالتجديف بشدة حتى يبلغوا الحقل المقدس ويأخذوا الجرة الذهبية، فانطلقت السفينة، فوصلت قبل طلوع الفجر، فتركها جاسون ومعه ميديا، فمشيا بسرعة إلى أن أبصرا شجرة البلوط التي علقت على قمتها الجرة الذهبية، تتلألأ وسط الليل، وكان يجلس قبالتها أفعوان هائل لا يغمض له جفن، حاد البصر.
مد الأفعوان عنقه الطويل صوب القادمين، ثم وثب من مكانه مندفعا نحو القادمين بسرعة كبيرة، بيد أن ذلك لم يخف الفتاة، فسارت إليه في خطوات سريعة وبجرأة نادرة، منشدة صلاة جميلة اللحن بصوتها العذب، لرب النوم حتى يسلط على ذلك الأفعوان نوما يشل حركته ويغمض عينيه، فتبعها جاسون يقتفي خطواتها، وقد بدأ الخوف يتطرق إلى نفسه، ولكن التنين كان يغالبه النعاس ، حتى كومه حيث هو، فاقد الحركة والوعي، وراح يغط في سبات عميق ملء جفونه.
وبأمر من ميديا، التقط جاسون الجرة الذهبية من فوق شجرة البلوط، ثم أسرعا راجعين أدراجهما وسط الحقل الكثيف يحملان الجرة الذهبية، ينبعث منها بريق ينعكس على شعر جاسون الأشقر.
حمل جاسون الكنز المتألق فوق كتفه اليسرى، ووصلا إلى السفينة وقد بدأ الصباح يتنفس، ألتف البحارة حول قائدهم وأبدوا إعجابهم بالجرة ، واجتاحت كلا منهم رغبة ملحة في أن يلمس الجرة بيديه، ولكن جاسون لم يسمح لهم بذلك وكان بخفيها تحت عباءته.
جلست ميديا عند دفة السفينة، ووقف جاسون يقول لزملائه: "والآن يا أصدقائي الأعزاء، هيا بنا نسرع بالرحيل إلى وطننا قبل أن يطاردنا الملك الظالم عندما يكتشف أننا حصلنا على ما كنا نهدف إليه بمساعدة ابنته التي لا يمكننا أن نمجد فضلها في إنجاز مهمتنا وإنقاذ بلاد الإغريق وأبطالها، كما أنه لا يمكنا أن نوفيها حقها من التقدير وعرفان الجميل، وفي مقابل ذلك سأتخذها زوجة شرعية لي واصحبها إلى بيتي لتكون سيدته".
قال جاسون هذا، ثم قطع بسيفه الحبال التي تربط السفينة بالشاطئ، وارتدى كامل عدته الحربية متسلحا بالرمح والسيف واحتل مكانه على ظهر السفينة بالقرب من ميديا، وما هي إلا برهة حتى ضربت المجاديف السريعة الأمواج، فانزلقت السفينة إلى مصب النهر.
لقد علم أييتيس هو وجميع الكولخيين بقصة غرام ميديا مع جاسون كاملة، كما علموا بما قامت به من مساعدة مكنته من الانتصار في اليوم السابق، ثم بما هو أمر وأدهى، بهروبها مع الغريب بعد سرقة الجرة الذهبية، فجن جنون الملك، واجتمع برؤساء قومه في السوق العامة وأمر بتسلح جميع الفرسان، وساروا جميعا بعد ذلك إلى شاطئ البحر، يتوسطهم أييتيس، وقد ركب إلى جانبه ابنه أبسورتوس، ممسكا بأعنة الخيول.
وما أن وصل القوم إلى مصب النهر، حتى كانت السفينة قد بلغت البحر الفسيح، فسقطت الشعلة والدرع من أصابع الملك، ثم أنذر رعاياه بأنهم إن لم يلحقوا بابنته في البحر ويحضروها إليه صاغرة لكي يشفي غليله بالانتقام منها، فإنه سوف يقطع رءوسهم أجمعين.
خاف الكولخيون تهديد ملكهم ووعيده، فجمعوا عددا كبيرا من السفن على وجه السرعة، وأقلعوا ليلحقوا بسفينة الأرجو، وكان أسطولهم هذا تحت قيادة أبسورتوس بن أييتيس.. أما سفينة الأرجو فقد واتتها الرياح فملأت أشرعتها ودفعتها بقوة حتى وصلوا إلى مصب نهر استير، الذي يصب مياهه العذبة في البحر الأيوني، رغم ذلك لم يكف الكولخيون عن المطاردة، ولما كانت سفنهم خفيفة تستطيع الإبحار بسرعة تزيد على سرعة الأرجو فقد وصلوا إلى مصب نهر استير قبل بحارة الأرجو، وتفرقوا بين الخلجان والجزر المختلفة ينتظرون قدوم الأبطال حتى يباغتوهم، ويسدوا عليهم طريق العبور إلى البحر.
أبصر بحارة الأرجو سفن الأعداء، وتولتهم الدهشة، فأرسوا الأرجو على شاطئ إحدى الجزر واحتلوها، فتبعهم الكولخيون، وبدا وكأن معركة توشك أن تنشب بين الفريقين، وبدأ الأغارقة في المفاوضة، وأخيرا اتفق الطرفان أن يحمل بحارة الأرجو الجرة الذهبية، أما عن ميديا ابنة الملك أييتيس فكان لابد من تركها على جزيرة أخرى في معبد الربة أرتميس، حتى يقرر أحد الملوك المجاورين المشهور بعدالته، هل عليها أن تعود إلى أبيها أو ترافق الأبطال إلى بلاد الإغريق.
عندئذ قدمت ميديا نصيحتها إلى جاسون بإتباع خطة، فقالت: "لقد حدث ذات يوم أنني تخليت عن واجباتي، وأقدمت على عمل شرير، كانت نتيجته أنني لا أستطيع العودة، إذن فلابد من الاستمرار في إجرامي مهما كلفني، ومن ثم فسألاطف أخي حتى يضع نفسه بين يديك.. أعد له
وليمة فاخرة، ولسوف أحاول إغراء الحراس بأن يتركوه وحده معي، وعندئذ تستطيع أن تقتله، فيصبح الكولخيون بدون قائد، فيمكن القضاء عليهم في سهولة ويسر".
هكذا وضع الحبيبان خطة الفتك بأبسورتوس، فأرسلا إليه الهدايا الكثيرة، وبعد أن أفلحت ميديا في خداع رسل السلام، ركب أبسورتوس سفينة، مخدوعا بوعود شقيقته، وتوجه إلى الجزيرة المقدسة، ولما التقى بميديا، حاول بمفرده أن يسبر غور مكنونات صدرها، وبينما كان الشقيقان منهمكين في الحديث، خرج جاسون من كمين أعد له من قبل، وهجم على أبسورتوس بسيفه، فأطاح رأسه عن جسده، وكانت ميديا قد خبأت عينيها بخمارها حتى لا ترى أخاها وهو يُقتَل.. فتلطخ رداء ميديا بدم أخيها، ولكن ربات الانتقام اللواتي لا تخفي عليهن خافية، كن لها بالمرصاد، فتطلعن من مسكنهن السري، بعيون ملؤها الغضب، وشاهد ما جرى من عمل فظيع في ذلك المكان المنعزل.. نظف جاسون نفسه من دماء أبسورتوس، ودفن الجثة وغطاها بالتراب، ثم أعطت ميديا إشارة بواسطة الشعلة إلى بحارة الأرجو تبعا لخطة موضوعة، فجاء هؤلاء بسفينتهم إلى جوار المركب الذي حضر فيه أبسورتوس إلى تلك الجزيرة، فانقضوا على أعوانه، فأبادوهم على بكرة أبيهم، ولم ينج منهم رجل واحد، وعندما أقبل جاسون لمساعدة رفاقه لم تكن هناك حاجة إليه، فقد انتهت المعركة وبان مصيرها.
استمر بحارة الأرجو في طريقهم مارين بسواحل عدة وجزر كثيرة، لاقوا فيها من المتاعب والأهوال والمخاطر، ما كانوا لينجوا منها لولا مساعدة الربة هيرا وعنايتها لهم، فأبحروا آمنين إلى أن بلغوا ساحل كارباثوس بالصخري، ومن هناك قرروا الذهاب إلى جزيرة كريت الجميلة.. وما كادوا يتركون جزيرة كريت، حتى قابلتهم مغامرة جديدة خطرة، فقد وجدوا أنفسهم وسط ظلام دامس يخيم على الكون، لا أثر فيه للقمر، ولا يتلألأ فيه نجم واحد فيبعث ولو ضوءا خافيا ينير الطريق أمامهم، بل كان الفضاء حالكا كما لو كانت جميع ظلمة الدنيا تركزت في ذلك المكان.
لم يعرف الأبطال: هل كانوا يسيرون على صفحة الماء في البحر، أو جرفتهم تيارات تارتاروس في خضمها المتلاطم، فرفع جاسون يديه وتوسل إلى أبوللو أن يخلصهم من ذلك الظلام المقيت، وكانت دموع الفزع تنزل على خديه، وقدم نذره إلى الرب ذبائح لا تقدر بثمن، فاستجاب رب الشمس لدعائه، وهبط من الأوليمبوس، فأمسك بقوسه الذهبية وصوب سهامه فوق المنطقة، فأضاءت السماء، واستطاع البحارة بمساعدة ذلك الضوء المفاجئ، أن يروا جزيرة صغيرة، فجدفوا صوبها حيث ألقوا مراسيهم وانتظروا هناك حتى مطلع الفجر..
كانت هذه هي آخر مغامرة للأبطال الأغارقة بحارة الأرجو، وسرعان ما وصلوا إلى جزيرة أيجينا، ومنا هناك جدفوا صوب وطنهم، وساروا بسفينتهم داخل ميناء أيولكوس، وفي مضيق كورنثة، كرس جاسون السفينة لبوسايدون، فلما تحولت إلى رماد، وضعتها الآلهة في السماء فراحت تتلألأ في القبة الجنوبية كأنها نجم متألق.