If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
أما الاهتمام بالمسألة التركية بصفة عامة داخليا وخارجيا، عربيا ودوليا، فازداد منذ سقوط الخلافة وقيام الجمهورية التركية سنة 1924، ولا يزال هذا الاهتمام بارزا وحاضرا إلى وقتنا الحالي.
قبل الحرب العالمية الأولى كان في تركيا تيار من المسلمين يشعر بأنه يعيش في ظل دولة إسلامية، رغم ضعف هذه الدولة، واختلاف تقييم هذا التيار لها.
ورغم أن أفرادًا من هذا التيار ومعهم مجموعة من المسلمين كانوا يعتقدون أن هذه الدولة هاضمة لحقوقهم، فإنهم كانوا يتجهون بأبصارهم إلى إصلاحها، عكس التيار العلماني المغترب الذي اخترق النخبة العثمانية، مدنييها وعسكرييها، منذ بداية القرن التاسع عشر الميلادي بفكره الفلسفي ومظاهره الأوروبية، والذي كان يسعى جاهدًا إلى تقويض بنيان هذه الدولة التي لم تعد في نظره قادرة على الإمساك بمقاليد البلاد.
هكذا برز في أواخر عهد الدولة العثمانية صراع قوي بين تيارين: تيار علماني حمل على كاهله الدعوة إلى الالتحاق بالغرب والتماس طريقه، وتيار مثلته شريحة عريضة من الشعب التركي وعلى رأسها العلماء وزعماء الطرق الصوفية أطلق عليهم فيما بعد اسم "التيار الإسلامي"، و"الإسلاميون الأتراك" وعلى جزء منه اسم "الحركة الإسلامية التركية"، هذا التيار هو الذي أخذ على كاهله مهمة الدفاع عن الإسلام.
ويرى الكاتب المغربي أن "الانتصار" في الشوط الأول من الصراع الذي بدأ بين التيارين منذ تلك الفترة -ولا يزال مستمرا– كان لصالح الحركة الكمالية العلمانية عقب حرب الاستقلال، وتكون الجمهورية التركية العلمانية بمبادئها القائمة كلية وصراحة على إلغاء دور الإسلام.
ولقد كان مصطفى كمال أتاتورك صريحا في تأكيد ذلك حينما ذكر في مجلس الأمة التركي أن هذه الدولة "لم تعد تأخذ مثالها من الغيبيات، ولم تعد تأخذ قوانينها مما يظن أنها كتب جاءت من السماء".
أما الشوط الثاني بين هذين التيارين فقد أخذ الصراع فيه معالم أخرى دلت في مجموعها على بداية رجحان كفة الانتصارات لصالح التيار الإسلامي.
لم يكن التيار الإسلامي في تركيا أو الإسلاميون الأتراك -حسب بووانو- نبتة دخيلة على التربة التركية ولا نتيجة ظروف طارئة أو بسبب معادلات خارجية.. حتى يستغرب البعض اليوم سر وجود هذا التيار في ظل الدولة التركية الحديثة، وسر نجاحاته وصعود نجمه السياسي في الآونة الأخيرة.
فوجه الاستغراب، يقول الكاتب، ينبغي أن يتوجه إلى البحث عن سر وجود خصمه، وهو التيار العلماني، في بيئة ومجتمع غالبيته مسلمة، ظلت تدين بالإسلام عبادة وسلوكا لعدة قرون.
للإجابة على هذا الاستغراب قام الدكتور إدريس بووانو بإلقاء نظرة تاريخية للبحث في جذور التيار الإسلامي التي تمتد إلى الدولة العثمانية، وفي حقيقة الملابسات والظروف التي رافقت ظهور خصمه وهو التيار العلماني في أخرى ات الدولة العثمانية، واشتداد معركته معه بعيد ذلك وإلى يومنا هذا.
فقد حملت النخبة المدنية من المثقفين العثمانيين والنخبة العسكرية من الضباط العسكريين الذين استكملوا تعليمهم في المدارس العسكرية الأوروبية، على كاهلها مهمة تثبيت أركان الدولة العلمانية، فقامت بدور ولو محدود في بروز ديناميكية وحركية التيار الإسلامي بمختلف شرائحه اتجاه ما سعت "الإصلاحات" الكمالية لتحقيقه من أهداف كلها كانت تروم التضييق على النشاطات الإسلامية واجتثاث كل المظاهر الدالة عليها.
ممارسات التيار العلماني أثناء تطبيقه "للإصلاحات" الكمالية وقبلها -منذ أن أصبحت حركة الاتحاد والترقي وتركيا الفتاة متنفذتين في البلاد- تسببت في حدوث أثر شديد وبليغ على المسلمين.
فقد اتخذت هذه الممارسات في بداياتها شكل معاداة للدين، وعقب ذلك ظهر رد الفعل الإسلامي في شكل تجمعات دينية، خاصة مع سقوط الخلافة الذي ترك في نفوس المسلمين جرحا كبيرا لم يندمل رغم مرور العقود.
لقد ظلت مع هذا السقوط المفاجئ لرمز إسلامي -مكث شامخا عدة قرون- مجموعة من الأسئلة تراود الكثير من المسلمين، أسئلة ولدت لدى بعضهم، بل الكثير منهم ضرورة الالتفاف حول رمز ما، فهرعت كل جماعة وفئة تلتف حول كبير لها، وتعتبره رمزا للخليفة.
وهكذا أصبحت كل جماعة يتعاظم شأنها، ويكثر أتباعها ومريدوها، تحدث كيانا مستقلا، لتشكل مجتمعة ما سمي بـ"التيار الإسلامي". وسيضطلع كل مكون فيه بمهمة مواجهة الممارسات العلمانية التي رافقت "الإصلاحات" الكمالية انطلاقا من رؤية كل منها إلى الواقع وسبل التصدي لانحرافاته.
لم يكن صراع التيار الإسلامي مع التيار العلماني بنخبتيه العسكرية والمدنية صراعًا عاديًا، بل كان صراعا عنيفًا وقويًا، أملت تفاعلاته قدرا كبيرا من التأثير والتأثر، وتركت هذه التفاعلات بصمات واضحة على مسيرة التيار الإسلامي الذي عرف تحولات هامة في مسيرته.