العربية  

books jihad with his brothers

If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.

View more

جهادُهُ معَ إخوتِه (Info)


مقتلُ إلياسَ وأسرُ عُرُوجَ

عمِلَ خيرُ الدينِ إلى جانبِ إخوتِهِ في مطلعِ حياتِهِ في التجارةِ يتنقَلُونَ بينَ جزرِ بحرِ إيجةَ يجلِبُونَ البضائِعَ ويبيعُونَهَا في مسقطِ رأسِهِم ميديلي، إلا أنَّ عُرُوجَ أرادَ التوسُّعَ في نشاطِهِ فتوجَّهَ إلى طرابُلْسَ الشّامِ معَ أخيهِ إلياسَ، وفي طريقِهِ صادفَ فرسانَ رودسَ [أخويَّةٌ رهبانيَّةٌ حملتْ اسمَ "الإسبتاريَّةِ" أو "فرسانَ المشفى" منذُ أيَّامِ الصليبيَّاتِ. استقرُّوا منذُ سقوطِ عكّا (1291م) ما بينَ جزيرةِ أروادَ قُبالةَ طرطوسَ على الساحلِ الشاميِّ (حتى 1302م) وليماسولَ في (قبرصَ)، ثمَّ شنُّوا حملةً صليبيةً فاحتلُّوا جزيرةَ رودسَ (08-1310م) وتابعُوا منها القرصنةَ على السفنِ المسلمةِ، وتلقَّبُوا بفرسانِ رودسَ] فاشتبكُوا معهُمَا في معركةٍ كبيرةٍ استُشْهِدَ فيها إلياسُ وأُسِرَ عُرُوجُ فنُقلَ إلى رودسَ. عندما سمِعَ خيرُ الدينِ الخبرَ سافرَ إلى مدينةِ بودرومَ مع صديقٍ يُدْعى "غريغو" لهُ علاقاتٌ في رودسَ، ودفعَ لهُ مالاً كيْ يفتديَ أخاهُ إلا أنَّ غريغو احتالَ عليهِ وأخبرَ الرُّهبانَ بوجودِهِ في بودرومَ وبمساعيهِ لإنقاذِ عُرُوجَ، ففشلتِ المساعِي وتعنّتَ فرسانُ رودسَ إذْ علِمُوا بخبرتِهِ في البحرِ وثرائِهِ وأنَّ أخاهُ يحاولُ إطلاقَ سراحِهِ، فعمِلُوا على مواصلةِ تعذيبِهِ وتشديدِ الحراسةِ عليه. وبعدَ مدَّةٍ نُقلَ ليعملَ في التجديفِ على سفينةٍ متَّجِهَةٍ إلى مدينةِ أنطاليا، وكانَ واليها الأميرُ شاهزادَه قورقودَ ابنِ السلطانِ العثمانيِّ بايزيدَ الثاني اعتادَ أنْ يفديَ (يُعتقَ) في كلِّ سنةٍ مئةَ أسيرِ تركيٍّ، وصادفَ أنْ كانَ عُرُوجُ جدَّافاً على السفينةِ التي تُقّلُ الأسرى لكنْ نظراً لقيمتِهِ لمْ يُدْرِجْهُ فرسانُ رودسَ في قائمةِ المئةِ المفرجِ عنهم، لكنَّهُ تمكَّنَ منْ فكِّ قيودِهِ بنفسِهِ والسباحةِ إلى الساحلِ حيثُ مكثَ في قريةٍ تركيَّةٍ عشرةَ أيامٍ، ثمَّ وفي طريقِهِ إلى ميديلي وصلَ أنطاليا فلقِيَ فيها "علي ريِّسَ" قبطاناً يملكُ سفينةً يتاجرُ بها بينَ أنطاليا والإسكندريةِ وقدْ بلغَتْهُ شهرةُ عُرُوجَ فرحَّبَ بأنْ يعملَ معَهُ ومالبثَ عُرُوجُ أنْ غدا قبطاناً ثانياً للسفينةِ. ومعَ وصولِ عُرُوجَ إلى الإسكندريةِ أرسلَ رسالةً لعائلتِهِ يُخْبرًها بنجاتِه. يُحتَمَلُ أنْ يكونَ خلاصُ عُرُوجَ منَ الأسرِ سنةَ 911هـ الموافقةَ لسنةِ 1506م، ودامَ غيابُهُ نحوَ ثلاثِ سنواتٍ ما بينَ أسرِهِ في رودسَ وعملِهِ في التجديفِ.

علاقةُ عُرُوجَ بقانصوه الغوريّ والأميرَ قورقودَ

استأنَفَ عُرُوجُ بعدَ نيلِ حريَّتِهِ في العملِ في البحرِ واتَّجهَ إلى الإسكندريةِ فاستقرَّ فيها مدَّةً، وثَمَّةَ استدْعاهُ السلطانُ المملوكيُّ قانصوه الغوريّ (حَكَمَ 1500-1516م)، وكلَّفَهُ بقيادةِ أسطولِهِ، فوافقَ عُرُوجُ، وسافرَ إلى ميناءِ بيَّاسَ على خليجِ إسكندرونةِ لجلبِ الأخشابِ المطلوبةِ لصناعةِ السفنِ على أنْ يتَّجِهَ بعدَها إلى مصرَ إلاَّ أنَّ فرسانَ رودسَ أغارُوا على سفنِهِ وأحرقُوها، فسحبَ عُرُوجُ جندَهُ إلى البرِّ وصرفَهُم إلى بلدانِهِم، وتوجَهَ هوَ إلى مدينةِ أنطاليا وثمَّةَ أوصى بصناعةِ سفينةٍ أغارَ بها على سواحلِ جزيرةِ رودسَ وقفّلَ راجعاً إلى أنطاليا. بعدَها نَجَا منْ هجومٍ آخرَ قامَ بهِ فرسانُ رودسَ استوْلَوا فيهِ على سفينتِهِ الخاصَّةِ وأحرقُوا سفنَ بحَّارَتِهِ. توجَّهَ عُرُوجُ لاحقاً إلى مدينةِ مانيسا والتقى ثمّةَ بالأميرِ العثمانيِّ شاهزاده قورقودَ ابنِ السلطانِ بايزيدَ الثاني الذي أَهْداهُ سفينتَيْنِ حربيَّتَيْنِ ووَصَّاهُ أنْ يُبْحِرُ نحوَ غربِ البحرِ المتوسِّطِ لمساعدةِ المسلمينَ الذين يُضطهدُونَ ويُقتَلُونَ منْ قبلِ الإسبانِ في الأندلسِ، فخرجَ وبعدَ عدَّةِ معاركَ بحريّةٍ والاستيلاءِ على سفنٍ وغنائمَ عادَ إلى ميديلي فكانَ في استقبالِهِ في الميناءِ أخَواهُ إسحاقُ وخيرُ الدين. وفي الأثناءِ وصلَ خبرُ اعتلاءِ سليمِ الأوَّلِ (حَكَمَ 12-1520م) عرشَ الدولةِ العثمانيةِ ومعاداتِهِ لأخيهِ قورقودَ الذي كانَ مقرَّبَاً منْ البحّارةِ العثمانيّينَ وبخاصَّةٍ عُرُوجَ فقدْ كانتْ سفينتاهُ هديَّةً منهُ، فخرجَ عُرُوجُ إثرَ ذلكَ إلى الإسكندريةِ تقريباً سنةَ 918هـ الموافقةِ لسنةِ 1513م.

التوجُّهُ إلى تونسَ

سنةَ 918هـ الموافقةُ لسنةِ 1513م توجَّهَ عُرُوجُ منْ ميديلي إلى الإسكندريةِ وفي طريقِهِ استوْلَى في سواحل جزيرةِ كربةَ على سبعِ سفنٍ، ولمّا كانَ يشعرُ بالإحراجِ قِبَلَ السلطانِ قانصوه الغوريِّ -لفقدانِهِ السفنَ التي منحَهُ إيَّاهّا- قامَ بإهداءِ جزءٍ منَ الغنائمِ التي غَنِمَها له. وربيعَ سنةِ 1513م استأذَنَ عُرُوجُ منْ قانصوه الغوريّ بالخروجِ للغزوِ فأذِنَ لهُ، فتوجَّهَ إلى سواحلِ قبرصَ، ومنْ ثَمَّ اتَّجَهَ غرباً حتى جزيرةِ جربةَ جنوبيَّ تونسَ. بعدَ اعتلاءِ سليمٍ الأوَّلِ عرشَ الدولةِ العثمانيةِ أصدرَ أمراً بمنعِ الإبحارِ في سواحلِ الأناضولِ وموانِئِهَا، وللتأكُّدِ منْ تنفيذِ أوامرِهِ عيّنَ قبطاناً يُدْعَى "إسكندر باشا" كانَ يُضايِقُ البحَّارةَ بدَعْوى أنَّهُم منْ رجالِ الأميرِ قورقودَ -المُقَرَّبِ من البحّارةِ العثمانيّينَ- ولمْ يكُ يَسمحُ لهم بركوبِ البحرِ، وعندما بلغتْ أخبارُهُ خيرَ الدينِ قرَّرَ مغادرةَ ميديلي فشحَنَ سفنَهِ بالقمحِ ومضى إلى طرابُلسَ الشّامِ حيثُ استبْدَلَ بالقمحِ شعيراً، ثمَّ ذهبَ إلى بروزةَ فإلى جزيرةِ "أياموري" المقابلةِ لبروزةَ حيثُ اشترى هناكَ سفينةً أعجبتْهُ، ومنْ ثَمَّ اتَّجَهَ إلى أخيهِ عُرُوجَ في جزيرةِ جربةَ بتونسَ.

في حلقِ الوادي

بينما كانَ الإخوةُ بربروسَ في جزيرةِ جربةَ اتفَّقُوا على التوجُّهِ إلى مدينةِ تونس عاصمةِ الدولةِ الحفصيَّةِ (1228م-1574م) بنيةِ الجهادِ البحريِّ الإسلاميّ. يذكرُ خيرُ الدينِ في مذكِّراتِهِ أنَّهُم قرَّرُوا عندما فكَّرُوا بالسفرِ: "مادامَ الموتُ نهايةَ كلِّ حيٍّ فلْيَكُنْ في سبيلِ اللهِ". دخلَ الأخوَانِ عُرُوجُ وخيرُ الدينِ معَ "يحيى ريِّس" على سلطانِ تونسَ الحفصيِّ أبي عبدِ اللهِ محمدٍ المتوكِّلِ وخاطَبُوهُ: «نريدُ أنْ تَتَفَضَّلَ عليْنا بمكانٍ نحمي فيه سفنَنَا بيْنَمَا نقومُ بالجهادِ في سبيلِ اللهِ وسوفَ نبيعُ غنائِمَنَا في أسواقِ تونسَ فيستفيدُ المسلمونَ منْ ذلكَ وتنتعشُ التجارةُ، كما ندفعُ لخزينةِ الدولةِ ثُمُنَ ما نحوزُ منَ الغنائِمِ»، فوافقَ السلطانَ ورحَّبَ بهِمُ، وأذِنَ لهُمُ ومنْ معهُمْ منَ البحَّارةِ الأتراكِ بالرُسُّوِ في ميناءِ حلقِ الوادي (بالفرنسية: La Goulette)‏ واستخدامِهِ فعمِلُوا على تقويةِ مركزِهِم وحصّنُوه جيّداً، وأدركُوا أهميَّةَ تونسَ واستراتيجَّيَتِها وأهميَّةِ موقِعِها، وكانَ ميناءُ حلقِ الوادي متحكِّماً في خليجِ تونسَ، وبذلكَ صارَ لهُمُ موطئُ قدمِ على الحوضِ الغربيِّ للبحرِ الأبيضِِ المتوسطِِ حيثُ الدولُ الأوروپيَّةُ الرئيسيَّةِ والغنيَّةِ وقتذاك.

قضى البحَّارةُ شتاءَ ذلكَ العامِ (1513م-1514م) هناكَ وعندَ الربيعِ بدؤُوا بغزواتِهِمُ البحريَّةِ فبلغُوا جزيرةَ سِرْدانيا وثمَّةَ استوْلَوا على سفينةِ أحدِ القراصنةِ كانَ فيها مئةٌ وخمسونَ أسيراً. واستوْلَوا على أخرى محمَّلَةٍ بالقمحِ تركَهَا قراصِنَتُها ولاذُوا بالفرارِ على قوارِبِهِم، وفي الصَّباحِ التّالي استوْلَوا على سفينَتَيْنِ أخريَتَيْنِ إحداهُما مشحونَةٌ بالعسلِ والزيتونِ والجُبْنِ، والأخْرَى جنويَّةٌ محمَّلَةٌ بالحديدِ قبلَ أنْ يعودُوا إلى حلقِ الوادي. وتذكرُ بعضُ المراجعِ أنَّ الأخوةَ بربروسَ استوْلَوا على سفينَتَيْنِ تابعَتَيْنِ للبابا يوليوسَ الثّاني (حبرِيَّتُهُ 1503م-1513م) بينَ جزيرتَيْ قورسيقا وإلبَا وكانَتَا عملاقَتَيْنِ مُقارَنَةً بسفنِ الإخوةِ بربروسَ (ربَّما تكونُ هذهِ الغزوةُ هيَ إِحْدَى الغزواتِ السابقةِ)، وبعدَ الحادثةِ ذاعَ صيتُ عُرُوجَ في أرجاءِ أوروپا.

عواملُ دخولِ الأخوةِ بربروسَ إلى الجزائرِ

ثمَّةَ عواملُ عدةٌ داخليةٌ وخارجيةٌ حَتّمَتْ على الأخوينِ عُرُوجَ وخيرِ الدينِ فتحَ جيجلَ ثمَّ الجزائرَِ بالكاملِ، أمَّا العواملُ الداخليةُ فضعفُ وانحلالُ الدولةِ الحفصيةِ (1229م-1574م) التي كانتْ تحكمُ تونسَ والشطرَ الشرقِيَ منَ الجزائرِ، وفي الشطرِ الغربِيِّ -وكانتْ تحكمُهُ الدولةُ الزيَّانيَّةُ (1235م-1554م)- كانَ انتشارُ الظلمِ واللصوصيَّةِ والفقرِ والأوبئةِ ممَّا أرغَمَ الناسَ على هجرِ منازلِهِم وبلداتِهِم. وأمَّا العواملُ الخارجيَّةُ فأهمُّهَا سقوطُ الأندلسِ -أو بالأحْرَى ما تبقَّى من الأندلسِ- دولةُ بني الأحمرِ وحاضِرَتُها غرناطةُ سنةَ 1492م، وقيامُ الدولِ الأوروپيةِ باحتلالِ كثيرٍ من المدنِ على الساحلِ الجنوبيَّ للبحرِ المتوسِّطِ فكانَ الجنويُّونَ في جيجلَ منذُ سنةِ 1240م، والبرتغاليُّونَ في سَبْتَةٍ (شماليَّ المغربِ حالياً) منذُ سنةِ 1415م، والإسبانُ في مليليةَ (أيضاً شماليَّ المغربِ حالياً) منذُ سنةِ 1497م. وبعدَ سقوطِ غرناطةَ وبتحريضٍ منَ البابويةِ -احترازاً من عودةِ المسلمينَ للأندلسِ وهُمْ الذّينَ أقامُوا فيها أكثرَ من سبعةِ قرونٍ- وخلالَ سنواتٍ خمسٍ (من 910هـ/1505م إلى 915هـ/1510م) احتلَّ الإسبانُ في الجزائرِ فقط "المَرْسَى الكبيرَ" و"وَهْرانَ" و"أَرْزيُو" و"مِسْتِغَانِمَ" و"شِرشالَ" ومدينةَ "الجزائرِ" و"بُجَّايَةَ" و"عُنَّابَةَ"، [وأتبعوها بطرابلسَ الغربِ (في ليبيا حالياً) سنةَ 1511م]، وجعلُوا يضغطُونَ على كلٍّ منَ السلطاتِ المحليَّةِ والأهالي في البحرِ وفي الشؤونِ الداخليَّةِ لتلكَ النواحي على السواءِ. وبذا غّدا الإسبانُ في خمسِ سنينَ القوّةَ الإقليميَّةَ المطلقةَ غربِِيَّ البحرِ الأبيضِ المتوسطِ وكانتْ سياسَتُهُم الضغطَ باستمرارٍ على سواحلِ شمالِيِّ إفريقيا لرصْدِ أيِّ تطوراتٍ سياسيةٍ فيها خشْيَةَ عودةِ المسلمينَ إلى الأندلسِ وقدْ كانتْ جاليةٌ مسلمةٌ كبيرةٌ ماتزالُ مقيمةً فيها.

وأمامَ جبروتِ شارلكانَ الإمبراطورِ الرومانيِّ المقدسِ [أقوى وأغنى عاهلٍ أوروپيٍّ والذي شمِلَتْ سلطتُهُ فيما شمِلَتْ النِّمْسا، وممالكَ البنلوكسَ أو الأراضيَ المنخفضةِ (هولَّنْدا وبِلْجيكا ولوكسمبورݝ معاً)، والدويلاتِ الألمانيَّةِ، وبورجونديا Burgundy، ولومبارديا وشمالِيَّ إيطاليا، وجزيرةَ سِرْدانيا، وجنوبِيَّ إيطاليا مملكَتَيْ نابولي وصِقِلِّيَةَ (ورِثَهُمَا بوصْفِهِ وريثَ عرشِ أراجونَ الإسبانيَّةِ)، والمملكةَ الأغنى إسْبانْيا (بممتلكاتها الشاسعةِ في أمريكا) -بعْدَما وَحَّدَ عرْشَيْ أراجونَ وقشتالةَ- وعاصِمَتُها يومئذٍ -قبل نقْلِهَا إلى مدريدَ عامَ 1561م- غرناطةُ عاصمةُ شارلكانَ]، ونظراً لضعفِ الدولِ الإسلاميةِ في شماليِّ إفريقيا وتقاعسِ ولاةِ أمرِهَا فقدْ كانَ الأخوةُ بربروسَ -على شُحِّ إمكاناتِهِم- القوّةَ الوحيدةَ التي حملتْ عبءَ مواجهةِ الإسبانِ والقوى الصليبيَّةِ الأخرى غربَ البحرِ المتوسِّطِ كالدويلاتِ الإيطاليَّةِ وفرسانِ مالطةَ (1530-1798م)، وقدْ قامُوا بواجبِهِم بكلِّ شجاعةٍ واحْتمالِ مسؤوليَّةٍ، لكنْ لمَّا كانُوا لا قِبَلَ لهُم بمجابهةِ دولةٍ بحجمِ إسبانيا فقدْ مارَسُوا أسلوبَ الإغارةِ على السواحلِ الأوروپية المتوسطية والسفنِ تجاريةً كانتْ أم حربيةً -ومنْ هُنا دعاهُم الأوروپيونَ قراصِنَةً- لكنَّ ذلكَ لمْ يكُ سِوى ردِّ فعْلٍ لمَا اعتادتْ الدولُ الأوروپيَّةُ عملَهُ على السواحلِ الإسلاميَّةِ، وحتّى الأخوينِ بربروسَ ماكانَ التفاتُهُما نحوَ الغزوِ إلا ردَّ فعْلٍ على مقتلِ أخيهِمَا وأسْرِ أحدِهِمَا على يدِ أخويَّةِ فرسانِ رودسَ.

مناوشةُ بُجّايةَ الأولى

حسبَ مذكراتِ خيرِ الدينِ فإنَّ الأخوةَ بربروسَ أمضَوْا شتاءَ العامِ (918هـ الموافقِ ل1513م تقريباً) في تونسَ وعندَ حلولِ ربيعِ العامِ التالي 919هـ الموافقِ ل1514م خرجُوا للغزوِ وبعدَ ثلاثةَ عشرَ يوماً وصلُوا ناپولي فصادفُوا مركباً كبيراً متَّجِهاً إلى إسبانيا فيهِ ما بينَ ثلاثمئةِ إلى أربعمئةِ مقاتلٍ فهاجمُوه وجرتْ معركةٌ كبيرةٌ استوْلَوا عليهِ إِِثْرَها، إلاَّ أنَّهُم تكبَّدُوا خسائرَ كبيرةً، مئةً وخمسينَ شهيداً وستةً وثمانينَ جريحاً. كانت السفينةُ تُقلُّ خمسمئةٍ وخمسةً وعشرينَ شخصاً أسرُوا منهم مئةً وثلاثةً وثمانينَ وقُتِلَ الآخرون وكانَ منْ بينِ القتلى والي إحدى المقاطعاتِ الإسبانيِّةِ الكبيرة. بعدَ ذاكَ استولَوْا على سفينةٍ أخرى وعادُوا بها إلى تونسَ حيثُ تمَّتْ معالجةُ عُرُوجَ -وكانَ مشهوراً بشجاعتِهِ- من جروحِهِ في إحدى المعارك.

شهرتِ المعركةُ الأخيرةُ اسمَ الأخوةِ بربروسَ وبالأخصِّ عُرُوجَ كثيراً، فأعدَّ الإسبانُ عشرَ سفنٍ ضخمةٍ منْ نوعِ قادرغة (بالإنجليزية: Galley)‏ (قادس) بهدفِ أسرِهِم، وكانُوا خرجُوا متَّجِهِينَ إلى جنوا لكنْ بسببِ مخالفةِ الريحِ توجَّهُوا إلى السواحلِ الجزائريَّةِ ورسُوا قُبالةَ "قلعةِ بُجّايَةَ"، أمَّا السفنُ الإسبانيَّةُ فعندما لمْ تعثرْ عليهِم في جنوا توجَّهَتْ إلى بُجّايَةَ وكانتْ بيدِ الإسبانِ يومئذٍ. كانَ للاشتباكِ مع الإسبانِ على الساحلِ خطورَتُهُ الكبيرةُ لوقوعِهِم تحتَ مرمى المدفعيّةِ الساحليَّةِ، ولأنَّ مدافعَ السفنِ الإسبانيَّةِ الضخمةِ أثقلُ وأبعدُ مدىً، لذا انطلقَ الأخوةُ بمراكبِهِم مبتعدينَ، انطلتْ الحيلةُ على الإسبانِ فقامُوا بملاحقتِهِم ظنَّاً منهُم أنَّهم هربُوا، وعلى مسافةٍ كافيةٍ من البرِّ أمرَ عُرُوجُ بالانعطافِ نحوَ السفنِ الإسبانيَّةِ التي فُوجِئَتْ بالمناورةِ، وبهجومٍ خاطفٍ تمكَّنُوا منَ الاستيلاءِ على سفينةِ القيادةِ وثلاثِ سفنٍ أُخَرَ فيما لاذتِ بقيَّةُ السفنِ بالفرارِ نحوَ بُجّايَةَ محتميةً بقلعتِها.

اختلفَ رأْيَا عُرُوجَ وخيرِ الدينِ. كانَ الأوَّلُ يريدُ مهاجمةَ المَرْسى والقلعةِ ليستوليَ على السفنِ بينما أرادَ خيرُ الدينِ الرجوعَ إلى تونسَ والاكتفاءِ بأربعةِ السفنِ التي غنِمُوا. لمْ يأخذْ عُرُوجُ برأيِ أخيهِ وأعطى أوامرَهُ بالهجومِ على قلعةِ بُجّايَةَ التي كانتْ تعُجُّ بالجندِ فضلاً عمَّنِ التحقَ بهِمْ منَ بحّارةِ السفنِ الستِّ. شرعَ عُرُوجُ بمهاجمةِ القلعةِ التي كانتْ تطلقُ وابلاً منْ قذائفِ المدفعيَّةِ، وخلالَ ذلكَ فقَدَ البحّارةُ الأتراكُ ستينَ منْ رفاقِهِم وأصيبَ عددٌ كبيرٌ، وعندما كانُوا على وشَكِ الاستيلاءِ على القلعةِ أصيبَ عُرُوجُ بقذيفةٍ في ذراعِهِ اليسرى، وإذْ رأى الإسبانُ ذلكَ فتحُوا أبوابَ القلعةِ وشرعُوا بالهجومِ، أمّا خيرُ الدينِ فبعدما رأى إصابةَ أخيهِ استثارَتْهُ الحميَّةُ وقامَ بهجومٍ ضارٍ مع ثلاثمئةٍ أو أربعمئةٍ من رجالِهِ، وأوغَلُوا حتى وصلُوا أبوابَ القلعةِ وقتلُوا في هجومِهِم ثلاثمئةِ إسبانيٍّ وأسرُوا مئةً وخمسين. ونظراً لإصابةِ عُرُوجَ البليغةِ وكانَ فقَدَ وعيَهُ اضطر البحّارةُ للانسحابِ، والعودةِ إلى تونسَ بأربعَ عشرةَ سفينةً. عَقِبَ رجوعِهِم قامَ الجرّاحونَ بتضميدِ جراحِ عُرُوجَ إلاَّ أنَّ خطورتَهَا كانتْ تتزايدُ ولذا أجمعُوا على بترِ ذراعِه.

تذكرُ بعضُ المراجعِ العربيةِ هذهِ المناوشةَ برواياتٍ مختلفةٍ عمّا ذكرَهُ خيرُ الدين. تقولُ إحداها إنَّ أحدَ أعيانِ بُجّايةَ طلبَ منَ الإخوةِ بربروسَ تحريرَ بُجّايَةَ منَ السيطرةِ الإسبانيَّةِ، فلبَّى عُرُوجُ وخرجَ إليها على أربعةِ سفنٍ وحوالَيْ مئةِ مقاتلٍ، ووجدَ ثلاثةَ آلافٍ من أهلِ البلادِ ينتظرونَهُ شرقَ المدينةِ، فباشَرُوا الهجومَ وحاصرُوا المدينةَ نحوَ ثمانيةِ أيامٍٍ، وفي اليومِ التاسعِ احتلُّوا الميناءَ، لكنَّ قذيفةً أصابتْ يدَ عُرُوجَ اليُسْرَى فجرحَتْها جُرْحاً بليغاً، وكانَ مشهوراً بشجاعتِهِ، فأسرعَ رفاقُهُ بنقلِهِ إلى السفينةِ ثمَّ إلى تونسَ، وبالرَّغْمِ منْ العلاجِ إلاَّ أنَّ الأطباءَ قرَّرُوا بترَ ذراعِه. وفي روايةٍ أخرى أنَّ الملكَ "أبا بكرٍ الحفصيَّ" والي قُسَنْطينَةَ أرسلَ لهما العلماءَ والأعيانَ منْ بُجّايَةَ يستصرخُونَ لإنقاذِها منْ الاحتلالِ الإسبانيِّ، فلبّيَا النداءَ بعدَ المشاورةِ مع رجالهِما، وأعلمَا جماعاتِ المجاهدينَ حوالَيْ بُجّايَةَ ورجالَ القبائلِ بقدومِهِما، واتَّفقُوا جميعاً على ساعةٍ معينةٍ يجتمعُون بها عندَ أسوارِ بُجّايَةَ. توجَّهَ عُرُوجُ بقيادةِ ثلاثةِ آلافِ مقاتلٍ إلى بُجّايَةَ، وعندَ وصولِهِ إليها وجدَ خمسَ عشرةَ سفينةً إسبانيَّةً قدِمَتْ لتوِّها منْ إسبانيا راسيةً بمَرْسى بُجّايَةَ فاعترضتْ أسطولَ الأخوةِ بربروسَ، ولم يكُ باستطاعتِهِم مهاجمتُها لتفوُّقِها في العددِ والعدَّةِ، فقامَ الأتراكُ بمناورةٍ إذْ تظاهرُوا بالانسحابِ فراراً، فقامَتِ العمارةُ الإسبانيَّةُ بتتبُّعِهِم إلى أنْ أصبحَتْ تحتَ مرْمَى مدافعِ البحّارةِ المسلمينَ في عَرْضِ البحرِ، فأجرَوْا مناورةَ التفافٍ بحريةً استطاعُوا بها الاستيلاءَ على إحدى السفنِ، وأغرقُوا أخرى، وهربتْ بقيَّةُ السفنِ على كثرتِهَا، وهنا اختلفَ عُرُوجُ وخيرُ الدينِ في الرأيِ فقدْ كانَ الأخيرُ يرى وجوبَ حصارِ المدينةِ بحراً وقطْعَ كلِّ مددٍ عنهَا إلى أنْ تستسلمَ، بينما ارتأى عُرُوجُ النزولَ إلى البرِّ ومهاجمةِ المدينةِ منْ جهةِ البحرِ فيما يهاجِمُهَا مجاهدو أهلِ البلادِ منَ الجهةِ المقابلةِ، ولمَّا كانَ عُرُوجُ القائدَ فقدْ أُخِذَ برأيِهِ. فنزلَ عُرُوجُ بصحبةِ خمسينَ منْ رجالِهِ الأتراكِ يستطلعُون أسوارَ المدينةِ وحصونِهَا، وكانَ الإسبانُ في الوقتِ نفسِهِ يترصَّدُونَهُم حتّى أضْحَوا ضِمْنَ مَرْمى نيرانِهِم، وعندّئذٍ انهالَتْ عليهِمُ طلقاتُهُم، فأصابتْ ذراعَ عُرُوجَ رصاصةُ بندقيّةٍ فكسرتْها، واضْطُرَّ للعودةِ إلى تونسَ للعلاج، ولمْ يَجدِ الأطباءُ منْ بُدٍّ سِوَى بتْرِها.

إنقاذُ الأندلسيين

شتاءُ ذلكَ العامِ استعادَ عُرُوجُ عافيَتَهُ، وبحلولِ ربيعِ سنةِ 920هـ/1515م تقريباً خرجَ البحّارةُ بقيادةِ الأخوَيْنِ بربروسَ إلى سواحلِ الأندلسِ في ثمانيةِ مراكبَ، ويقولُ خيرُ الدينِ في مذكراتِهِ يصفُ وضعَ المسلمينَ في الأندلسِ بعدَ سقوطِهَا: "كانتِ المدينةُ الإسلاميةُ غرناطةُ قدْ سقطتْ قريباً بيدِ الإسبانِ. كانَ الإسبانُ يقومُونَ بمظالمَ كبيرةٍ في حقِّ المسلمينَ الذينَ كانَ الكثيرُ منهُم يعبدُون اللهَ في مساجدَ سرِّيَةٍ قامُوا ببنائِها تحتَ الأرض. لقدْ دَمَّرَ الإسبانُ وأحرقُوا جميعَ المساجدِ وصارُوا كلَّمَا عثرُوا على مسلمٍ صائمٍ أو قائمٍ إلا وعرّضُوه وأولادَه للعذابِ أو الإحراقِ". أثناءَ ذلكَ قامَ الأخوَانِ بحملِ عددٍ كبيرٍ من المسلمينَ الأندلسيِّينَ في السفنِ ونقْلِهِم إلى الجزائرِ وتونسَ. وعندما كانُوا نواحيَ ساحلِ المُرَيَّةِ لاحتْ لهُم سبعُ سفنٍ استطاعُوا الاستيلاءَ على إحداها وكانتْ هولنديَّةً محمّلةً ببضائعَ من الهندِ ولمْ يستطيعُوا اللحاقَ بالبقيّةِ لمُخالَفَةِ الريح. ثمَّ أوغلُوا إلى جزيرةِ مَنُورَقَةَ بعدَ مضيِّ خمسينَ أو ستينَ يوماً على خروجِهِم من تونسَ فصادَفُوا مئتيْ مقاتلٍ مدجَّجِينَ بالسلاحِ قتلُوا منهُم سبعينَ أو ثمانينَ واستَوْلَوا على خمسةِ أو ستَّةِ قطعانٍ من الأغنام. كانَ هؤلاءِ الجندِ خرجُوا لملاقاتِهِم منَ البرِّ فيما خرجتْ عشرُ سفنٍ إسبانيَّةٍ لمهاجمتِهِم من البحرِ عندما عَلٍمَ الإسبانُ أنَّ الأخوَيْنِ بربروسَ رسيَا في مَنُورَقَةَ، فلمَّا علمَ خيرُ الدينِ بذلكَ فرَّقَ الأسرى على السفنِ وانطلقَ إلى جنوا، فاستوْلَى على أربعةِ مراكبَ في طريقِهِ، وأخيراً أغارُوا على جزيرةِ قورسيقا قبلَ أنْ يتوجَّهُوا إلى ميديلي. كانَ منْ أثَرِ هذهِ الحملاتِ أنْ شاعَ اسمُ بربروسَ في أنحاءِ أوروپا وخاصةً أوروپا المتوسطيِّةِ، وأصبحَ أسطورةً في نظرِ الأوروپيين.

بين ميديلي وتونسَ

توجَّهَ الأخوةُ بربروسَ إلى مسقطِ رأسِهِم جزيرةُ ميديلي بغيةَ قضاءِ شتاءِ العامِ بينَ أهليهِم وقرابتِهِم، وثمَّةَ -كما ذكرَ خيرُ الدينِ في مذكِّراتِهِ- قالَ عُرُوجُ: « لقدْ رأيتُ في الليلةِ الماضيةِ رؤيا صالحة. رأيتُ ذلكَ الشيخِ ذا اللحيةِ البيضاءِ الذي بَشّرَنِي بالنجاةِ عندما كنتُ أسيراً في رودسَ يقولُ لِي: ياعُرُوجَ توجَّهْ إلى الغربِ، إنَّ اللَّهَ قدْ كتبَ لكَ هناكَ كثيراً من الغزوِ والعِزِّ والشرفِ..».

أنفقَ الأخوةُ بربروسَ أموالَهُمُ التي غَنِمُوهَا على المحتاجينَ وفي تجهيزِ سفنِهِمْ. وعندَ الشتاءِ أذِنَ خيرُ الدينِ للبحَّارةِ بقضاءِ الفصلِ بينَ أهليهِم ممَّنْ كانُوا يُقيمُونَ قريباً في الأناضولِ والرّومِلّي. وعندَ اقترابِ الربيعِ بدأتْ أفواجُ الشبابِ الذينَ بلغتْهُم شهرةُ الأخوَيْنِ تتوافدً إلى الجزيرةِ للعملِ تحتَ إمرتِهِما كبحّارةٍ، فانطلقُوا منْ ميديلي في عشرةٍ منَ المراكبِ وفي طريقِهِم استوْلَوا على خمسَ عشرةَ أو ستَّ عشرةَ قطعةً بحريةً حازُوا الجيِّدَ منها وأغرقُوا التالفَ، كانتْ خمسُ سفنٍ ممَّا غنِمُوا محمَّلةً بزيتِ الزيتونِ وواحدةٌ محملةٌ بالعاجِ، وأمَّا البقيّةُ فكانتْ محمَّلَةً بأموالٍ وبضائِعَ مختلفةٍ، وبلغَ مجموعُ الأسرى أكثرَ منْ أربعمئةِ امرأةٍ وعدداً كبيراً منَ الرِّجال. وفي اليومِ التاسعِ والعشرينَ على مغادرَتِهِم دخلُوا ميناءَ حلقِ الوادي في تونسَ، فقامُوا ببيعِ غنائمِهِم ثمَّةَ، وأعطَوْا السلطانَ حصَّتَهُ وقدْ رحَّبَ بهِم واستقبلَهُم في قصرِهِ، وأهْدَى الأخويْنِ عُرُوجَ وخيرَ الدينِ خيولاً فارهةً مجهَّزَةً وكافَأ كلاًّ منهُمَا بحُلَّةٍ منَ الفراءِ وأكرَمَ منْ معهُمَا منَ البحّارةِ.

الاتصالُ بالعثمانيِّينَ وإنقاذِ الأندلسيِّين

أمْضى الأخوةُ بربروسَ الشتاءَ في تونسَ وبحلولِ الربيعِ خرجُوا في اثْنَيْ عشرَ مركباً فأغارُوا على قلعةٍ في صقلَّيةَ وأسَرُوا ما يقربُ من ثلاثمئةِ أسيرٍ قامُوا بتوزيعِهِم على المراكبِ كمجدِّفِينَ، كما استولى أحدُ البحّارةِ واسمُهُ "دلي محمد ريس" على سفينةٍ تجاريةٍ كانَتْ محمَّلَةً بالسُّكَرِ. وفي اليومِ التالي استَوْلَوا على أربعةِ مراكبَ اثنانِ منهما محمَّلَتَانِ بالجوخِ، وإحداهُمَا مشحونةٌ بأعمدةٍ شراعيةٍ، وأمّا الرابعةُ فكانَتْ محمَّلةً بالبارود، ورَجَعُوا إلى تونسَ بعدَ مضيِّ ثلاثةٍ وثلاثينَ يوماً.

كانَ خروجُ الأخوةِ عُرُوجُ وخيرُ الدينِ منَ الأراضي العثمانيةِ وتركِهِم مسقطَ رأسِهِم ميديلي بعدَ اعتلاءِ سليم خان عرشَ الدولةِ العثمانيةِ، فقدْ كانَ عُرُوجُ مقرَّبَاً من الأميرِ قورقودَ الذي كانَ أخوُهُ سليمٌ الأوَّلُ يعادِيهِ، ثمَّ قتلَهُ بعدما اعتلى العرشَ، وأمَّا خيرُ الدينِ فقدْ لحِقَ بأخيهِ عُرُوجَ إلى تونسَ. بعدَ استقرارِ عُرُوجَ وخيرِ الدينِ في تونسَ طوالَ هذهِ المدَّةِ وازديادِ شهرتِهِمَا وقوَّتِهِما لمْ يعودا يخْشَيَانِ من السلطانِ سليمٍ وقدْ أدْرَكَا سياستَهُ الإسلاميةَ، وبناءً عليهِ أرادا تطويرَ علاقتِهِما بِهِ، فأرْسَلا القبطانَ "محيي الدين بيري ريِّس" إلى إسطنبولَ ومعَهُ هدايا ورسالةً كتبَهَا خيرُ الدين. غادرَ بيري ريِّس تونسَ في ستِّ قطعٍ بحريَّةٍ فوصلَ إسطنبولَ في اليومِ الحادي والعشرين من خروجِهِ، واستقبَلَهُ السلطانُ سليمٌ الأوَّلُ في محرمٍ من عامِ 922هـ الموافقِ لمارسِ/آذارِ عامَ 1516م، ويُذكَرُ أنَّ السلطانَ سليماً بعدَ قراءَتِهِ الرسالةَ رفعَ يدَهُ بالدعاءِ فقالَ: «اللّهُمَّ بَيِّضْ وَجْهَيْ عبدِيْكَ عُرُوجَ وخيرَ الدينِ في الدُّنْيا والآخرةِ، اللَّهُمَّ سَدّدْ رميتَهُما واخذِلْ أعداءَهُما وانْصُرْهُما في البرِّ والبحرِ». ولقِيَ بيري ريِّس حفاوةً كبيرةً من السلطانِ الذي أرسلَ معَهُ سفينتَيْنِ حربيَّتَيْنِ مليئتَيْنِ بالمعداتِ الحربيةِ والقذائفِ إحداهُمَا لعُرُوجَ والأخرى لخيرِ الدينِ، وسيفَيْنِ حُلّيَ مِقْبَضَاهِمَا بالألماسِ وخلعتَيْنِ سلطانيَّتَيْنِ وووساميْن.

في الوقتِ الذي كانَ فيهِ بيري ريّس في إسطنبولَ خرجَ عُرُوجُ وخيرُ الدينِ إلى مضيقِ جبلِ طارقٍ على أنْ يُغِيرُوا من هناكَ على الأندلسِ لإنقاذِ المزيدِ منَ المسلمينَ.

عادَ بيري ريّس إلى تونسَ برسالةٍ من سليمٍ الأوَّلِ إلى السلطانِ الحَفْصيَّ محمدٌ المتوكِّلِ وفيها: «إلى أميرِ تونسَ، إذا وصلَكَ كتابِي هذا فعليكَ أنْ تعملَ بِهِ، واحذرْ أنْ تُخالِفَهُ، وإيَّاكَ وأنْ تُقصِّرَ في خدمةِ أيِّ عَوْنٍ لخادِمَيْنا: عُرُوجَ وخيرِ الدينِ»، واجتمعَ أشرافُ تونسَ في حفلٍ كبيرٍ قامَ فيهِ بيري ريّس بتقليدِ خيرِ الدينِ سيفَ السلطانِ سليمٍ وألبَسَهُ الحِلَّةَ التي أُرسلَتْ له. يذكرُ خيرُ الدينِ في مذكِّراتِهِ أنَّ سلطانَ تونسَ بعدما رأى حفاوةَ السلطانِ سليمٍ الأوَّلَ بالأخوَيْنِ بربروسَ تغيَّرَتْ معاملَتَهُ، وقالَ لخيرِ الدينِ: "إنَّ طريقَكَ وطريقَ أخيكَ عُرُوجَ سينتهي إلى القيادةِ العامَّةِ لبحريةِ الدولةِ العثمانيةِ، فهنيئاً لكُمَا بذلك." ومنذُ تلكَ اللحظةِ تغيَّرَ موقفُ السلطانِ الحفصيِّ من الأخوَيْنِ وتحفَّظَ عليهِمَا تخوُّفَاً أنْ يأخُذا مملكَتَهُ لصالحِ العثمانيِّينَ.

فتحُ جيجلَ

يذكرُ خيرُ الدينِ في مذكِّراتِهِ أنَّهُم انسحبُوا بعدَ مناوشةِ بُجايّةَ الثانيةَ إلى جيجلَ كيْ يترصَّدُوا للسفنِ التي قدِمَتْ لمساندةِ الإسبانَ في قلعةِ بُجايّةَ، إلاّ أنَّهُ لايذكرُ المعركةَ التي جرَتْ معَ الحاميةِ الجنويَّةِ فيها، فيما تُورِدُهَا أكثرُ المراجع. تختلفُ المراجعُ القديمةُ والحديثةُ في تاريخِ دخولِ الأخوَيْنِ بربروسَ إلى جيجلَ فبعضُهَا يحدِّدُهُ بسنةِ 918هـ/1513م وبعضُها بسنةِ 919هـ/1514م والبعضُ الآخرُ بسنةِ 920هـ/1515م، كما حدَّدَهَا بعضُهُم بسنةِ 921هـ/1516م، ويعودُ سببُ الاختلافِ للخلطِ بينَ المحاولاتِ الفاشلةِ للأخوَيْنِ لتحريرِ بُجايّةَ، وأكثرُ المؤرِّخِينَ على أنَّ دخولَهُم جيجلَ كانَ سنةَ 919هـ/1514م.

بعدَ انسحابِ بربروسَ ببحّارَتِهِم منْ بُجايّةَ توجَّهُوا شرقاً إلى جيجلَ فوجَدا فيها ضالَّتَهُما المنشودةَ، فقدْ كانَتْ محتلَّةً منْ قبَلِ دولةٍ أجنبيةٍ هي جمهوريةُ جنوا (منذُ 1240م) وفتحُهَا يجعَلُهُم مستقلِّينَ فيها بدونِ تبَعِيٍّةٍ لسلطانِ تونسَ، وموقِعُهَا شرقَ بُجايّةَ لتأمينِ طريقِ الإمدادِ منْ تونسَ وقريبةً منها في الوقتِ عيْنِهِ يجعلُهَا صالحةً كمنطقةِ إسنادٍ عندما يعاوُدُونَ الهجومَ على بُجايّة. ورأَوْا أنَّ حصارَ بُجايّةَ ليسَ بالأمرِ الهيِّنِ، ووجودُهُم في تونسَ يُبْعِدُهُم عنْ ساحِ المعركةِ القادمةِ، وهكذا صمَّمُوا على فتحِ جيجلَ، فقامُوا باتِّصَالاتٍ سرِّيَةٍ مكثَّفةٍ مع الأهلينَ والقبائلِ المحيطةِ بها، وبعد استكمالِ الاستعداداتِ قامُوا بالهجومِ على الحاميةِ التي استسلمَتْ بعدَ مقاومةٍ يسيرةٍ، وتمَّ للبحّارةِ الأتراكِ تحريرُ مدينةٍ من يدِ الأوروپيين فكانَتْ أوَّلَ مدينةٍ يفتَحُونَهَا في الجزائر.

مناوشةُ بُجّايةَ الثانيةُ

يذكرُ خيرُ الدينِ في مذكراته أن وفداً من بُجّايةَ طلبَ منْ عُرُوجَ وخيرَ الدينِ تحريرَها منْ الإسبان. حمل الوفدُ رسالةً جاءَ فيها: «إن كان ثمة مغيث فليكن منكم أيها المجاهدون الأبطال. لقد صرنا لانستطيع أداء الصلاة أو تعليم أطفالنا القرآن الكريم لما نلقاه من ظلم الإسبان. فهانحن نضع أمرنا بين أيديكم. جعلكم الله سبباً لخلاصنا بتسليمه إيانا إليكم، فتفضلوا بتشريف بلدنا وعجلوا بتخليصنا من هؤلاء الكفار (يقصدون الإسبان)». إثرَ ذلكَ توجّهَ الأخوانِ لتحريرِ بُجّايةَ، وفي طريقهمْ استَوْلَوْا على سفينةٍ محملةٍ بالشمعِ وعليها أربعونَ أسيراً من الموريسكيين فحرّروهمْ وأرسلوهُمْ إلى تونسَ مع "دلي محمد ريس". وصلوا بُجّايةَ معَ ألفينِ وثلاثةٍ وثلاثين بحاراً وعشرةِ سفنٍ ومئةٍ وخمسينَ مدفعاً بحرياً، وآلاف ٍمن الأسرى مِمّنْ يقومونَ بالتجديفِ (مضتِ العادةُ شدَّ وَثاقِ الأسرى منْ قبلِ الجانبينِ على السفنِ الشراعيةِ للقيامِ بالتجديفِ)، واشتبكُوا معَ الإسبانِ في معركةٍ لثلاثِ ساعاتٍ ونصفِ الساعةِ قُتلَ فيها أكثرُ الإسبانِ، ولحقَ بالبحارةِ عشرونَ ألفاً من أعراب البوادي. تحصّنَتْ بقلعة بُجّايةَ شرذمةٌ منَ الإسبانِ المتبقّينَ استمرتْ في المقاومةِ تسعةً وعشرينَ يوماً، وحالَ عدمُ امتلاكِ الأتراكِ مدافعَ ثقيلةً لقصفِ الحصونِ دونَ فتحِ ثغرةٍ في القلعةِ واستيلائِهِم عليها. [كانتِ المدافعُ البحريةُ تطلقُ منَ السفنِ ومخصصةً للمعاركِ البحريةِ وقصفِ السفنِ بالدرجةِ الأولى وبالتالي أخفَّ وزناً وأضعفَ تأثيراً في التحصيناتِ البريَّةِ].

تذكرُ المراجعُ العربيةُ أنَّ الوفدَ الذي قدِمَ منْ بُجّايةَ إلى جيجلَ كانَ قبلَ مناوشةِ بُجّايةَ الأولى، إلا أنَّ خيرَ الدينِ يذكرُ قدومَهُ قبلَ مناوشةِ بُجّايةَ الثانيةِ كما أسلفنا. ويذكرُ المؤرخُ الجزائريُ "أحمد توفيق المدني" أنَّ المسلمينَ في جيجلَ والجبالِ المحيطةِ التفّوا حولَ عروجَ لِمَا رأوْا منْ إيمانِه وأخلاقِه وقوةِ شخصيتِه ما جعلهمْ يبايعونَهُ أميراً عليهم، ويعاهدونه على السير خلفه في القتال. وهكذا تمكّن عروجُ منْ إنشاءِ جيشٍ منظّمٍ درّبَه على استعمالِ الأسلحةِ الحديثةِ للرمايةِ، وقدْ وعدَهُ الشيخُ أحمدُ بنِ القاضي شيخُ منطقةِ زواوةَ الغربيةِ (إمارة كوكو) بالإعانةِ والتأييد، وأخذَ علماءُ الدينِ يستنفرونَ الناسَ للجهادِ وعمّتِ الدعوةُ وانتشرتْ. انطلقَ عروجُ إلى بُجّايةَ في جمادى الآخرةِ 920هـ-أغسطس/آب 1514م بجيشٍ من عشرين ألفاً وأحاط بالمدينةِ، واشتبكَ معَ حاميَتِها في معاركَ ضاريةٍ، وفي الوقتِ نفسِهِ يدرسُ الموقعَ ويحاولُ اكتشافَ نقاطِ الضعفِ فيهِ، وبعدَ ثلاثةِ أشهرٍ ولمَّا عجِزَ عنْ فتحِهِ رجعَ إلى جيجلَ خلالَ نوفمبر/تشرين الثاني-رمضان ليُمْضِيَ الشتاءَ ويُعِيدَ تنظيمَ جيشِهِ وتموينِه. وتذكرُ مراجعُ أخرى أنَّ البحارةَ الأتراكَ بقيادةِ عُرُوجَ خرجُوا منْ جيجلَ كرةً أخرى ربيعَ عامِ 1515 قاصدينَ بُجّايةَ (ذكرَهَا "أحمدُ توفيقِ المدنيِّ" كمناوشةٍ ثالثة). قدّرتِ المراجعُ جيشّهُ البرّي بحوالي عشرينَ ألفاً، كما أمرَ عمارتَه البحريَّةَ بالتّوجُهِ إلَيْهَا أيضاً. التقتِ الحملتانِ البريّة والبحريّةُ شرقَ بُجّايةَ عندَ مصبِّ وادي الصومامِ وكانتْ مياهُهُ مازالتْ صالحةً للملاحةِ فاقتحمتْهُ السفنُ [يمتازُ القادسُ (بالإنجليزية: Galley)‏ (السفينةُ الرئيسيةُ المستخدمةُ في المتوسطِ) بكفاءةٍ برمائيةٍ عاليةٍ مقارنةً بغيرهِ بسببِ مرونتِهِ في المناورةِ وقلةِ عمقِ غاطسِه] لإحكامِ حصارِ المدينةِ منَ الجهاتِ كافّةً، وشرعَ بهجومٍ عامٍّ استمرتْ معاركُهُ أربعةً وعشرينَ يوماً. ولطولِ الحصارِ وشراسةِ المعاركِ نفدَ البارودُ منَ المجاهدينَ، وكانَ عُرُوجُ أرسلَ يطلبُهُ منْ سلطانِ تونسَ لكنَّ الأخيرَ ماطلَ بإرسالِهِ، ولذلكَ فكّّ الحصارَ وفشلِ تحريرُ بُجّايةَ للمرةِ الثانية. كانتِ النتيجةُ فقدانَ الإسبانِ حواليَ ألفَيْنِ بينَ قتيلٍ وأسيرٍ وجريحٍ، وفقدَ عُرُوجُ نحوَ ربعِ قوَّاتِه البريّةِ والبحريةِ واضطُرَّ إلى حرقِ سفنِهِ التي تَقَحَّمَ بِهَا وادي الصومام بسببِ جفافِ مياهِهِ، وعادَ بمنْ بقيَ منْ جيشِهِ برّاً إلى جيجلَ. تذكر مراجعُ أخرُ دوامَ الحصارِ ثلاثةَ أشهرٍ لأنَّ أربعةً وعشرينَ يوماً غيرُ كافيةٍ لجفافِ مياهِ النهرِ بهذا الشكلِ، لكنْ بالمقابلِ فإنَّ ثلاثةَ أشهرٍ وقتٌ طويلٌ كافٍ لكيْ يُسارعَ الإسبان لنجدةِ حامِيَتِهِمْ.

فتحُ قلعةِ بُجّايةَ

يذكرُ خيرُ الدينِ في مذكّراتِه أنهُ بعدَ تسعةٍ وعشرين يوماً على حصارِ بُجّايةَ وعدمِ تمكّنِهِمْ منها وصلتْهُمْ أنباءٌ عنْ تحركِ قُوّاتٍ إسبانيةٍ كبيرةٍ من جزيرةِ منورقة إلى بُجّايةَ، فانسحبُوا إلى جيجلَ، ثمَّ أبحرَ خيرُ الدينِ يترصّدُ هذهِ القوّاتِ، وعندما لاحتْ لهمْ وجدَها عشرَ سفنٍ مشحونةٍ بالأسلحةِ والمعداتِ، فشنَّ هجوماً عليها في معركةٍ كبيرةٍ أسفرتْ عنْ استيلائِه على جميعِ السفنِ، ولمْ يبقَ منَ الجندِ الإسبانِ على قيدِ الحياةِ سوى ثمانيةٍ وسبعينَ أُخِذُوا أسرى وقُيِّدُوا لِيعملُوا في التجديفِ، ثمَّ قامَ خيرُ الدينِ معَ خمسمئةِ بحارٍ بكمينٍ بواسطةِ السفنِ الإسبانيةِ، إذِ اتّجَهُوا بهَا إلى بُجّايَةَ حيثُ كانَ الإسبانُ ينتظرونَ المَدَدَ منْ منورقةَ، وعندَ دُنُوِّهِمْ منَ القلعةِ فتحَ الإسبانُ الأبوابَ وتَدَفّقُوا خارجاً لاستقبالِ السفنِ النجدةِ، فأمرَ خيرُ الدينِ بحارتَهُ بالإبرارِ إلى الساحلِ مضيفاً في مذكّراتِه أنَّ الإسبانَ عندَ سماعِهِم أصواتَ التكبيرِ والتهليلِ بُغِتُوا واضطرَبَتْ صفوفُهُم وَوَلَّوا مُنْهَزِمِين، فتمكّنُوا منْ فتحِ القلعة فيما راحَ الإسبانُ يطلبونَ الأمان. بعدَ الفتحِ وفدَ شيوخُ وزعماءُ المناطقِ المجاورةِ مبايعينَ خيرَ الدينِ، وانتصبَ عروجُ وخيرُ الدينِ ملكَيْنِ على البلاد. رجعَ خيرُ الدينِ إلى جيجلَ حيثُ كانَ عروجُ وهنّأهُ بالفتحِ. استطاعَ خيرُ الدينِ في هذهِ الحملةِ الاستيلاءَ على ثمانمئةِ برميلٍ منَ البارودِ (سُرَّ البحارةُ بالبارودِ بصفةٍ خاصةٍ إذْ لمْ يعدْ سلطانُ تونسَ يُزوِّدُهُمْ بِهِ، وَأضْحَى يُعرِضُ عنهُمْ)، وشيئاً كثيراً من الغنائم.(1) وتذكرُ المراجعُ أنَّ الإسبانَ استطاعُوا استردادَ بُجّايةَ في الحال. وبقِيَتْ حتى حرّرَهَا صالحُ ريِّسٍ عامَ 1555م أثناءَ ولايتِه.

وفودُ مدنِ الجزائرِ

بينما كان الأخوة عُرُوجُ وخيرُ الدينِ في جيجلَ وصلتْ وفودٌ عديدةٌ منَ المدنِ الجزائريّةِ تطلبُ منهم تحريرَ مدنِهِمْ منَ الاحتلالِ الإسبانيِّ ومنَ الأمراءِ المحليّين المتعاونينَ معهُمْ. وكانَ أهمُّها وفدُ مدينةِ الجزائرِ التي تُمَثِّلُ مركزَ البلادِ، طلبَ هذا الوفدُ منَ عُرُوجَ القدومَ إلى مدينةِ الجزائرِ لطردِ الإسبانِ والاستيلاءَ بالأخضِّ على "حصنِ البنيون" أو "حصنِ الصخرةِ" الذي قامَ هؤلاءِ ببنائِه سنةَ 916هـ/1510م على جزيرةٍ صخريةٍ تقعُ على مسافةِ ثلاثمئةِ مترٍ أمام مدخلِ ميناءِ الجزائرِ، وكانَ مصدرَ إزعاجٍ واعتداءاتٍ مستمرةٍ ضدَّ سكانِ المدينةِ، وكانَ تمركُزُهُمْ فيهِ مكّنهمْ منَ التحكمِ بمدخلِ الميناءِ، فشلُّوا الفعاليّاتِ البحريَّة من تجارةٍ وصيدٍ وتنقُّلٍ، وضيّقُوا على السكانِ وفرضُوا عليْهِمُ الضّرائب. وعليْهِ خلَّفَ عُرُوجُ أخاهُ خيرَ الدينِ على جيجلَ، وقرّرَ المسيرَ نحوَ مدينةِ الجزائرِ في خمسمئةِ بحارٍ حسَبَ مذكراتِ خيرِ الدينِ، وتذكرُ المراجعُ العربيةُ أنّه خرجَ برّاً في ثمانمئةِ بحارٍ وشحنَ ستَّ عشرةَ سفينةً بالمدفعيةِ والذخيرةِ وأرسلَهَا معَ نصفِ جنودِهِ، وفي طريقِهِ انضمَّ إليْهِ خمسةُ آلافٍ منْ مقاتلي القبائل. وتنصُّ مصادرُ أُخَرُ أنَّه خرجَ في ثمانمئةِ بحارٍ، وأرسلَ أخاه خيرَ الدينِ بثماني عشرةَ سفينةً تحملُ ألفاً وخمسمئةِ مقاتلٍ؛ إلا أنَّ هذا القولَ يتعارضُ معْ ما أورَدَهُ خيرُ الدينِ في مُذَكّراتِهِ منْ أنَّه بقيِ في جيجلَ. وتوجَّهَ عُرُوجُ إلى شرشالَ أولاً فَفَتَحَهَا، وتركَ فيها حاميةً لحراستِهَا. ترى بعضُ المصادرِ أنَّ مسيرَهُ إلى شرشالَ أولاً كانَ بغيةَ تأمينِ مكانٍ للالتجاءِ إليْهِ وقتَ الشدّةِ، أو أنَّه كانَ ينتظرُ وصولَ بعضِ المهاجرين الأندلسيّين لضمّهم إليْهِ، أو انتظاراً لأخيهِ خيرِ الدينِ بعدما أرسلَ لهُ بضرورةِ الالتحاقِ بِهِ، وربّمَا إشهاراً لحملتِهِ حتى يلتحقَ بهِ رجالُ القبائلِ، وبكلِّ الأحوالِ يكسبُ وقتاً كافياً لدراسةِ الموقفِ بوضوح. يُجمعُ المؤرخون أنَّ عُرُوجَ حينَ دخلَ مدينةَ الجزائرِ سنةَ 921هـ/1516م استقبلَهُ أعيانُهَا ووجهاؤُهَا وأعدادٌ غفيرةٌ من أهلِهَا استقبالَ الفاتحينَ المنقذين، ورحّبُوا بهِ ترحيباً حاراً.

عندما كانَ عُرُوجُ في طريقِهِ إلى مدينةِ الجزائرِ غادرَ خيرُ الدينِ جيجلَ إلى تونسَ، وقدْ ذكرَ في مذكّراتِهِ على أنَّ سلطانَ تونسَ جاهرَ بعداوَتِهِمْ، إلاّ أنَّهُ عنْدَمَا رأى خيرَ الدينِ مقبلاً إلى عاصمتِهِ خشيَ على نفسِهِ، وتظاهرَ بالثناءِ عليْهِم، واعتذرَ عنْ تقصيرِهِ في عدمِ تزويدِهِمْ بالبارودِ، ويذكرُ خيرُ الدينِ أنّهُ تظاهرَ بانخداعِهِ بكلامِهِ، وتجوّلَ معهُ في المدينةِ، ثمَّ عادَ إلى المرسى قبلَ أنْ يقْفلَ راجعاً إلى جيجلَ برفقةِ أخيهِ إسحاقَ بعْدَمَا وجّهَ رؤساءَ البحرِ ومنهم بعضُ الرؤساءِ المشاهيرِ مثلُ: "كوردوغلو مصلح الدين ريس" و"دلي محمد ريس" بالتوجهِ للغزوِ في شرقِ المتوسطِ ونواحي قبرصَ فخرجُوا في سبعِ قطعٍ بحريةٍ، وصادفُوا في طريقِهِم بينَ قبرصَ ومصرَ الأسطولَ العثمانيَّ فتبعوهُ حتى دخلُوا ميناءَ الإسكندريةِ، وفي الأثناءِ كانَ السلطانُ سليمٌ الأولُ مُعسكِرَاً في القاهرةِ بعدَما أتمَّ فتح مصر. قابلَ السلطانُ سليمٌ بمصلحِ الدينِ واحتفى بهِ، وأمدَّهُ بعددٍ كبيرٍ من الجندِ وكميةٍ وفيرةٍ من معداتِ الحربِ، ليعودَ بها إلى الجزائر. والحقُّ إنَّ إرسالَ خيرِ الدينِ جزءاً من أسطولِهِ للغزوِ شرقَ المتوسطِ (وقد كانَ بإمكانِهِ الغزوُ غربَ المتوسطِ وبذا يبقى قريباً وجاهزاً للتدخلِ في أقربِ وقتٍ) في حين إنَّ جيشَهُ موزعٌ ما بينَ جيجلَ ومدينةِ الجزائرِ وعلى أبوابِ فتحٍ كبيرٍ مدعاةٌ للتساؤلِ، إلاّ أنْ يكونَ -وهوَ الأرجحُ- اتّفقَ معَ أخيهِ عُرُوجَ على إرسالِ بعثةٍ سرّاً إلى السلطانِ العثمانيِّ -وهو بعدُ في مصرَ- لطلبِ الإمدادِ بالعتادِ -وهو ما يحققُ لهما الاستقلالَ عن معونةِ صاحبِ تونسَ- وربّمَا ترتيبِ أمورٍ أبعدَ مدىً كإعلانِ الجزائرِ ولايةً عثمانيةً مثلاً، وذلكَ منْ دونِ إثارةِ حفيظةِ السلطانِ الحفصيِّ في تونسَ وقدْ تَوَجَّسُوا منه وتَوَجّسَ منهم وبدا منهُ الجفاءُ منذ الاحتفالِ البالغِ برسالةِ سليمٍ الأولِ وهداياه، وهذا ما يُفسِّرُ زيارةَ خيرِ الدينِ الوديَّةَ إليهِ ريثما تظهرُ نتيجةُ البعثةِ السريّةِ.

عُرُوجُ حاكماً على مدينةِ الجزائرِ

    كانتْ مملكةُ تِلِمْسانَ غربيَّ الجزائرِ يحكمُها بنو زَيَّان الذينَ قبِلُوا بالرضوخِ تحتَ الحمايةِ الإسبانيةِ، وسنةَ 923هـ/1517م ثارَ الأهالي على السلطانِ أبو حمو موسى الثالثُ فولَّى هارباً، وأرسلُوا إلى عُرُوجَ يبايعُونَه ويدعونَهُ إلى تِلِمْسانَ. سُرّ عُرُوجُ لانضمامِ أهالي تِلِمْسانَ له دونما قتالٍ، مثلما أحدثتْ دعوتُهمْ لعُرُوجَ هلعاً كبيراً للإسبانِ لأنها عنتْ مدَّ نفوذِهِ إلى حدودِ مملكة فاس. أرسلَ عُرُوجُ يأمرُ بقطعِ جميعِ العلاقاتِ معَ وهرانَ حيثُ كانتِ الحاميةُ الإسبانيةُ الرئيسةُ، وفيها يقيم القائدُ الإسبانيُّ الأعلى في إفريقيا، ثمَّ توجَّهَ إلى تِلِمْسانَ بقواتهِ بعدما تركَ خيرَ الدينِ ينوبُ عنهُ في الجزائرِ. في طريقِهِ واجهَ جيشاً من ثلاثةِ آلافِ جند

    Source: wikipedia.org