If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
عمد السُلطان مُحمَّد الثاني قبل هجومه على القسطنطينيَّة إلى عقد مُعاهداتٍ مع أعدائه المُختلفين ليتفرغ لعدوٍ واحد، مُستغلًّا إهمال الإمبراطور البيزنطي المُحافظة على تحالُفاته مع الغرب ومُواصلاته بالجنوب، فكانت عاقبة خطأه أن تمكَّن السُلطان من عزله، فوقَّع مُعاهدةً مع جمهوريَّة البُندُقيَّة يوم 13 شعبان سنة 855هـ، المُوافق فيه 10 أيلول (سپتمبر) سنة 1451م، وتفاهم مع حاكم مملكة المجر يوحنَّا هونياد في شهر شوَّال، المُوافق لشهر تشرين الثاني (نوڤمبر) من نفس السنة، فتعهَّد له بأن يمتنع عن مُساعدة حاكم الأفلاق ضد المجر وعن إنشاء الحصون على نهر الطونة (الدانوب)، مُقابل سلم وأمان بين الطرفين. وصادق في الوقت نفسه جمهوريَّة جنوة وراگوزة وفُرسان القدّيس يوحنَّا، غير أنَّ موقف الجنويين كان مُذبذبًا، إذ في الوقت الذي تظاهروا فيه بالوقوف على الحياد أو الإخلاص للعُثمانيين، كانوا يُرسلون جُنودهم سرًّا إلى القسطنطينيَّة للدفاع عنها، كما أنَّ باقي المُعاهدات بين السُلطان والحُكومات الأوروپيَّة سالِفة الذِكر لم تصمد حينما بدأ الهُجوم الفعلي على القسطنطينيَّة، حيثُ وصلت قُوَّات من تلك المُدن وغيرها للمُشاركة في الدفاع عن المدينة. إلى جانب تلك المُعاهدات، أرسل السُلطان قوَّةً عسكريَّةً إلى المورة لفتحها ومنع أميريها طوماس وديميتريوس الروميين من مُساعدة الإمبراطور قسطنطين، وبهذا يكون قد عزله سياسيًّا عن العالم الغربي. أمَّا في آسيا الصُغرى فقد أخضع القرمانيين، ما قضى على كُلِّ أملٍ في تحالُفٍ بيزنطي قرماني.
تعكَّر صفو العلاقة بين العُثمانيين والبيزنطيين عندما أمر السُلطان بإلغاء الرَّاتب المُخصص للشاهزاده أورخان ردًّا على استفزاز الإمبراطور وتهديده بإطلاق سراح هذا الأخير، وسعيًا منه بإيجاد سبب لفتح باب الحرب على الروم، وراح يتجهَّز لِحصار القسطنطينيَّة والقضاء على هذه المدينة التي ما فتئت مُنذُ القِدم تُهدد المُسلمين بين الحين والآخر، على الرُغم من المُعارضة الحذرة من جانب الصدر الأعظم خليل جندرلي باشا وفريق عمله، وشعر الإمبراطور البيزنطي بما يُعدُّه السُلطان، فتملَّكهُ الهلع، وراح يستعد هو الآخر للمواجهة. وأقدم مُحمَّد الثاني على خطوةٍ تمهيديَّةٍ، فأنشأ قلعةً جديدةً هي قلعة «روملّي حصار»، على الشاطئ الأوروپيّ إلى جوار القسطنطينيَّة، على بُعد نحو ستَّة أميالٍ منها، مُقابل قلعة أناضولي حصار التي بناها السُلطان بايزيد الأوَّل على الشاطئ الآسيوي في أضيق نُقطة من مضيق البوسفور (حيثُ ينخفض العرض إلى 660 متر)، ما جعل العُثمانيين يُسيطرون على المضيق ويُراقبون السُفن الآتية من البحر الأسود. وبذلك يكون السُلطان قد كسب موقعًا استراتيجيًّا واقتصاديًّا يحولُ دون وصول المدد من مملكة طرابزون عن طريق البحر المذكور، وبالتالي عزل القسطنطينيَّة اقتصاديًّا، كما أراد أن تكون القلعة قاعدةً لأعماله العسكريَّة في أوروپَّا ومُستودعًا للزاد والعتاد.
تمَّ بناءُ هذه القلعة في زمنٍ قياسيٍّ (ثلاثة أشهر)، ولمَّا اكتملت بلغ ارتفاعها 82 مترًا واشتملت على 3 أبراج ارتفاعُ كُلٍّ منها 7026 مترًا، وشغلت مساحة 250,30م2، وكان تصميمها على شكل تخطيط اسم نبيِّ الإسلام: «مُحَمَّد»، وسُمِّيت أيضًا «بوغاز کسن حصاری»، أي «القلعة قاطعة المضيق»، وبعد الانتهاء منها ومن إجراء جميع التحكيمات اللازمة، عاد السُلطان إلى عاصمة مُلكه أدرنة في أوَّل شهر أيلول (سپتمبر) سنة 1452م. كان بناءُ القلعة بمثابة النقطة الحرجة التي وصلت إليها العلاقة السلميَّة بين الطرفين، ورأى السُلطان في بناء هذه القلعة مُقدِّمة لإسقاط المدينة، وقد أدرك الإمبراطور ذلك، فأرسل سفيرين إلى السُلطان في أدرنة للاحتجاج، لأنَّ بناء القلعة بنظره يعني خرق السُلطان للمُعاهدة التي سبق أن عقدها والده مُراد مع الإمبراطور البيزنطي، ونصَّت على عدم قيام العُثمانيين ببناء تحصينات على الساحل الأوروپيّ للبوسفور، إلَّا أنَّهُ لم يكن يأمل في تلقّي جوابٍ مُطمئن، وعندما عاد سفيراه بعد أسبوع تحقَّقت مخاوفه، ذلك أنَّ السُلطان أبدى عدم اكتراث، وبيَّن بصورةٍ قاطعة أنَّهُ لم يخرق أيةُ مُعاهدة، وأنَّهُ رجلُ سلام، وبالتالي فإنَّ ما قام به تطلَّبتهُ سلامة دولته وجيشه وشعبه، وأنَّهُ لم يستهدف نُشوب الحرب. نتيجةً لردِّ السُلطان قرَّر الإمبراطور العمل على إيقاف أعمال بناء القلعة، فحذَّرهُ رجال بلاطه أنَّ هذا لا يعني سوى الإسراع في إعلانِ حربٍ غير مُتكافئة، وكان الإمبراطور يُدركُ ذلك، إلَّا أنَّهُ اعتقد أنَّ لا قيمة لتأجيل الحرب. وتبادل العاهلان الرسائل بشأن تبريد حِدَّة المُواجهة، لكن تمسَّك كُلًّا منهما بوجهة نظره قضى على فُرص التفاهم، وفعلًا أدّى اعتراضه على أعمال بناء القلعة إلى نشوبِ الحرب لاحقًا.
كان الإمبراطور البيزنطي واقعيًّا حين أقنعته المحنة أنَّ الأُخوَّة المسيحيَّة والتعاون الأرثوذكسي - الكاثوليكي هو أحد الوسائل الأساسيَّة لإنقاذ العاصمة من خاتمةٍ مُروَّعة، وأدرك أنَّ الأسوار السميكة والسلسلة الحديديَّة الغليظة الطويلة، التي أغلقت مدخل القرن الذهبي، وعزيمة الرجال وحملة إنقاذ من أوروپَّا الغربيَّة؛ هي التي يُمكن أن تدفع المُسلمين بعيدًا عن أسوار القسطنطينيَّة، لذلك طلب النجدة من أوروپَّا على وجه السُرعة، لكنَّ الرد الأوروپيّ جاء مُتفاوتًا وفقًا لمصلحة كُلِّ دولة. فلبّى أهالي جنوة طلبه، وأرسلوا أُسطولًا بحريًّا تحت أمرة يوحنَّا جوستنياني للمُساعدة في الدفاع عن المدينة، كما قدَّم الجنويّون المُقيمين في مُستعمرة غلطة المُجاورة، أربعة آلاف مُقاتل، لم يكن هدفهم الحقيقي مُساعدة الروم بقدر ما استهدفوا سبق البنادقة، في حال النصر. وكان في المدينة حوالي ألفٍ وستُّمائةٍ من البنادقة وغربيّون آخرون يعيشون فيها، وقد عدُّوا هذه الحرب على أنَّها حربهم. وأبدى البابا نقولا الخامس استعداده للمُساعدة، شرط أن تتحد الكنيستان الشرقيَّة والغربيَّة. وافق قسطنطين على هذا الشرط، على الرغم من عمق جُذور العداوة التاريخيَّة بين الأرثوذكس والكاثوليك، ورُغم أنَّهُ كان هو نفسه حاميًا للمذهب الأرثوذكسي وحاميًا للبطريرك المسكوني، ومن ثُمَّ فإنَّه من غير المُمكن أن يتبع بابا روما من الناحية المذهبيَّة. لكن رُغم ذلك، حاول الإمبراطور إظهار إيجابيَّته للبابا، فقبل أن يُرسل الأخير مندوبًا عنه إلى القسطنطينيَّة ليُتمَّ إجراءات الاتحاد، وبالفعل أرسل البابا الكاردينال إيزيدور إلى عاصمة الروم الشرقيَّة حيثُ ترأّس قدَّاسًا احتفاليًّا في كاتدرائيَّة آيا صوفيا وفقًا للأصول الكاثوليكيَّة يوم 20 ذي الحجَّة سنة 855هـ المُوافق فيه 12 كانون الثاني (يناير) سنة 1452م، دعا فيه للبابا وأعلن توحيد الكنيستين. ويبدو أنَّ الشعب البيزنطي اشمأزَّ مما حصل، إذ قال رئيس الوزارء البيزنطي الأرشيدوق نوتاراس جُملته التاريخيَّة، مُعبرًا عن هذا الشعور: «إنَّني أُفضِّلُ أن أُشاهِدَ في دِيارِ البيزنطِ عَمائِمَ التُركِ على أن أُشاهِدَ القُبَّعةَ اللَّاتينيَّة». وهكذا حال تعصُّبُ الشعب دون تقديم المُساعدة البابويَّة. أمَّا الدُول الأوروپيَّة الأُخرى فلم تُحرِّك ساكنًا لمُساعدة الروم، فقد كانت كُلًّا من إنگلترا وفرنسا مُنهكتين ومواردهما مُستنزفة بفعل حرب السنوات المئة، وكانت إسپانيا في آخر مراحل حربها مع المُسلمين لإخراجهم من الأندلس، وكانت رُحى حربٍ مُميتةٍ تدور بين الإمارات الألمانيَّة، ولم ترغب المجر وبولونيا (پولندة) من تكرار تجربتها المريرة مع العُثمانيين في معركة ڤارنا.
وكتب قسطنطين أيضًا إلى مُلوك وأُمراء وسلاطين الشرق المُسلمين منهم والنصارى، مُبينًا لهم الخطر الذي يتهدَّدهم نتيجة نموِّ الدولة العُثمانيَّة وتزايد قوَّتها. فطلب من ملوك طرابزون والكرج وفُرسان القديس يوحنَّا وأمير القرمان وشاه فارس وسُلطان مصر أن يمدوه بالعون، لكن أحدًا من هؤلاء لم يُجب دعوته، فاضطرَّ البيزنطيّون عندئذٍ أن يُدافعوا بأنفسهم عن عاصمتهم. والواقع أنَّ الإمبراطور البيزنطي كان بحاجةٍ ماسَّةٍ إلى القوَّة البشريَّة، فلم يترك سبيلًا إلَّا وسلكه للحصول عليها، لكن الدُول الأوروپيَّة والبابويَّة لم تكن على قدر المسؤوليَّة، بفعل اختلاف السياسة الدينيَّة. أمَّا الشعب البيزنطي فكان في تخاذلٍ مُستمر، إذ تعوَّد على الحياة الهادئة، ولم يقتنع الكثير من الناس بإمكانيَّة تخطّي أيُّ جيشٍ تلك الأسوار العظيمة التي حمت المدينة من الغُزاة طيلة قرونٍ وقرون، وانصرف العديدون إلى سماع مواعظ الرُهبان المؤمنين بأنَّ مُعجزةً سوف تحصل وتدفع المُسلمين بعيدًا عن المدينة المُقدَّسة.
قضّى السُلطان مُحمَّد الثاني شتاء سنة 1452-1453م في أدرنة يستعد للفتح الكبير المُنتظر، فجمع جيشًا جرَّارًا كان أحد أضخم جيوش ذلك الزمن، وتُشيرُ وثائق الأرشيف العُثماني أنَّ عدد أفراد الجيش تراوح بين 50,000 و80,000 نفر، كان منهم ما بين 5,000 و10,000 إنكشاريّ، وهم خيرة المُشاة العُثمانيّين، بالإضافة إلى مُشاةٍ آخرين نظاميّين ومُرتزقة، والفُرسان السپاهیَّة، وآلاف الجُنود المسيحيّين من الإمارات البلقانيَّة الخاضعة للتاج العُثماني، بما فيهم حوالي 1,500 فارس صربي أرسلهم حاكم الصرب جُريج برانكوڤيتش كجُزءٍ من التزامه بمُساعدة السُلطان عند الحرب، رُغم أنَّه كان قد أرسل أموالًا قبل بضعة أسابيع إلى الإمبراطور البيزنطي للمُساهمة في إعمار وتقوية أسوار القسطنطينيَّة. بالمُقابل، يُشيرُ الغربيّون الذين عاصروا ذلك الحدث إلى أرقامٍ أعلى بكثير مما نصَّت عليه المصادر العُثمانيَّة، فقد أشار الطبيب البُندقي نقولا باربادو إلى 160,000 جُندي عُثماني، وأشار التاجر الفلورنسي يعقوب تيدالدي والمؤرِّخ الرومي جرجس سفرانتزس إلى 200,000 جُندي، بينما قال الكاردينال إزيدور ورئيس أساقفة ميتيليني ليوناردو دي چيو أنَّ عدد العساكر العُثمانيَّة وصل إلى 300,000 عسكريّ. كما عمد السُلطان إلى جمع أحدث الأسلحة المعروفة في ذلك الزمن، وأهمَّها المدافع التي أمر بسبكها بأقطارٍ لم يُسبق أن شوهدت من قبل، ومدافع الهاون التي استُعملت لأوَّل مرَّة في التاريخ، ومنها مدفعًا ضخمًا جدًا عُرف باسم «المدفع السُلطاني» أو «المدفع الشاهاني»، وهو من صُنع مُهندسٍ مجريّ (أو ألماني) يُدعى أوربان عرض على السُلطان أن يصُبَّ له مدفعًا هائلًا يقذفُ قذائف هائلة تكفي لتهدم أسوار القسطنطينيَّة، فاستهوت السُلطان الشَّاب هذه الفكرة، فأمر بتزويد المُهندس بكُلِّ ما يحتاجه من معدات، ولم تمضِ ثلاثة أشهر حتى تمكَّن أوربان من صنع مدفعٍ عظيم لم يُر مثله قط، فقد كان يزن 700 طن، وبلغ طوله 27 قدمًا (8.2 متر)، ويرمي بقذائف زنة الواحدة منها 600 رطل (272 كيلوگرامًا) والبعض قال 12 قنطارًا (3000 كيلوگرامًا)(1)، ويحتاج جرُّه إلى 100 ثور يساعدها مائة من الرجال، وعند تجربته بحضور السُلطان سقطت قذيفته على بُعد ميل (1.6 كيلومترات)، وسمع دويه على بعد 13 ميلًا، وأحدثت قذيفته الحجريَّة عند سقوطها حُفرةً بعمق قولاج (مسافة ما بين اليدين إذا فُتحتا بشكلٍ مُستوٍ)، وارتكزت في التُراب اللّيِّن وبقيت فيه.
إلى جانب القوَّات البريَّة، شيَّد السُلطان أسطولًا كبيرًا لفرض الحصار على القسطنطينيَّة، وهي المدينة المكشوفة على البحر من ثلاث جهات ولا يُمكن أن يكتمل حصارها دون السُفن الحربيَّة، واستعان ببحَّارة وقباطنة مُسلمون ومسيحيّون لقيادة تلك السُفن، وكان أبرزهم يونانيّون من أبناء مدينة گاليپولي. تراوحت أعداد السُفن العُثمانيَّة حسب الشهود المُعاصرون بين حوالي 100 (رواية يعقوب تيدالدي)، و145 (رواية نقولا باربادو)، و160 (رواية أوبرتينو پوسكولو)، وما بين 200 و250 (رواية الكاردينال إيزيدور وليوناردو دي چيو)، و430 (حسب رواية جرجس سفرانتزس). أمَّا التقديرات المُعاصرة فتُشير إلى 126 سفينة تتألَّف من 6 غلايين ضخمة، و10 غلايين عاديَّة، و15 غليونًا أصغر حجمًا، و75 قادسًا (سفينة مجاذيف) كبيرًا، و20 ناقلةً تسيرُ بقوَّة الأحصنة. هذا وقد اعتنى السُلطان مُحمَّد بإعداد الجنود إعدادًا معنويًّا قويًّا وغرس روح الجهاد فيهم، وتذكيرهم بثناء الرسول مُحمَّد على الجيش الذي يفتح القسطنطينيَّة وعسى أن يكونوا هم الجيش المقصود بذلك، مما أعطاهم قوة معنويَّة وشجاعة كبيرة.
كانت قوَّة الروم المُدافعة عن المدينة صغيرةً للغاية؛ بلغ إجمالي حجمها 7,000 رجل، منهم 2,000 أجنبي، وقد تسلَّحوا بمدافع بدائيَّة ورماح وقسيّ وسهام وسيوف، وعند ضرب الحصار على المدينة بلغ تعداد قاطنيها حوالي 50,000 نسمة بما فيهم النازحون واللاجئون من المناطق والمُستعمرات المُجاورة. وكان هُناك بعض التُرك المُرتزقة الذين يعملون لصالح الإمبراطور، إلى جانب الشاهزاده أورخان چلبي ورجاله، الذين تولّوا مُهمَّة الدفاع عن إحدى الجهات البحريَّة للمدينة. كما لجأ الإمبراطور إلى سلاح الرِشوة، فحاول رشوة بعض مُستشاري السُلطان ليؤثروا على قراره، لكنَّ كُل ذلك لم يُجديه نفعًا في نهاية المطاف. وكان هُناك أسطولًا صغيرًا يرسو في مياه القرن الذهبي يتكوَّن من 26 سفينة: 5 من جنوة، و5 من البُندقيَّة، و3 من كريت، وسفينةً واحدةً من أنكونا، وأُخرتان من أراگون وفرنسا، وحوالي 10 سُفن روميَّة.
استمرَّ البيزنطيّون يُحاولون هدم قلعة روملّي حصار، وداوموا الإغارة على عُمَّال البناء، فتطوَّرت الأمور إلى مُناوشاتٍ بينهم وبين الجُنود العُثمانيّون كان من نتيجتها أن أخذ هؤلاء يُغيرون على بعض قُرى الروم المُجاورة. فوجد السُلطان الفُرصة سانحة، فأعلن الحرب رسميًّا على الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة، فما كان من الإمبراطور الروميّ إلَّا أن أغلق أبواب مدينته الحصينة، واعتقل جميع المُسلمين الموجودين داخل المدينة، وبعث إلى السُلطان مُحمَّد رسالة يُخبرهُ أنَّهُ سيدافع عن المدينة لآخر قطرة من دمه، وأخذ الفريقان يتأهَّب كُلٌ منهما للقاء المُرتقب.
كانت أدوات الحصار العُثمانيَّة من الضخامة بحيثُ ينبغي أن تُجرّ على طريقٍ مُستوية، إذا يصعبُ كثيرًا نقلها فوق التلال والهِضاب، لذلك أمر السُلطان بتسوية طريق أدرنة - القسطنطينيَّة بمعرفة 200 عامل يُشرف عليهم 50 عاملًا ماهرًا، وما أن تمَّ ذلك في شهر شُباط (فبراير) سنة 1453م، أخرج العُثمانيّون المجانيق وأكباش الدَّك والمدافع بما فيها المدفع السُلطاني الكبير يجُرّه 60 ثورًا يقف على جانبيها 400 جُندي (200 جُندي في كُلِّ جهة لتأمين عدم التزحلق والميلان)، وبقي أوربان في أدرنة يعمل على صب المزيد من المدافع للجيش. وصل المدفع على بُعد 5 أميال من الأسوار الثيودوسيوسيَّة للمدينة (الأسوار الوحيدة التي تُحيطُ بها من جهة البر) في شهر آذار (مارس) من نفس السنة، وكان على رأس الفرقة العسكريَّة تلك قره جه باشا، الذي استولى ومعه حوالي 10,000 جُندي على القصبات البيزنطيَّة المُجاورة. تحرَّك السُلطان من أدرنة يوم 13 ربيع الأوَّل سنة 857هـ المُوافق فيه 23 آذار (مارس) سنة 1453م ووصل أمام القسطنطينيَّة بعد 13 يومًا في 26 ربيع الأوَّل المُوافق فيه 5 نيسان (أبريل)، وفي نفس الوقت أُعطيت الأوامر للأسطول العُثماني للتحرُّك من مدينة گاليپولي تجاه القسطنطينيَّة لإحكام الحصار عليها.