If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
انقسم الشرق الأوسط في القرن الخامس إلى دول صغيرة وضعيفة. وكانت أقوى تلك الدول الإمبراطورية الساسانية الفارسية وهي الآن إيران والعراق، والإمبراطورية البيزنطية في الأناضول (تركيا الحديثة). خاض البيزنطيون والساسانيون ضد بعضهم البعض حروبا انعكاساً لما جرى بالسابق بين الإمبراطورية الرومانية والفارسية خلال القرون الخمس الماضية. كما انعكس التنافس البيزنطي-الساساني من خلال ثقافاتهم ودياناتهم. فاعتبر البيزنطيون أنفسهم حماة الهلنسية والمسيحية. وفي ذات الوقت اعتبر الساسانيون أنفسهم حماة التقاليد الإيرانية والسامية القديمة والديانة الفارسية التقليدية الزرادشتية.
لعبت الجزيرة العربية دوراً في صراع القوى بين البيزنطيين والساسانيين. وبينما تحالفت بيزنطة مع مملكة أكسوم في القرن الأفريقي، ساعدت الإمبراطورية الساسانية مملكة حمير في اليمن. وهكذا فإن الصدام بين مملكتي أكسوم وحمير سنة 525 كشف عن الصراع على النفوذ بين بيزنطة وبلاد فارس من أجل السيطرة على تجارة البحر الأحمر. فسرعان ماشاعت الحروب الإقليمية، حيث كان البيزنطيون والساسانيون يتقاتلون على أعالي بلاد مابين النهرين وأرمينيا والمدن الرئيسية التي تسهل التجارة بين الجزيرة العربية والهند والصين. فاستمرت بيزنطة مسيطرة على أراضي الإمبراطورية الرومانية الشرقية في الشرق الأوسط. وأضيفت إليها الأناضول وسوريا ولبنان وفلسطين ومصر بدءا من 527. ولكن الساسانيون غزوا دمشق ومصر في سنة 603. وتمكن الإمبراطور هرقل من صد تلك الغزوات، وفي عام 628 استبدل الملك الساساني الكبير بإبنه قباد الثاني وهو أكثر سلاسة. لكن القتال أضعف الدولتين، تاركا المسرح مفتوحا لقوة جديدة.
هيمنت القبائل البدو على الصحراء العربية، حيث كانوا يعبدون الأصنام وبقوا في عشائر صغيرة مرتبطة ببعضها البعض عن طريق المصاهرة. وكان التوسع الحضري والزراعة محدودة في شبه الجزيرة العربية باستثناء بعض المناطق القريبة من الساحل. كانت مدينتي مكة والمدينة (التي كانت تسمى آنذاك يثرب) محطتين هامتين للتجارة بين إفريقيا وأوراسيا. كانت التجارة محورية في حياة أهل المدينة، حيث كان معظم السكان تجارًا. ومع ذلك فقد رأى بعض العرب أنه من المناسب الهجرة إلى المناطق الشمالية من الهلال الخصيب وهي منطقة خضعت لفارس وسميت لموقعها بين نهري دجلة والفرات ومنحتهم أرضًا خصبة. وشمل ذلك قبائل بأكملها مثل اللخميين في منطقة ضعيفة السيطرة في الإمبراطورية الساسانية، والغسانيين في منطقة مماثلة داخل الأراضي البيزنطية؛ قدمت هذه الوحدات السياسية ذات الأصل العربي استقراراً مفاجئاً ونادراً في المنطقة ومنحت سكان الجزيرة العربية اتصالات إضافية بالعالم الخارجي. وكانت عاصمة المناذرة الحيرة إحدى مراكز المسيحية وكان الحرفيون اليهود والتجار والمزارعون شائعين في غرب الجزيرة العربية كما كان الرهبان المسيحيون في وسطها. وهكذا لم تكن تلك المنطقة في حقبة ماقبل الإسلام غريبة على الأديان الإبراهيمية أو التوحيد.
في حين أن الإمبراطوريتين البيزنطية الرومانية والساسانية الفارسية قد أنهكتهما الحرب (602-628) برزت قوة العرب بدينهم الإسلامي الجديد في الشرق الأوسط. فجرت سلسلة من الفتوحات الإسلامية السريعة، اجتاحت فيها الجيوش العربية بقيادة قادة العسكريين مهرة مثل خالد بن الوليد معظم أنحاء الشرق الأوسط، فاستولت على أكثر من نصف الأراضي البيزنطية وغطت الأراضي الفارسية بالكامل. وفي الأناضول لم يتمكنوا من فتح القسطنطينية (717-18) بعد حصارها بعد مساعدة البلغار للبيزنطيين.
إلا أن الأقاليم البيزنطية مثل سوريا الرومانية وشمال إفريقيا وصقلية لم تستطع مقاومة تلك الحروب، فاجتاح الفاتحون المسلمون تلك المناطق. وفي أقصى الغرب عبروا المضيق عن طريق القوط الغربيين لهسبانيا قبل توقفهم في جنوب فرنسا في معركة بلاط الشهداء أمام الفرنجة. كانت الخلافة الأموية في أقصى امتدادها هي الإمبراطورية الأولى التي سيطرت على كامل الشرق الأوسط، وكذلك ثلاثة أرباع منطقة البحر الأبيض المتوسط، وهي الإمبراطورية الوحيدة إلى جانب الإمبراطورية الرومانية التي سيطرت على معظم البحر الأبيض المتوسط. فالخلافة العربية في العصور الوسطى هي التي وحّدت الشرق الأوسط برمته وجعلته منطقة متميزة وصنعت له هوية عرقية مهيمنة لاتزال قائمة إلى اليوم. ثم أتى السلاجقة بعدها فهيمنوا على المنطقة.
أصبح جزء كبير من شمال أفريقيا مناطق هامشية بالنسبة إلى المراكز الإسلامية الرئيسية في الشرق الأوسط. ولكن سرعان مانفصلت إيبيريا (الأندلس) والمغرب عن هذه السيطرة البعيدة وأسست واحدة من أكثر المجتمعات تقدمًا في العالم في ذلك الوقت في شرق البحر الأبيض المتوسط إلى جانب بغداد. وكانت إمارة صقلية واحدة من المراكز الرئيسية للثقافة الإسلامية في البحر الأبيض المتوسط في سنوات 831-1071. وبعد غزو النورمان لها طورت الجزيرة ثقافتها المتميزة مع انصهار التأثيرات العربية والغربية والبيزنطية. وأضحت باليرمو مركزًا فنيًا وتجاريًا رائدًا في البحر الأبيض المتوسط في العصور الوسطى.
حين بدأت إفريقيا تنتعش حيث بدأت الدول الأكثر تنظيماً ومركزية تتشكل في العصور الوسطى التالية بعد عصر النهضة في القرن الثاني عشر. إلا أنه وبدافع الدين والغزو أطلق ملوك أوروبا عددا من الحملات الصليبية في محاولة لإضعاف القوة الإسلامية واستعادة الأراضي المقدسة. ومع أن الحروب الصليبية لم تكن ناجحة ولكنها كانت شديدة التأثير في إضعاف الإمبراطورية البيزنطية المهتزة أصلاً. كما أعادوا ترتيب توازن القوى في العالم الإسلامي مع عودة مصر مرة أخرى قوة كبرى.
لعب الإسلام دوراً سيادياً في ثقافة الشرق الأوسط وكان له تأثير على التعليم والعمارة وانحسار وبروز الثقافات. فعندما جاء الرسول محمد بالإسلام، نهضت ثقافة الشرق الأوسط وألهمت الإنجازات في العمارة وإحياء العلوم والتقنيات القديمة المتقدمة، وبدا تشكيل نمط حياة متميز. واعتمد الإسلام في المقام الأول على أركانه الخمس. وقد بنيت المساجد بهندسة رائعة مما انشئت شكلا متميزا من الهندسة المعمارية. ومن أشهر المساجد ذات بناء هندسي جميل المسجد الأقصى ومسجد قرطبة السابق. لقد وحد الإسلام الشرق الأوسط وساعد الإمبراطوريات على الإستقرار السياسي. ونشر الدعاة والمجاهدين الدين من الجزيرة العربية إلى شمال السودان وأفريقيا السوداء وجنوب وجنوب شرق آسيا. وهذا خلق مزيج من الثقافات لا سيما في أفريقيا، من السكان الموالي. على الرغم من أن الموالي قد تعرضوا للتمييز من الأمويين، إلا إنهم حصلوا على قبول واسع من العباسيين وكان ذلك بسبب تحول أعداد غفيرة من الشعوب الأجنبية نحو الإسلام. وعومل "أهل الكتاب" أو اهل الذمة بمعاملة جيدة؛ هؤلاء الأشخاص إما مسيحيين أو يهود أو هندوس أو زرادشتيين. ومع ذلك فقد أتت الحروب الصليبية بفكر جديد في الإمبراطوريات الإسلامية، بأن اعتقدوا أن الأفكار غير الإسلامية هي افكار غير أخلاقية أو دونية.
انطلقت الثقافة العربية في العصر العباسي الأول بالرغم من مشاكلها السياسية السائدة. فأنقذ المسلمون العلوم الإغريقية ونشروها في الطب والجبر والهندسة وعلم الفلك وعلم التشريح وعلم الأخلاق والتي عادت مرة أخرى إلى أوروبا الغربية. فحفظت أعمال أرسطو وجالينوس وأبقراط وبطليموس وإقليدس وانتشرت في جميع أنحاء العالم الإسلامي (ومن ثم إلى أوروبا). اكتشف علماء المسلمين أيضا نظام العد الهندي العربي في فتوحاتهم لجنوب آسيا. وسمح استخدام هذا النظام في المؤسسات التجارية والمالية الإسلامية بتعزيزه في جميع أنحاء العالم في نهاية الأمر ؛ وكان نظام الأرقام هذا حاسماً في الثورة العلمية لأوروبا. وأصبح المفكرون المسلمون خبراء في الكيمياء والبصريات وفن رسم الخرائط أثناء الخلافة العباسية. وتفوقت العمارة العباسية على العمارة الأموية، فالمساجد أكبر وأكثر فخامة. وتطور الأدب الفارسي معتمدا على القيم الأخلاقية، وأُدرج علم الفلك في الفن. ووجد الكثير من تلك العلوم طريقها إلى الغرب. كان هذا صحيحًا خصوصا خلال الحملات الصليبية، حيث أخذ الصليبيون معهم الكنوز الإسلامية والأسلحة وطرق العلاج الطبي.
انتهت هيمنة العرب بشكل مفاجئ في منتصف القرن 11 مع وصول السلاجقة الأتراك الذين اتوا من جنوب بلاد الترك في آسيا الوسطى. فاحتلوا فارس والعراق (استولوا على بغداد سنة 1055) وسوريا وفلسطين والحجاز. ولكن بقيت مصر في يد الخلافة الفاطمية حتى سنة 1169 عندما سقطت في يد الأيوبيون.
على الرغم من خسائر الإمبراطورية المسيحية البيزنطية الإقليمية الضخمة في القرن السابع، إلا أنها استمرت في كونها قوة عسكرية واقتصادية قوية في البحر الأبيض المتوسط، فمنعت التوسع العربي في معظم أوروبا. ولكن هزيمتها أمام السلاجقة في معركة ملاذكرد في القرن 11 الذين استقروا في الأناضول كانت علامة فاصلة للسلطة البيزنطية. فقد حكم السلاجقة معظم منطقة الشرق الأوسط على مدى المائتي سنة التالية، لكن إمبراطوريتهم سرعان ما انفصلت إلى عدد من السلطنات الأصغر.
انتعشت أوروبا الغربية المسيحية انتعاشًا اقتصاديًا وسكانيًا ملحوظًا في القرن الحادي عشر بعد أن كانت في الحضيض في القرن السابع. فسمح تشظي الشرق الأوسط للقوات المشتركة المكونة أساسا من إنجلترا وفرنسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة حديثة النشأة بالدخول إلى المنطقة. ففي سنة 1095 استجاب البابا أوربان الثاني لمناشدات الإمبراطورية البيزنطية المتداعية واستدعى الطبقة الأرستقراطية الأوروبية لاستعادة الأرض المقدسة لأجل المسيحية. فاستولت جيوش الحملة الصليبية الأولى على القدس سنة 1099 وأسسوا مملكة القدس التي استمرت حتى سنة 1187 عندما استعاد صلاح الدين المدينة. وتمكنت ممالك صليبية أصغر من البقاء حتى القضاء على آخرها سنة 1291.
انتهت الخلافة العباسية بعد اجتياح المغول لبغداد وقتلهم الخليفة سنة 1258، وضمهم أراضيها إلى الإمبراطورية المغولية باستثناء مصر المملوكية وأغلبية جزيرة العرب. وعندما توفي مونكو خان خاقان (الخان العظيم) الإمبراطورية المغولية سنة 1259 توقفت غزوات هولاكو التوسعية، حيث اضطر إلى العودة إلى العاصمة المغولية قراقورم لانتخاب خاقان جديد. فنتجت عن غيابه هزيمة قاسية للمغول أمام مماليك مصر في معركة عين جالوت سنة 1260. ثم بدأت المشاكل بالظهور عندما أصبح المغول غير قادرين على التوصل إلى اتفاق حول من الذي ينتخب الخاقان الجديد. بالإضافة إلى ذلك حدث تصادم مجتمعي بين التقليديين الذين كانوا يرغبون في الاحتفاظ بثقافتهم البدوية وأولئك الذي توجهوا نحو الاستقرار الزراعي. كل هذا أدى إلى انقسام الإمبراطورية سنة 1260. واستحوذ هولاكو على منطقة الشرق الأوسط وجعلها إلخانية مستقلة، والتي شملت معظم أرمينيا والأناضول وأذربيجان والعراق وإيران.
ثم بدأ المغول بالتضعضع بدءا من سنة 1335 فحلت الفوضى بجميع أنحاء الإمبراطورية مما نتج عنه سقوط الأتراك السلاجقة. وفي 1401 عانت المنطقة من الغزوات التركية-المغولية، ثم تيمورلنك وغاراته الشرسة. بحلول ذلك الوقت نشأت مجموعة تركية أخرى واسمهم العثمانيين. مقرهم في الأناضول، بحلول سنة 1566 غزا العثمانيون منطقة عراق العجم والبلقان واليونان وبيزنطة ومعظم مصر ومعظم شمال أفريقيا وأجزاء من الجزيرة العربية فوحدتهم تحت اسم الدولة العثمانية. كان حكم السلاطين العثمانيين بمثابة نهاية عصر القرون الوسطى (ما بعد الكلاسيكي) في الشرق الأوسط.