العربية  

books marching towards alexandria

If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.

View more

الزحف نحو الإسكندريَّة (Info)


كان لِسُقوط حصن بابليون، ذلك الموقع العسكري الحصين الذي حُشدت فيه أعظم طاقات البيزنطيين العسكريَّة في مصر، التأثير الجذري على مسار المعركة، فلم يعد هُناك مجالٌ للشك، بأنَّ المُبادرة قد أصبحت في أيدي المُسلمين، وأنَّ أبواب السيطرة قد فُتحت أمامهم على هذه البلاد الواسعة. ويُعدُّ هذا السُقوط بِمثابة انهيار خط الدفاع الأوَّل عن مصر، حيثُ أنَّ الطريق بات مفتوحًا إلى الإسكندريَّة. بعد الانتهاء من فتح حصن بابليون، طلب عمرو من الخليفة أن يأذن لهُ بالزحف نحو الإسكندريَّة لِفتحها وضمِّها إلى الأراضي الإسلاميَّة، وهي خُطوةٌ لا بُدَّ منها لاستكمال فتح مصر، ثُمَّ أخذ يُنظِّمُ إدارة البلاد المفتوحة. والحقيقة أنَّ الخليفة لم يتأخَّر في منح الإذن لِقائده بالسير إلى الإسكندريَّة، وبِخاصَّةً أنَّهُ علم أنَّ النيل سيعود بعد ثلاثة أشهر إلى مدِّه وفيضانه وأنَّهُ من الأفضل أن يسير جيش مصر إلى الإسكندريَّة قبل ذلك. وما لبث عمرو حين تسلَّم الإذن أن زحف نحو الإسكندريَّة، وترك حاميةً عسكريَّةً في حصن بابليون بِقيادة خارجة بن حُذافة السهميّ. كانت الإسكندريَّة في ذلك الوقت قصبة الديار المصريَّة، وثاني حواضر الإمبراطوريَّة بعد القُسطنطينيَّة، وأوَّلُ مدينةٍ تجاريَّةٍ في العالم، وقد أدرك البيزنطيّون أنَّ سُقوطها في أيدي المُسلمين من شأنه أن يُؤدّي إلى زوال سُلطانهم من مصر، وقد عبَّر الإمبراطور البيزنطي عن ذلك بِقوله: «لَئِن ظَفَرَ العَرَبُ بِالإِسْكَندَرِيَّةِ فَقَد هَلَكَ الرُّومُ وَانقَطَعَ مُلكَهُم. فَلَيْسَ لِلرُّومِ كَنَائِسَ أَعْظَمُ مِن كَنَائِسَ الإِسْكَندَرِيَّة»، فأسرعوا بِإرسال المُقوقس على رأس قُوَّةٍ عسكريَّةٍ كما سلف. وصل المُقوقس إلى الإسكندريَّة في شهر شوَّال سنة 20هـ، المُوافق فيه شهر أيلول (سپتمبر) سنة 641م، وفي نيَّته الدُخول في صُلحٍ مع المُسلمين بِسبب عجزه عن مُواجهتهم، وبِخاصَّةً أنَّهُ بدت في الأُفق السياسي ملامح انهيار الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة، لكن يبدو أنَّ أركان حربه رفضوا هذا وأصرَّوا على المُقاومة.

غادر عمرو بن العاص حصن بابليون في شهر جمادى الأولى 20هـ المُوافق فيه شهر أيَّار (مايو) 641م، وقد آثر السير على الضفَّة اليُسرى للنيل حيثُ محافظة البحيرة المُعاصرة، حتَّى لا تُشكِّلُ الترع الكثيرة المُنتشرة في جنوبي الدلتا عائقًا يُؤخِّر زحفه، وخِلال زحفه لقي كثيرًا من المُساعدات والمُعاونات التي قدَّمها المصريّون، فقد أصلحوا الطُرق، وأقاموا الجُسور والأسواق، كما اصطحب معهُ عددًا من زُعمائهم لِيكونوا أداة اتصالٍ بينهُ وبين من يلقاهم في طريقه. ولم يلق عمرو أيَّة مُقاومة على طُول الطريق من حصن بابليون إلى الإسكندريَّة حتَّى بلغ قرية ترنوط حيثُ التقى بالروم ودار القتال بين الفريقين، وتحقق النصر للمُسلمين. وتابع المُسلمون تقدُّمهم حتَّى وصلوا إلى نيقوس الواقعة على بُعد عدَّة فراسخ من منوف، فأسرع سُكَّانها إلى التسليم والإذعان، لكنَّ حامية الحصن أصرَّت على المُقاومة، وهذا يعني أنَّهُ لم يكن هُناك تنسيق بين السُّكَّان الوطنيين والحاميات البيزنطيَّة، ولعلَّ مرد ذلك يعود إلى فُقدان الثقة بين الجانبين بسبب العداء المُستحكم بينهُما. فاصطدم عمرو بِأفراد الحامية وانتصر عليهم، ودخل نيقوس، وفرَّت فُلول المُنهزمين إلى الإسكندريَّة.

تابع المُسلمون تقدُّمهم، واصطدموا بِقُوَّةٍ عسكريَّةٍ بيزنطيَّةٍ أُخرى عند قرية سلطيس وتغلَّبوا عليها. وكان حصن كريون آخر سلسلة الحُصون قبل الإسكندريَّة، وقد اعتصم به ثُيودور قائد الجيش البيزنطي مع حاميةٍ قويَّةٍ، كما تدفَّقت عليه الإمدادات من المناطق المُجاورة. واشتبك الطرفان في عدَّة معارك على مدى بضعة عشر يومًا، كان بعضُها شديدًا حتَّى أنَّ عمرو صلَّى يومًا صلاة الخوف. وتمكَّن المُسلمون أخيرًا من اقتحام الحصن، وتغلَّبوا على الحامية العسكريَّة، فقتلوا بعض أفرادها وفرَّ البعضُ الآخر إلى الإسكندريَّة للاحتماء بها، وكان ثُيودور من بين هؤلاء. وطاردهم المُسلمون حتَّى بلغوا الإسكندريَّة في مُنتصف رجب 20هـ المُوافق فيه أواخر حُزيران (يونيو) 641م.

Source: wikipedia.org