العربية  

books literary symbolism

If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.

View more

رمزيته الادبية (Info)


تقدم رواية مدن الملح لعبد الرحمن منيف نموذجاً غير مسبوق لتحول المجتمع العربي من عصر الانغلاق إلى عصر الانفتاح على الآخر، وقد وضع منيف مدينتي "وادي العيون" و"حران" كنموذجين مصغّرين رصد من خلالهما ديناميكية هذا التحوّل التاريخي الذي استتبع في فلكه تحولات الشخصية العربية كلازمة مهمة لتحولات المكان، لقد قاسى المجتمع العربي معاناة وشظف هذا التحوّل القسري إلى مستقبل مجهول والانصراف عن مرابع الصبا وذكريات الطفولة وموطن الأجداد .

تلعب شخصية متعب الهذال : (شخصية مستوحاة من شخصية متعب الهذال شيخ مشايخ قبيلة عنزة مطلع القرن العشرين ورمزيته بالذات إنه شيخ مشايخ عنزة والتي ينتمي لها أمراء آل سعود وآل صباح وآل خليفة) ى في الرواية دور المتوجّس من الآخر والمرتاب من كل جديد، فيسرد الروائي كيفية وقوفه في وجه الأميركيين الذين جاؤوا بمعداتهم وآلاتهم للتنقيب عن النفط، بتنسيق مع السلطات الرسمية آنذاك. وقد بدا "متعب الهذال" غاضباً ومتوعداً وشاتماً الأميركيين في أول الأمر، قبل أن يتحوّل حنقه إلى قلق ويأس وصمت إثر تخاذل رجال القرية تجاه هذا القادم الغامض، فيغادر في ظل صمت رهيب وحزن تاركاً خلفه الأهل والأرض دون أن يكون لرحيله وجهة محددة. دون أسباب واضحة تستدعي شخصية "متعب الهذال" من التاريخ العربي شخصية "زرقاء اليمامة" التي تحذّر بدورها قومها من خطر قادم في المستقبل. وتكاد تتطابق هاتان الشخصيتان في مصير كل منهما. فها هي زرقاء اليمامة تلقى مصيرها باقتلاع عينيها إثر رفض قومها الإصغاء إلى حديثها، وها هو "متعب الهذال" يقرر، إثر رفض قومه الإصغاء إلى تنبؤاته، الاختفاء بطريقة غامضة.

  • وادي العيون ومتعب الهذال/الرّجل الأسطورة وأصالة الانتماء:

بديهيا أنه لا يمكن تصوّر فكرة ما أو اتجاه محدّد دون أن نستحضر الصوت أو الشخصية التي تحمل هذا أو تلك، لأن الفكرة لمن يحملها والاتجاه انعكاس لما يقتنع به، من هنا فإن المكان/الفضاء الحكائي يعبّر عن مجموع الإيديولوجيات التي يعتقدها من يسكن هذا المكان. هكذا ارتبط اسم "متعب الهذال" "بوادي العيون" وهو شخصية تمثّل ذاكرة ماضي الوادي وحاضره. لقد كان كالجبل الصاعد أمام الأحداث والعواصف التي مرّت بها المنطقة، فشخصيته عمّرت طويلا، قدرها الناس وقدّسوها، لأنها كانت الحصن المنيع الذي يحتمي به الأهالي، بالرغم من بساطته وعقليته البدائية الأصلية، شديد الاعتقاد بمخلفات الماضي البعيد والقريب، رفض بكلّ جرأة وقوّة الحاضر الجديد الذي لم يشارك في صنعه، لذلك يقرّر الرحيل عندما شرع الغرباء في قطع أوّل شجرة حين سألوا عن "متعب الهذال" فقد وجدوا من قال: « إنّه رجل، بدت الكلمة غريبة، غير مألوفة بل ومعادية أيضا، "متعب الهذال" يرحل؟ كيف يرحل ويترك الوادي،... وإلى أين يمكن أن يرحل؟ قال أحد الرّجال: "متعب" لا يترك الوادي، "متعب" يموت ولا يرحل. رحل منذ زمن طويل حين قطعوا أوّل شجرة...."متعب لا يرحل،...أراهن».

وحلّ "الهذال" موضوعيا ولكن لم يغادر للحظة عقول الأهالي وقلوبهم، لأنّه الحامل الحقيقي لقيمهم وأصالتهم التي بدأت تضيع منهم شيئا فشيئا منذ اقتلاع أوّل شجرة. إذ عنى لهم هذا، تجريد الوادي من كل ما يربطه بالماضي البعيد والقريب، فهي الصدمة التي مسّت وجودهم الاجتماعي والتاريخي في العمق. رحل "متعب الهذال" بدافع التعالي والحرية على مادية الحياة المبتذلة من أجل المحافظة على قيمه الأصلية ونقائها فقد غرس فيه الوادي صفة الكبرياء، وجرأة الرفض، وعمق الانتماء وعشقه للحرية بعد خروج الشياطين، ففي لمح البصر توجهوا إلى الآلات بتلك العصبية وذلك الاندفاع... نهض على مهله، تنشق هواء الوادي برئتيه وجسده كله، نظر إلى كل ما حوله، وكأنه يودّع الأماكن والأشياء، وما كادت تلك الآلات المجنونة تبدأ الحركة حتى صرخ صرخة حادة موجعة...حسافا... حسافا... يا وادي العيون. ظل رحيل "الهذال" مؤقتا، يظهر ويختفي في أشكال مختلفة، هدفه تفقّد حالة الوادي بوصفه جزءا منه، أو هو نفسه بخصوبته أو عمقه، بماضيه المتأصل وحاضره المتناقض والمخيف، كان طيفه يملأ الفلاة كلها. إن الأثر العميق الذي تركه "وادي العيون" في نفسية "الهذال" وعقله، جعلت صورته قائمة في أذهان الأهالي وذواتهم، تفزع الأمريكان وأتباعهم من حين إلى آخر، لأن طيفه يسيطر على الوادي كلّه، فاتسعت أسطورة وجوده وقداسته، من خلال انتشار الخوارق والخرافات وكلها مرتبطة بشخص "الهذال" وظلّه. فقد فرضت طبيعة المكان الصحراوية على الناس أن يعتقدوا بمثل هذه الخرافات والأوهام وتتسع دائرة تأويل الفرد...لتتحوّل بعد ذلك إلى قاعدة عامة تشكل جزءا من مخيّلة الإنسان البدوي إلى درجة أن أهالي "وادي العيون" أسطروا شخصية "الهذال" عندما راح يواجه الوضع الجديد بمفرده كبطل الملاحم القديمة، وسيلته الاختفاء والظهور، الإقبال والتراجع، يتألّم لحالة الوادي، يمعن النظر ولا يقول شيئا لكز ناقته فاهتزت اهتزازا قويا وهي تنهض، وبدا "متعب الهذال"، وهو يرتفع مثل خيمة كبيرة، ثم بدا غيمة، أما حين بدأ حركته السريعة فقد أصبح مثل "طير أبيض" يبتعد حتى تلاشى...واختفى.

Source: wikipedia.org
 
(5)
Avatar

Avatar