If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
منذ بدايات القرن العشرين، حين أنهى كينز دراساته في إيتون ودخل كامبريدج، عاشت إنجلترا نقاشًا حاميًا بين أنصار التجارة الحرة وأنصار الكومونولث القائم على التفضيلات الاستعمارية، والذي كان من ضمنهم جوزيف تشامبرلين وزير شؤون المستعمرات البريطانية، أما أنصار الرأي الأول، فقد كان من ضمنهم اقتصاديي إنجلترا الكبار، كفردنسيس إيدجورث، ألفرد مارشال، وآرثر بيجو، والذين عبروا عن رؤيتهم في جريدة ذي تايمز. وبالإضافة للحجج الاقتصادية، فقد رأى مارشال أن خلق علاقة توافقية بين الدول الأنغلو-ساكسونية أكثر أهمية من خلق إمبراطورية.
وقد كان كينز في صف التجارة الحرة، حتى أنه من بعد إدموند بيرك واقتصاديي القرن الثامن عشر الكلاسيكيين (جون ستيورات ميل، هنري فاوست، تشارلز غيد، هنري سيدجويك، مارشال)، اعتبر أن التجارة الحرة أفضل للسلام، وقد أيد الفكرة القائلة بأنه إذا سعت إنجلترا لخلق إمبراطورية معزولة ومكتفية ذاتيًا، فإن هذا سيؤدي لمعارك بين الإمبراطوريات مما سيهدد السلام العالمي. وفي عام 1909، في مقالة منشورة في The Economist، أصر كينز على أنه فقط بفضل التجارة الحرة أصبحت لندن مركز المال الرئيسي على مستوى العالم، ومضى في نقد مشروع تشامبرلين وتوضيح مخاطره.
رغم ذلك، فلم تكن فكرة الإمبراطورية غائبة عن ذهن كينز. ففي رسالة كتبها أثناء مساره التعليمي، ميز بين حب الوطن، والذي اعتبره تقدير إيجابي لبلاده، والقومية، والتي نظر إليها على أنها معاداة للجنسيات الأخرى، حيث تضمنت شعورًا بأن «رفاهية شخص ما غيرنا يتسبب بضررنا». كما أن مفهوم الإمبراطورية لديه لم يكن بمفهوم الجينغوية، ولكن باتحاد الدول الحرة التي تمارس «استبدادًا مستنيرًا» على غيرها.
نوفمبر 1918، شارك كينز في نقاشات حول التنظيم الاقتصادي للحلفاء، والتي كانت تحت رعاية الـ Political Intelligence Department (دائرة المخابرات السياسية) التابعة لوزارة الشؤون الخارجية، والتي شارك فيها أيضًا المُنَظِّر بالعلاقات الدولية ألفرد زيمرن. كما صار كينز عضوًا في المجلس الأعلى للاقتصاد منذ فبراير 1919، من بعد تلك النقاشات، وقد أحب أن يُحافظ على وجود تلك المؤسسة نت بعد معاهدة فرساي، ولكن وُكل دورها فيما بعد لعصبة الأمم، والتي انتقدها كينز في كتابه، التوابع الاقتصادية للسلام، عام 1919، حيث أصر على حقيقة فقدانها لمنظمة اقتصادية للسلام.
وفي بدايات العشرينيات، أكد كينز على العلاقة بين التجارة الدولية والسلام، فقد رأى أن التجارة تسمح بالرفاه، والتي يولد عنها الاعتدال والنظام، وذلك لأن هؤلاء المؤمنين بأن مصلحتهم يعتمد على التجارة يبحثون عن التناغم الدولي بدلًا من الصراع. يرى دونالد ماركويل أن كينز يُعد قريبًا مما سماه هدلي بُل: مثاليي ما بين الحربين، مثل ألفرد زيمرن، ديفيد متراني، وجيمس شوتويل، فقد كان يشاركهم الرأي في سوء تصميم معاهدة فرساي، وأهمية العمل على إقناع الرأي العام بفوائد السلام، وإنشاء إطار قانوني دولي، وقد كان لكينز مخاوفه من ذلك الإطار، فرغم اقتناعه بأهمية اتباع القانون، خشي أن يتحول الأمر لتقنين مفرط ومقيد، أما على المستوى الاقتصادي، وهو إطار أهمله بقية المثاليين، فقد أصر على أهمية الترتيبات الاقتصادية بهدف استكمال السلام. ولهذا، يرى ماركويل أن كينز ليبرالي مؤمن بدولة المؤسسات، ويقف في الوسط فيما بين اقتصاد عدم التدخل والاشتراكية.
وقد لُمس اقتناعه بالمؤسسية على مستويات عديدة. فعلى المستوى المالي، قويت حرب 1914 فكرة عبر عنها مسبقًا في Indian Currency (العملة الهندية)، وهي ضرورة استبدال معيار الذهب بنظام أكثر عقلانية واستقرارًا. وفي سلسلة من المقالات المنشورة في جريدة Manchester Guardian Commercial، عام 1922، والتي تناولت إعادة بناء أوروبا، بين تفضيله الشديد للتجارة الحرة، وقد تطور ذلك الموقف منذ 1924.
وفي يناير 1928، قال: «يجب ألا تكون التجارة الحرة المستقبلية مؤسَسَة على الإيجابيات المجردة لاقتصاد عدم التدخل والتي يتقبلها القليل في أيامنا الحالية، ولكن على الفرص والمزايا الملموسة لمثل تلك السياسة»، وعلى الجانب الأخر، ذكر أنه «خائف للغاية من الحمائية كسياسة طويلة المدى». يرى ماركويل أن كينز أصبح مؤيدًا للتجارة الحرة المؤهلة (qualified free trade)، والتي عُرضت سريعًا في الفصلين الـ 23 و24 من النظرية العامة. وقد أصر كينز على أنه كي تصبح التجارة الدولية مؤيدة للسلام، فيلزم وجود نظام نقدي دولي يسمح بسياسات العمالة الكاملة.
ولكن في يونيو 1933، عبر كينز في مقالة «الكفاية الوطنية الذاتية» عن رغبته في الحمائية. ففي تلك المقالة، دافع عن فكرة الإنتاج في محيط أرض الوطن حين يكون ذلك ممكنًا ومعقولًا، وعبر كينز أيضًا عن تعاطفه مع أنصار الحمائية، وتحدث عن أفكاره المفضلة للتجارة الحرة في الماضي. ولكن ظل يخشى هؤلاء الداعين لتغيير جذري للعقيدة الاقتصادية، كما يتمنى جناح اليسار من حزب العمال.
بداية الحرب، لم يكن كينز مؤيدًا على الإطلاق للتجارة الحرة لأنه رأى أنها خدمةً لمصالح بلاده. يرى روبرت سيدلكسي «أن هناك...قطيعة عاطفية ما بين ليبرالية كينز وحبه لوطنه» والتي لم تشكل مشكلة في القرن التاسع عشر حين كانت إنجلترا تقود «الأوركسترا الدولية».
وفي أثناء المفاوضات مع وزارة الشؤون الخارجية الأمريكية، كانت تحفظات كينز حول العودة للتجارة الحرة من بعد الحرب تتسم بالقلق. وقد قام كوردل هُل ومستشاريه، الذين خشيوا أيضًا من الاستعمارية الإنجليزية وتصاعد الاشتراكية بأوروبا، بالرجوع إلى روزفلت، واتُخذ قرار بتضمين المادة السابعة في قانون الإعارة والتأجير (الاتفاق الأمريكي - البريطاني في مارس 1941)، والتي أجبرتها واقعيًا على العودة للتجارة الحرة.
نتج عن هذا التصرف نتيجتين فوريتين، فمن جهة توجه كينز للتحالف في الواقع مع أنصار التجارة الحرة الإنجليز من القطاع الاقتصادي: ليونيل روبنز وجيمس ميد، وابتعد عن مؤيدي الاستعمارية الأقوياء بالبنك المركزي الإنجليزي فاقدي التأثير على الوفد المرافق لونستون تشرشل. تبين لكينز أن الهجر الكامل للتجارة الحرة سيضر بمكانة لندن وسيؤدي سياسيًا لعالم لا يرضى به. أما من الجهة الأخرى، فقد دفع ذلك كينز منذ صيف 1941 إلى بناء مشروع لنظام نقدي مبني على Clearing Union (اتحاد المقاصة)، والذي سيسمح لإنجلترا أن ترضى بصدق (دون الكثير من التردد) بالمادة السابعة.
وبشكل عام، تعود أصول Clearing Union في العديد من كتابات ما بين الحربين، خاصةً في Treatise of Money (رسالة في المال)، وقد دارت حول عملة جديدة أسماها كينز بالـBancor (بنكور) مدرجة بشكل متطور على الذهب، وحول العملات التي سيتحدد سعرها بالبنكور. ستتلقى كل دولة نصيبًا من البنكور على أساس نصيبها من التجارة الدولية. وإذا كانت نسب التغير ثابتة على المدى القصير، ففي المدى المتوسط سيُعاد تقييم العملات سواءً بالزيادة أو بالنقصان بشكل يؤدي لاتزان الميزان الخارجي. من جهة أخرى، سيُتحكم في تحركات رؤوس الأموال وسيساهم الـ Clearing Union في جهود الاستثمار وإعادة الإعمار. ومن الممكن أيضًا، وتلك نقطة أصر عليها كينز، من الممكن أن تكون كالبنك مركزي وتطبع الأموال.
قام هنري دكستر وايت من جانبه، بناءً على طلب الوزير هنري مورغنثاو الذي يعتمد عليه، بعمل مشروع أخر في ديسمبر 1941 يكون فيه الدولار العملة المحورية. يتضمن هذا النظام مؤسسة (ستُسمى فيما بعد بصندوق النقد الدولي) تهدف للمساعدة في ضبط ميزان المدفوعات والمبادلات. بالاختلاف عن اتحاد المقاصة، حيث يُنشأ الاشتراك في رأس المال بالبنكور عبر البنك، وهنا على الدول أن تجلب حساباتها وفقًا لمدى قوتها الاقتصادية، وعلى الوضع الأخر، في حالة وجود مشاكل في ميزان المدفوعات، يقوم صندوق النقد بإعارة قدر من المال مع تحديد شروط للسياسة الاقتصادية التي يجب اتباعها. بالقطع كان المشروع الأول التفضيل الأول لإنجلترا التي عانت من نقص بالأموال وكانت تسعى للحفاظ على مكانتها: كان مقترح البنكور من شأنه أن يستر حقيقة أن العملة الرئيسية لم تعد الجنيه الاسترليني، وإنما الدولار.
أدرك كينز أن بلاده لم يعد بمقدورها أن تؤثر على العالم كما كانت في 1914، ولكنه بحث عن أفضل وضع ممكن لبلاده كي تستطيع من خلاله أن «تشارك إدارة» العالم مع الأمريكيين. وانطلاقًا من تلك وجهة النظر، رأى كينز أن اتحاد المقاصة سيكون بوضوح مؤسسة مدارة من قبل الأنجليز والأمريكيين. بعض الأمريكيين، خاصةًهاري ديكستر وايت، رأوا على النقيض عن كينز، أن المسيطرين على العالم فيما بعد الحرب هم الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.
نُشرت خطط كينز ووايت في أبريل 1943. أدت المفاوضات في أبريل 1944 إلى Joint Statement by experts (بيان مشترك للخبراء). قدر الجانب الأمريكي -المتحكم بالمفاوضات- بأن خطة كينز مفرطة في ابتكاريتها وقد تؤدي بشكل كبير للتضخم. وفي 25 مايو 1944، دعا كوردل هل 45 دولة في بريتون وودز لإنهاء الاتفاقيات، قبلها كان هناك اجتماع أخير للصياغة في أتلانتيك سيتي، حيث استطاع كينز أن يضمن أن كل بلد سيحدد بنفسه سعر الصرف، وأن المؤسسات لن تبدأ بالعمل إلا بقرار مشترك لإنجلترا والولايات المتحدة. وفي بريتون وودز، لم يتبق إلا عدة أمور أخيرة لضبطها، وكان هاري ديكستر وايت يرى بأن المشكلة الوحيدة التي تعيق إنهاء الاتفاقيات هي الأسهم التي تحدد وزن الأصوات بصندوق النقد.
التساؤل حول الأسباب التي أدت بكينز لا فقط للقبول، ولكن أيضًا المشاركة بقوة لتبني المشروع مقابل عدة تراخيص مع الواقع (يفضل روبرت سيدلسكي أن يصفها بالغموض).
بالنسبة للأخير، إذا كان نظام بريتون وودز ذي أيدلوجية كامنة، فهي أيدلوجية هنري مارغنثاو الذي أراد أن يركز القوة المالية والنقدية في واشنطن، وليست أيدلوجية النظرية العامة. وإذا كان كينز قد قبل، رغم كل شيء، اتفاقيات بريتون وودز، فذلك لإخضاع الولايات المتحدة لعدد من القواعد الدولية. ولكن بشكل عام، استطاع البريطانيون أن يتهربوا من عدة بنود.
ولكن يمكن النظر للأمور بشكل مختلف. يمكن التعبير عن الخلاف فيما بين خطتي كينز ووايت بحقيقة أن أفضل المصرفيين والخبراء الماليين لم يُردوا أيًا من الخطتين، وإنما أرادوا العودة لسياسة اقتصاد عدم التدخل. في الحقيقة، فأن تلك المعارضة من مجتمع الأعمال قد دفعت الوفدين تللتضامن معًا في المفاوضات النهائية. من جهة أخرى، فإن قراءة مؤَلَف دونالد ماركويل Keynes and International relations (كينز والعلاقات الدولية) يقود للتفكير في أن نظام بريتون وودز يحمل بصمات الفصلين 23 و24 من النظرية العامة لكينز، وهو ما لم يُذكر في كتاب سكيدلكسي. ويرى ماركويل أنه من الممكن استنتاج عدد من العناصر من النظرية العامة التي اعتبرها كينز مفضلة للسلام، وعلى أساسها نال كينز رضا جزئيًا.
العنصر الأول: تطبيق سياسات العمالة الكاملة، والتي شكلت أهمية كبيرة لكينز. فهو لم يتقبل عودة التجارة الحرة إلا من بعد زيارة ألفين هانسن (اقتصادي أمريكي متأثر بالاقتصاد الكينزي ومتواجد بدوائر السلطة) ولوثر غوليك في سبتمبر 1941، حيث أكدا عليه أن العمالة الكاملة تحتل نفس مستوى الأولوية لعودة التجارة الحرة في واشنطن. وقد أراد ألفن هانسن تحقيق مستوى عالٍ من العمالة والاستقرار الاقتصادي عبر التجارة الدولية والتعاون الدولي. والجدير بالذكر أن كينز كان واعيًا بأنه رغم تفضيل الاقتصاديين الأمريكيين للتجارة الحرة أكثر منه، فقد كانت أغلبيتهم مؤمنة بالصفقة الجديدة، ومتأثرين للغاية بالنظرية العامة، فكانت له مصلحة بعدم تضييع تلك الفرصة.
العنصر الثاني: وضع نظام نقدي دولي توسعي يسمح بالتغيرات في العملة ويوفر المساعدة في حاجة عجز ميزان المدفوعات. كشف نظام بريتون وودز عن توسعيته وضمَّن إعانة للبلاد التي تمر بصعوبات حتى ولو كانت بشكل أكثر شرطِيَةً وتحديدًا مما تمناه.
العنصر الثالث: ابتكار آلية تسوية دون تحمل العبء الأكبر، بحيث تجبر الدول العاجزة باللجوء لسياسات الركود. هنا كانت النتائج أكثر تواضعًا رغم أن بند النقد النادر دفع الأمريكيين بالنهاية للانفتاح على تجارة الدولية، ما كان إحدى الأهداف.
العنصر الرابع: وضع نظام يهدف لتمويل التنمية الدولية. فقد ساهم إنشاء البنك الدولي في تمويل عمليات إعادة الإعمار من بعد الحرب ومن بعدها عمليات التنمية. ورغم أن كينز قد تجاهل تلك المؤسسة في المرة الأولى، فقد وضعها بعدها آمالًا كبيرة عليها. وفي الفترة اللاحقة مباشرةً لما بعد الحرب، مع عدم كفاية الموارد، طُبقت فكرة كينز، التي وصت بضرورة تحقيق الولايات المتحدة بتطورات كبيرة بها، عن طريق مشروع مارشال.
بشكل عام، استطاعت اتفاقيات بريتون وودز والنظرية العامة أن تتجنب أخطاء ما بعد الحرب العالمية الأولى، عبر عمل نظام نقدي فعَّال وعن طريق توفير الأموال اللازمة لتمويل عمليات إعادة الإعمار. يتساءل المتخصصون بدراسة كينز إذا كان قد عاد، بعد بريتون وودز، لالتزامه الأول المفضل للتجارة الحرة. يرى هارولد روي فور بأن الإجابة بالإيجاب. أما دونالد ماركويل، فعلى النقيض، يرى أن كينز لم يعد لقناعته قبل الحرب باليبرالية الكلاسيكية، بل صار مؤيدًا لما أسماه التجارة الحرة المشروطة (qualified free trade)، بمعنى أنها مؤطرة بقوانين ومؤسسات بشكل يجعلها متوافقة مع هدف العمالة الكاملة ميزان المدفوعات التي لا تتصف باختلال كبير في التوازن.
وفي تلك النقطة، يبدو أن اتفاقيات بريتون وودز كانت فشلًا مهمًا لكينز، فقد صار الدولار العملة المحورية للعالم، وذلك بخلاف مقترح كينز عن الاعتماد على عملة مستقلة عن اقتصاديات الدول. إضافةً لذلك أنه حتى مع رفع الحماية القانونية عن تلك الاتفاقيات وفقًا لأوضاع صندوق النقد الدولي، فالنظام الجديد للصرف الثابت والقابل للتعديل لا يجرم بآليات تلقائية أوجه العجز والفائض الأكثر أهمية في ميزانيات المدفوعات. بالنهاية، كي يستمر ذلك النظام، افترض كينز أن الولايات المتحدة تبذل وسعها للحفاظ على مصداقية ربط الدولار بالذهب، وبذلك ستستفيد من ذلك الربط، إلى جانب تمتع الدولار بدور قيادي كعملة للاحتياطات والمعاملات الدولية، في العقود المقبلة كي يعوضوا أوجه العجز في العملة التي يصنعونها، ما سيحرض على نهاية الاتفاقيات بوقف قابلية تحويل الدولار لذهب في 15 أغسطس 1971.