If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
خلق الله -تعالى- السماوات في يومين، ثمَّ عمد إلى الأرض فقدَّر فيها أقواتها في أربعة أيام، وأمر عباده أن يطلبوا الرزق منه وحده، فهو خالق هذا الكون بكلِّ ما فيه من العجائب والمعجزات التي لا تزال تُكتشف إلى يومنا هذا، أمَّا ما يُعانيه الناس من المجاعات، واحتباس المطر، فليس لعدم وجود ما يكفي الناس على الكوكب، إنَّما هو بذنوب العباد وآثامهم، وقد زاد في هذه الفترة من الزمان اضطراب الناس وقلقهم بشأن أرزاقهم، ويعود هذا القلق في حقيقته إلى بعد الناس عن حقيقة أنَّ الله وحده هو الرزَّاق، ومما يخفّف من هذا القلق عِلم الإنسان أنَّ الله -تعالى- أول ما خلق خلق القلم، فقال له: اكتب، فكتب القلم مقادير السماوات والأرض، كما كتب ما هو كائن قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، ثمَّ جفَّ القلم وطوى الله -تعالى- عن الناس علم الغيب، لكنَّه أمرهم باتخاذ الأسباب والسعي الدائم لتحصيل الرزق المقدَّر.
يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا الشأن: (إنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ في بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكونُ في ذلكَ عَلَقَةً مِثْلَ ذلكَ، ثُمَّ يَكونُ في ذلكَ مُضْغَةً مِثْلَ ذلكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ المَلَكُ فَيَنْفُخُ فيه الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٌّ، أَوْ سَعِيدٌ)، فإذا علم الإنسان أنَّ رزقه مكتوب، وأنَّه لاقيه لا محالة، اطمأنت نفسه وسكنت روحه مع الأخذ بالأسباب؛ لأنَّ السماء لا تُمطر ذهباً ولا فضة، فإذا تأخر الرزق أو قل، كان ذلك لحكمة أرادها الله تعالى، فقد يكون هذا الرزق سبباً في القيام بالمعصية، فيمنع الله -تعالى- عبده منه ليَسدّ عليه باب المعصية ويفتح له باب التوبة، والتوكل على الله -تعالى- وهو في حقيقته عملٌ من أعمال القلوب؛ يعتمد فيه الإنسان على الله، ولا يلجأ إلى أحدٍ سواه، ويحصل الإنسان بسببه على رضا الله مع الفضائل والبركات الدنيوية.
وقد وقف الإسلام بين مقاصد الدنيا والآخرة، فلما كان العمل والكسب من ضروريات الحياة هيّأ الله -تعالى- للناس الأسباب المعينة على تحصيل مصدر عيشهم، ومما يؤكد ذلك أنَّ الله -تعالى- ربط بين العبادة والعمل في الكثير من الآيات، وفي ذلك يقول ابن عباس: "كانوا يتّقونَ البيوعَ والتجارةَ في المواسمِ والحجِ، يقولونَ: أيامُ ذكرٍ"، فأنزل الله -تعالى- عليهم قوله: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّـهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ)، كما قرن الله -تعالى- بين من خرج مجاهداً في سبيل الله ومن خرج يسعى إلى تحصيل رزقه، وقد عُرف أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- في ميادين الجهاد والعمل، فقد عمل أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- في التجارة، وإنَّ العمل المباح مهما كان جنسه وضَعفه في أعين الناس لهو كرامة لصاحبه ويُغنيه عن سؤال الناس، يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "مكسبةٌ فيها دناءةٌ خيرٌ من سؤالِ الناسِ، وإني لأرى الرجلَ فيُعجبُني شكُله، فإذا سألتُ عنه فقيلَ لي: لا عملَ له، سقطَ من عيني".