If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
وقف عزمي بشارة في صف الثورات العربية التي اجتاحت عدة بلدان في أواخر عام 2010، منطلقًا من واجبات ما يسميه هو "المثقّف العمومي الأخلاقية" باتخاذ موقفًا ضد الظلم والارتباط بتطلعات الناس العادلة، وخصوصًا جيل الشباب الذي فجّر الربيع العربي، وهذا بالإضافة إلى واجبات المثقف العمومي التنويرية في عقلنة التفكير في قضايا المجتمع والدولة واتخاذ مواقف نقدية من الشعبوية. ورافق بشارة أصوات المتظاهرين في الميادين العربيّة، ليس فقط عبر إطلالته الإعلامية في تحليل الثورات، بل -وقبل ذلك- من خلال تطوير خطاب ديمقراطي وعقلاني في الوقت نفسه. ويمكن ملامسة ذلك أنّ كتبه الأخيرة مثل "أن تكون عربيا في أيامنا" و"المسألة العربية"، أصرت على أن مهمة الديمقراطية هي طرح مسألة نظام الحكم الديمقراطي بالتوازي مع التثقيف على قيم الديمقراطية وعدم انتظار انتشار الثقافة الديمقراطية، هذا إضافة إلى أنّ مقالاته وخطابه المعروف منذ نهاية التسعينيات مما روج لفكرة "دول المواطنين"، كانت في العديد من الحالات مراجع وبيانات للتغيير استند لها كثيرون في تحليل الأوضاع التي ثاروا عليها. واعتبر الانتفاضات الأولى للربيع العربي في نهاية عام 2010 وبداية عام 2011 صرخة وجودية من أجل الحرية والكرامة.
انشغل بشارة منذ بداية الربيع العربي في مشروع بحثي يواكب الثورات تباعًا، فبدأ مع الثورة التونسية في كتابهِ "الثورة التونسية المجيدة" متعقّبًا الأسبابَ الجوهريّةَ التي أدت إلى الثورة التونسيّة، وعاقدًا مقارناتٍ علميّةً بين بعض المظاهر الاجتماعيّة والاقتصاديّة التي سادت في تونس قبل الثورة، وبين مثيلاتها من المظاهر في دول عربيّة أخرى مرشحة للثورة. وشكّل الكتابة محاولة تحليليّة لفهم بنية الثورة التونسيّة، وصيرورتها من خلال يومياتها. كما يرصد الكتاب تاريخ الانتفاضات، ويشرح خريطة الأحزاب في تونس عشيّة نشوب الثورة. ثم يعرض تفاصيل الوقائع في يوميّات الانتفاضة، وكيف تطورت الأحداث تدريجيًا حتى لم يبقَ أمام زين العابدين بن علي غير الهرب.
ومع بداية الثورة السورية، كان عزمي بشارة مؤيدًا للثورة بالكتابة والظهور الإعلامي. وأرّخ لها في كتابهِ "سورية درب الآلام نحو الحرية: محاولة في التاريخ الراهن" (2013) ضمن مرحلتيها: المدنية السلمية والمسلحة، ومنطلقًا من تحليل بنية النظام وعلاقة المجتمع والدولة في سورية. مع رصد دقيق بالوثائق والشهادات لمظاهر الإستراتيجية التي اتبعها النظام السوري القائمة على قمع الثورة بالعنف، الأمر الذي أدى إلى توليد أنماط من العنف لم تكن مألوفةً قط في سورية. ويتناول الكتاب الوقائع المتحركة التي شبّت في المدن الرئيسة في سورية، وكيف بدأت الاحتجاجات سلميةً ثم انتقلت إلى العسكرة وحمل السلاح لاحقًا.
وقد واكب عزمي بشارة الثورة المصرية بمقولاته الفكرية وتنظيره السياسي وتحليلاته، وأنجز مجموعة من المقالات والدراسات عن الثورة المصرية، وكان بشارة من أبرز المعلقين السياسيين على أحداث الثورة المصرية ومواكبًا لها يوما بيوم، وأصدر أخيرًا كتابًا بحثيًا ضخمًا بمجلدين هو "ثورة مصر"، راجع فيها تاريخ ما أسماه جمهورية يوليو وانتقال مركز النفوذ والقوة في السلطة من الجيش إلى منصب الرئاسة وأجهزة الأمن، ونشوء صراع المؤسسات وتاريخ الاحتجاج في مصر، ووثق الثورة منذ 25 يناير وحتى الانقلاب العسكري مبينًا الأفكار التي أوصلت إلى الانقلاب في طموح الجيش للحكم، والصراع بين النخب المصرية قبل استلام السلطة وتفكيك الدولة العميقة، وفي عدم توافقها مع النظام الديمقراطي وأسسه قبل اللجوء إلى الانتخابات.