If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
لعل ما يوحد كتاب "سارق الكحل" وقصصه الأربعة هو حدوثها في بيئة فقيرة ومعاناة أبطالها من تقلبات الدهر وتبعات العيش في مثل تلك البيئات. فمجددًا يرسم يحيي حقي بيئة فقيرة كخلفية للوحته الرابعة " الفراش الشاغر". فقد كان شارع الريحان شارع فقير يعيش أهله حياة بسيطة تفتقر إلى أبسط مسببات الحياة وضرورياتها. وقد أسهب يحيي حقي في وصف ذلك الشارع ليمعن في إيضاح فقر أهله. فقد كانت لافتات دكاكينه متهالكة يغطيها التراب، والحمير التي تجر عربات الكارو يحيط بها الشقاء والغم مثل شكان شارع الريحان، بل أوضح يحيي حقي كيف أن سكان هذا الشارع كان يتناولون طعامهم مهروسًا خليطًا من اللحوم والخضراوات، تعمق يحيي حقي في وصف معانات سكان شارع الريحان ليس فقط معاناتهم المادية، يل وأيضًا النفسية. فقد أوضح كيف أن نفوسهم ضاقت بالحياة وأصابهم أخطر انواع امراض النفس وأذمها وهو البخل. فهم يبخلون على غيرهم، بل وعلى أنفسهم. ومن جلّ معاناتهم نفسوهم أقرب إلى الكفر منها إلى الإيمان. إتضح هذا في قول يحيي حقي: "إن الوضع متعب، والتعب أوسع أبواب الكفر". فقد فَقَدَ سكان شارع الريحان كل المعاني الروحية وأصبحوا يرون الحياة عبثية، فأصابهم داء البخل. فهم يبخلون خوفًا من ذهاب ما يملكون وهو قليل ثم لا يأتي غيره. فقد أصبح العيش عندهم عبثيا شبهه يحيي حقي ب: " خط أفقي أبيض مستقيم ترسمه نقط سود متشابهة ضاع لونها من شدة تلاحمها". تعمق يحيي حقي بعد ذلك في وصف القيم الأسرية. فمن جديد يعرض يحيي حقي إيمانه الشديد بدور الأسرة في تشكيل الفرد النابت بها و كونها بالفعل نواة المجتمع. فقد وضح كيف أن طريقة مناداة أفراد الأسرة لبعضهم البعض خارجة عن المعتاد،" فالزوج ينادي أمرأته بيا أمي وهي تناديه بيا أبتي ويناديان أبنهما الوحيد بيا أخانا، والابن ينادي أمه بيا عروستي" ، ثم يوضح العلاقة المتدهورة بين الابن وأبيه، فهو لا يناديه ويتحدث عنه بصيغة الغائب "هو"، بل وعندما تتلاقى نظراتهما صدفةً تكون نظراتهما متوجسة، إلا أنه وعلى سبيل الندرة يتبادلان الابتسامة أحيانا. ثم مع تطور الأحداث ينطرق يحيي حقي إلى قضيتين هامتين بالتزامن مع بعضهما. فقد عرض كيف ان البطل لم يكن يدرك ما يريده من الحياة، فلم يضع هدفًا أمامه مما أدى به إلى التنقل من كلية التجارة إلى الاداب إنتهاً بالحقوق غبر آبه بالسنوات التي قضاها في كلٍ منهم دون إستكمال ما بدأه. أما القضية الأخرى التي عرضها يحيي حقي التزامن مع ذلك هي عبثية مناهج التعليم فقد أوضح كيف أن كلية التجارة تضج بمليات الجمع والطرح دون تنويع ضروري لإتقان تجارة الأعمال، ثم انتقد كلية الأداب قائلًا " إذ وجد عيار عقله ولسانه قد انفلت وأخذ يشقشق بثرثرة فارغة" ولكن يحيي حقي لم ينتقد كلية الحقوق بل انتقد القانون نفسه، قائلاً " القاضي لا يحكم بعلمه حاشا وكلا، بل من الورق، فالورق أبين من الحقيقة، الصدق عنده كالكذب مرفوض إلا إذا دعمه دليل لم يجد من يكشف زيفه" وفي هذا الصدد وضع خروج القانون عن شريعة الحياة وعدم شيرها وفقًا لقوانينها بل هو قوانين موضوعة، ولعل البطل الذي يجد الحياة عبثية سعد باكتشاف ما لا يسير وقفنصا لقوانينها وهو القانون. ثم جاءت المرحلة الثانية في حياة البطل، فقد قرر الزواج وفاجئ يحيي حقي قراءه باختيار البطل لأرملة مات زوجها مقتولا بسبب ثأر بعد أسبوعٍ فقط. ومجددًا أحب القارئ فعل شيء غريب متمرد على قوانين الطبيعة والتقاليد التي كان يراها عبثية بلا معنى. فقد "داس بقدميه في طريقه إليها كل التقاليد التي اخترعها الإنسان للظفر بزوجة" ولعل سببه الثاني في هذا الزواج هو رغبته فإمتاع نفسه دون ان تنتظر منه تلك الأرملة شيءًا أو تطلب أمرًا، و هذا امتدادا لبخله. ولكن لم ينل ما تمانه فعصف هذا بزواجه. ولعل هنا يحيي حقي أشار إشارة ليست واضحة إلى بخل الرجل على زوجته بالسعادة والمتعة و انانيته فحياته مع زوجته، وإن كان الكاتب قد خص الأرملة إذ يشعر الزوج أنه تفضل عليها بما فيه الكفاية عندما تزوجها بعد موت زوجها، فلا يراعيها ولا يفكر بها وباحتياجاتها كإنسانة و زوجة. ثم جاءت المرحلة الثالثة في حياة البطل لتكون أغرب مرحلة مر بها في حياته، فقد تعرف على صبي الحانوتي الذي أخذه إلى تغسيل الجثث الأمر الذي أثار بداخله العديد من التساؤلات عن الحياة، وعن كان الجميع كالجثث فعلا ولكن يتحركون وهم موتى من داخلهم، وأخذ يتساءل عن نهايات الجثث المختلفة، وإن كان رحيلهم عن الدنيا شوقا لله أم ضيقًا بالدنيا.