العربية  

books his most important verbal opinions

If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.

View more

أهم آرائه الكلامية (Info)


أولا: المعرفة

معنى العلم

يفتتح أبو المعين كتابه تبصرة الأدلة بالحديث عن معنى العلم وعن مصادر المعرفة، ويعرض آراء المعتزلة والأشاعرة لمعنى العلم، ونقد تلك التعريفات. فهو يذكر تعريف الكعبي البلخي من المعتزلة لمعنى العلم بأنه اعتقاد الشيء على ما هو به، وينقد ذلك التعريف بأنه يبطله اعتقاد العامي بحدوث العالم دون أن يكون هذا الاعتقاد علما لأن العلم المحدث لابد أن يكون ضروريا كالعلم الثابت بالحواس والبديهة والاستدلال، وليس مع العامي استدلال. ولقد زاد أبو هاشم الجبائي على تعريف الكعبي بأن العلم اعتقاد الشيء على ماهو به من سكون النفس إليه. لكن زيادة أبو هاشم على التعريف لا تخلصه من الإلزام السابق وذلك لأن العامي ساكن النفس إلى هذا الاعتقاد مطمئن إليه.

ويذكر تعريف أبو علي الجبائي بأن العلم اعتقاد الشيء على ما هو به عن ضرورة أو دليل، وهذا التعريف في رأيه أيضا فاسد في التحديد، إذ هو تقسيم العلم المحدث دون تحديده، فما كان في العلوم ضروريا لا يكون استدلاليا وما كان منه استدلاليا لا يكون ضروريا والحد ليس جامعا للقسمين، فلو اعتقاد الشيء على ما هو به عن ضرورة علما لأن اعتقاد الشيء على ما هو به عن ضرورة لخروج الاستدلال عن كونه علما لخروجه عن الحد، ولو بقى علما مع خروجه عن الحد لخروجه عن أن يكون جامعا، فالحد بذلك لا يجمع بين العلم الضروري والعلم الاستدلالي لأنه يجمع بين قسمين مختلفين. وأيضا تعلق التعريف بالشيء يفسد التعريف، وذلك لأن المعدوم ليس شيئا لكونه معلوما، وذلك لأن ما يستحيل وجوده من الشريك والصاحبة والأولاد لله تعالى يعلم استحالته. وذلك ليس بشيء بالإجماع لأن اسم الشيء عند المعتزلة يقع على معدوم هو جائز الوجود لا على ما يستحيل وجوده. ويحاول أبو المعين أن يبطل كون العلم اعتقاد، فيذكر أنه لو كان العلم اعتقادا لكان العالم معتقدا، إذ هو اسم مقدر من المعنى، والله سبحانه استحال أن يوصف بكونه معتقدا استحال أن يوصف بكونه عالما وهذا محال.

ويتهم أبو المعين من يقول بأن العلم اعتقاد يريد أن ينفي علم الله تعالى لاستحالة كونه تعالى معتقدا. لكن الدكتور علي عبد الفتاح المغربي يقول في كتابه الفرق الإسلامية الكلامية أن أبا المعين مغال في هذا الاتهام لأن هناك فرق بين العلم الإلهي والعلم الإنساني والمعتزلة لا ينفون العلم الإلهي مع قول بعضهم العلم اعتقاد وعلى كل حال فلقد لاقى تعريف بعض المعتزلة العلم بأنه اعتقاد لقى معارضة من فريق من المعتزلة وقد ذكر تلك الاعتراضات القاضي عبد الجبار في شرح الأصول الخمسة.

ويعرض أبو المعين لتعريفات بعض الأشاعرة وينقدها فيذكر تعريف الباقلاني بأن العلم هو معرفة المعلوم على ما هو به. ويرى أبو المعين أن هذا التعريف فاسد لأن العلم لو كان معرفة لكان العالم عارفاً، والله تعالى يوصف بأنه عالم ولا يوصف بأنه عارف. ويرى أن هناك فرق بين المعرفة والعلم فيذكر أن المعرفة اسم للعلم المستحدث لا لمطلق العلم أو هي الانكشاف عن شيء بعد لبس وتوهم، والعلم اسم شامل على ما يتعلق بالمعنى في الجملة وما يتعلق به في التفصيل، أما المعرفة فاسم لما يتعلق بالمعنى في التفصيل، ويبدو أن هذه التفرقة لا تفصل المعرفة عن العلم بل هما متداخلان. ويذكر تعريف ابن فورك بأن العلم صفة يتأتى بها من القادر أحكام الفعل وإتقانه، ويرى أن هذا التعريف فاسد لأن هذا التحديد لا يطرد، فإن علمنا بالقديم تعالى بصفاته وبالمحالات ولا يتأتي بهذا العلم إحكام الفعل وإتقانه. ويذكر تعريف بعض الأشاعرة بأن العلم هو درك المعلوم على ما هو به، وينقد ذلك التعريف لأن الله يُعلم ولا يُدرك، إذ الإدارك عبارة عن الإحاطة بحدود الشيء ونهايته. ويذكر تعريف بعض الماتريدية للعلم بأنه تبين المعلوم على ما هو به، وهذا التعريف في رأيه فاسداً لأن الله تعالى يقال له عالم ولا يقال له متبين، ولأن لفظة التبين مشتركة ومن خاصية الألفاظ المشتركة بقاء الالتباس عند سماعها إلى أن يعين المراد بها. ثم يذكر تعريف أبو الحسن الأشعري للعلم ويدافع عنه، وتعريف الأشعري للعلم بأنه ما أوجب العالم أي حقق له الوصف بأنه عالم ولقد عبر بعض أصحابه عن هذا المعنى فقال: العلم صفة تشتق لم قام به الوصف بأنه عالم، وتارة يقولون: العلم هو الوصف الذي من قام به كان عالما وهو في رأي أبي المعين تعريف يحيط بجميع المحدود ويمنع ما وراءه عن الدخول تحته فهو في رأيه جامع مانع. وتعريف أبو المعين للعلم هو نفس تعريف الأشعري فهو يقول في تعريفه: "حقيقة العلم أنه يوجب كون من قام به عالما أو هو وصف الذي قام به كان عالما"، وذلك لأن العالم ما كان عالما إلا لقيام العلم به وهذا حقيقة العالم وكذلك العلم إذا تأملنا فيه فعلمنا أنه يوجب كونه من قام به متحركا ولا ساكنا ولا مجتمعا ولا مفترقا. فعلمنا أن حقيقته أنه يوجب كون من قام به عالماً، إذا لا أثر إلا هذا وهو بالرغم من موافقته لتعريف الأشعري إلا أنه لا يعارض تعريف أستاذه أبو منصور الماتريدي للعلم ويرى أن حد هذا التعريف صحيح ولا يرد عليه بشيء من الاعتراضات.

مصادر المعرفة

يرى أبو المعين أن مصادر المعرفة هي الحس والخبر والعقل، وهذه المصادر صادقة.

المعرفة الحسية

المعرفة الحسية خمسة وهي البصر والسمع والشم واللمس والتذوق وهذه حواس ظاهرة لا تحتاج إلى برهان ودليل لأن وجودها أوضح من كل برهان وصدق هذه المعرفة ضروري، وتبطل دعاوي الشكاك في الاعتراض على صدق هذه المعرفة. ولكل أداه من أدوات المعرفة الحسية موضوعه الخاص به وتتنوع المعرفة الحسية بتنوع أدواتها. والمعرفة الحسية هي أصل المعرفة العقلية وأساسها، إذ لا سبيل للعقل إلى إداراك ما غاب عنه بالحواس الظاهرة والتفكر فيها وعلى هذا فالعلوم الحسية تتقدم العلوم النظرية لأنها أساسها. ولقد نص القرآن على المعرفة الحسية وجعلها من الأدلة على وجود الله تعالى وهي تمثل أحد مصادر المعرفة الدينية.

المعرفة الخبرية

التي طريقها الخبر كالمعرفة التاريخية عن أخبار الممالك والبلدان وهي صادقة لأنها معرفة متواترة تتناقلها الناس، وكذلك المعرفة الخبرية التي تأتي عن طريق الرسل وخبر الرسل أكثر تصديقا لأنها مؤيدة بالمعجزة، لكن المعرفة الخبرية لابد من الوثوق من صحتها وذلك عن طريق البحث في صدق الرواة والتأكد من أنهم ثقات وأيضا النظر العقلي في خبر الرسول المؤيد بالمعجزة والتفرقة بينها وبين السحر. ويهتم أبو المعين بالرد على منكري الخبر ونفيهم كون الخبر من أسباب المعارف وهم السمنية والبراهمة وهم يقولون بأن الخبر قد يكون صدقا وقد يكون كذبا فكان في نفسه مختلفا ولا يدري الصدق من الكذب فلا يثبت به العلم، ويرد عليهم بأن قولهم هذا خبر وهم لا يقرون الخبر فمقالتهم هذه باطلة ويقول إنه مما يبطل موقف السمنية هو تمسكهم بالمعرفة الحسية وحدها في حين أن هناك معرفة وراء الحس وهي المعرفة الخبرية والعقلية، فكيف عرفوا أنه ليس هناك طريق للمعرفة سوى الحس؟ أنهم لا يعرفون ذلك بحاسة من الحواس وهذا يدل على أن هناك معرفة تعلو الحس. ويرى أبو المعين أن إنكار الخبر تعطيل لقوى الإنسان التي تميزه عن الحيوان وكفر بنعمة الله على الإنسان. ثم إن قولهم إن الخبر يتفرع إلى صدق وكذب فأنه يمكن الرد عليه بأن ما يحتمل الكذب لا يوجب العلم، وإنما يوجب العلم ما لا يتصور كونه كذبا وهو ما تواتر من الأخبار، إذ أن المتواتر يستحيل كذبه وكذلك الخبر المتواتر عن الرسول لا يتصور كذبه هو يوجب العلم ومؤيد بالبرهان وبالمعجزة.

المعرفة العقلية الاستدلالية

التي تتم بطريق العقل هي معرفة صادقة وتقوم على استدلال نتائج معينة من مقدمات معينة بناء على ترتيب وقواعد معينة وصدقها يقيني إذا صدقت المقدمات التي تقوم عليها. والمعرفة العقلية هي أساس علمي الحس والخبر إذ أن صدقها يتم عن طريق المعرفة العقلية. ويدافع أبو المعين عن المعرفة العقلية ويرى أن العقل من أسباب المعارف وأن المعرفة العقلية البديهية ضرورة الصدق، كعلم الحواس فإن العلم بأن الشيء أعظم من أي جزء من أجزائه معلوم ضرورة، وأن النظر طريق العلم وأن من استوفى شرائط النظر أفضى به إلى العلم ضرورة. وأن من يقول بتناقض النظر العقلي وبذلك يكون النظر فاسداً فيرد عليه بأن قضايا العقل قد لا تكون متناقضة وأن الوقوع في الخطأ يكون لتقصير الناظر في النظر أو النظر في بعض المفردات بهواه دون عقله فيقع له ظن فيعتقد ذلك ويظن فظنه أنه علم، فأما لو استوفى شرائط النظر في كل مقدمة وعلم صحتها فلا يقع في ضلال ولا يكون نظره فاسداً. ورأي أبو المعين هو نفس رأي أستاذه الماتريدي وهو أيضا يمثل رأي عامة المتكلمين مع الاختلاف في بعض التفصيلات.

ثانيا: حدوث العالم

المراد من لفظة العالم كما يذكر أبو المعين عند المتكلمين جميع ما سوى الله تعالى من الموجودات من الأعيان والأعراض، وهو مكون من جواهر وأجسام وأعراض. لكن أبو منصور الماتريدي يرى أنه منقسم إلى قسمين: أعيان وأعراض، لأن الأجسام هو جواهر لأنها متركبة منها وهي القسمة التي يقول بها أبو المعين لكنه يخالف أستاذه في القول بأن الجواهر قائمة بنفسها، لكن الماتريدي يرفض هذا التعريف لأنه لا قائم بنفسه سوى الله تعالى لكن أبو المعين يقول بأن الجواهر قائمة بنفسها وأنه يصح وجودها عن غيرها، فلا ضير في التعريف بهذا المعنى. فالأعيان (الجواهر) هي ما تقوم بنفسها وهي إما مركبة وهي الجسم أو غير مركبة وهي الجزء الذي لا يتجزأ، والأعراض ما لا قيام لها بذاتها وتحدث في الجواهر والأجسام وهي كالألوان والطعوم والروائح.

وأبو المعين ينهج نهج أستاذه الماتريدي في عدم البحث عن أصل الأشياء وحقائقها لأن هذا لا يدخل في معرفة أصل الدين فبعد أن يذكر تعريف المعتزلة وأبو الحسن الأشعري للجسم وينقل تلك التعريفات يميل إلى رأي الماتريدي الذي يثبت أن الجسم مركب وذلك لاستحالة ذلك على الله سواء أكان اسما لإطلاق التركيب أو لمخصوص التركيب فهو لا يبحث المسائل الطبيعية في ذاتها ولكن يبحث فيها بالقدر الذي ينفع في أمر دينه وإثبات عقيدته فليس الغرض هو تفسير العالم بل الغرض إثبات أن العالم محدث (مخلوق) وأن له محدثا (خالق) ومعنى الحدث ما لوجوده ابتداء والقديم (أي الأزلي) هو ما لا أول لوجوده.

وطريقة أبو المعين في إثبات حدوث العالم هي نفس طريقة سائر المتكلمين والتي أساسها أن العالم مكون من أعيان وأعراض ولم يسبقها ولا يخلو منها وأن الأعيان والأعراض حادثة وأن ما لاي يخلو من الحوادث ولا يسبقها فهو حادث ونفس طريقته في إثبات حدوث الأعراض والأعيان هي نفس طريقة عامة المتكلمين، ودليل حدوث الأعراض هو ما نشاهده من الحركة والسكون فإننا نرى ساكنا تحرك بعد سكونه فكان السكون قائما بالجسم حين كان ساكنا وقد حدثت فيه الحركة بعدما صار متحركا، والحركة لم تكن موجودة حال كون الجسم ساكنا فحدثت الآن فعلمنا حدوثها بالحس والمشاهدة، والسكون كان موجودا وقد انعدم حين حدثت الحركة فعلم أنه كان محدثا حيث قبل العدم لأن القديم مما يستحيل عليه العدم.

والدليل على حدوث الأعيان أنها لا توجد متعرية عن الأعراض التي تثبت حدوثها فإذا كانت الأعراض كلها محدثة يستحيل خلو الجواهر عنها إذ وجود جوهرين غير متفرقين ولا مجتمعين وتوهم جسم في مكان في حالة البقاء غير متحرك ولا ساكن محال وكذلك خلو الجواهر عن الألوان كلها والطعوم والروائح مما يحيله العقل كما يحيل اجتماع المتضادات في محل واحد ووقت واحد، وإذا استحال خلو الجواهر عنها استحال سبق الجواهر عليها لما أن في السبق الخلو والخلو محال فكان السبق محالا فإذا لم تسبق الجواهر والأعراض وما لا يسبق الحادث فهو حادث ضرورة لمشاركة المحدث فيما كان لأجله محدثا وهو أن لوجوده ابتداء.

ويذكر أبو المعين دليلا آخر على حدوث العالم يقوم على التفرقة بين واجب الوجود وهو القديم وبين جائز الوجود وهو المحدث، والقديم ينبغي أن يكون واجب الوجود، لأنه لو لم يكن واجب الوجود لكان جائز الوجود أو ممتنع الوجود، لكن وجوده متحقق ومحال تحقق وجود ما هو ممتنع لما فيه اجتماع الجواز والامتناع، وليس بجائز أن يقال إنه جائز الوجود لأنه لو كان جائز الوجود لكان جائز العدم، لاستحالة القول بكونه ما يمتنع عدم جائز الوجود بل هو واجب الوجود ضرورة، فلو كان جائز الوجود لكان جائز العدم وإذا كان الوجود والعدم كل واحد منهما في حيز الجواز، ولم يختص أحدهما بالتحقيق إلا بتخصيص مخصص، وما كان وجوده لتخصيص مخصص كان محدثا، إذ المحدث هو الذي يتعلق وجوده بإيجاز غيره، أما القديم فمستغن في وجوده عن غيره. وفي هذا الدليل نجد تأثره بفكرة الواجب والممكن عند الفارابي وابن سينا والتي نجد جذورها عند الماتريدي. وعلى هذا فإذا كان العالم محدثا (مخلوقا) فلابد له من محدث (خالق) وهو الله تعالى.

ثالثا: مشكلة الألوهية

وحدانية الله

يعتمد أبو المعين في إثبات وحدانية الله تعالى على دليل التمانع وهو الدليل المشهور عند المتكلمين، وقد تعرض هذا الدليل للنقد من الفلاسفة ومتأخري المتكلمين لأنه مبني على الاختلاف في الإرادة بين الإلهين وقد يجوز الاتفاق بينهما بل إن الاتفاق أليق بالآلهة من الاختلاف، لكن أبو المعين يرى صحة هذا الدليل وأنه لو كان غير صحيح لكان الله معلما رسوله بما لا يصلح أن يكون حجة على المشركين وهذا محال فثبت أنه صحيح. ولقد ذكر أبو المعين أن دليل التمانع لا يستقيم مع وجهة نظر المعتزلة، لأن العبد عندهم فاعل وزوال قدرة الله عنه عند إعطائها للعبد ولم يؤد ذلك إلى تعجيز الله، فلو كان اثنين وعجز أحدهما لم تزل ربوبيته.

ويرى أبو المعين أن دليل التمانع لا يستقيم إلا على أصول متكلمي أهل السنة الذين يقولون بخلق الله لأفعال العباد، وأن المعتزلة تضيف الأفعال إلى العباد فكأنها في رأيه تقول بأكثر من فاعل وهذا نقض للتوحيد. يقول الدكتور علي عبد الفتاح المغربي في كتابه الفرق الإسلامية الكلامية: "وهو اتهام غير صحيح للمعتزلة الذين أقروا بالتوحيد، ودافعوا عنه وفرقوا بين الفعل الإلهي والفعل الإنساني، وعلى كل فلقد تبادل المعتزلة وأهل السنة نفس الاتهام وادعى كل فريق أنه لا يصلح إلا على أصوله".

نفي الجسمية والعرضية والجوهرية عن الله

الله تعالى ليس بجسم لأن معنى الجسم هو المؤلف والمركب، وهذا منتفي في حقه تعالى، ولا يصح أن يطلق عليه اسم الجسم، لانتفاء معنى الجسم عنه. ولو كان الله تعالى جسما لكان متبعضا متجزئا وهذا يؤدي إلى القول بقدم العالم (أي القول بأن العالم أزلي غير مخلوق ولا بداية له)، أو القول بحدوث الباري جل علاه، ولو كان كذلك لكان متناهيا، وكل ذلك يؤدي إلى إبطال التوحيد، لذا فالقول بالتجسيم باطلا، وهذه المعاني من التجزئة أو التبعيض والتناهي محالة على الله تعالى، وذلك لأنه موصوف بصفات الكمال. يقول أبو المعين النسفي: "فمن أطلق على الله تعالى اسم الجسم، وعنى به أنه تعالى متركب ومتبعض متجزأ كما ذهب إليه اليهود وكثير من الروافض كالجواربية والجوالقية والهشامية فهو مخالف في المعنى والاسم. ومن أطلق عليه تعالى اسم الجسم وعنى به القائم بالذات لا التركيب، كما ذهبت الكرامية فهو مخطئ في الاسم وموافق في المعنى".

كذلك لا يجوز إطلاق لفظ الجسم على الله تعالى من حيث أنه فاعل ولا فاعل سوى الجسم، ومراد هؤلاء في ظن أبي المعين من إطلاق هذا الاسم إثبات معناه من الجثة والتركيب غير أنهم تستروا وراء صحة كونه تعالى فاعلا، كما تستر الكرامية وراء صحة كونه قائما بالذات، وكلا الفريقين مخطئ، لأنه قد صرف الاسم إلى غير معناه.

كذلك لا يقال إن الله جسم لا كالأجسام، كما يقال شيء لا كالأشياء وذلك لأن الجسم داخل في الأشياء، فقيه بطلان القول بجسم لا كالأجسام، أيضا معنى لا كالأشياء فيه إسقاط لماهية الأشياء الحادثة والجسم حادث، وهو من الأشياء الحادثة، ففيه إبطال للقول بالجسم لا كالأجسام، فالمراد من قول لا كالأشياء إسقاط معنى الجسمية والعرضية. وينتهي أبو المعين إلى التوقف في إطلاق الأسماء لله تعالى وإطلاق ما أطلقه الشرع عليه من الأسماء ونتوقف فيما دون ذلك.

كذلك يستحيل وصف الله تعالى بشيء من الأعراض، كالصورة واللون والطعم والرائحة وغير ذلك من الأعراض، لأن ذلك يعني التركيب والتغيير وكل ذلك من أمارات الحدوث، وذلك كله منتفي في حقه تعالى. كذلك أن الله تعالى ليس بجوهر، وفي هذا يرد أبو المعين على قول النصارى بأن الله جوهر، لأن الجوهر قائم بالذات، وهو قائم بالذات. ويوجز أبو المعين دليل النصارى فيذكر أن ما يتعلقون به أن الله تعالى موجود، والموجود إما أن يكون عرضا وإما أن يكون جوهرا، والله تعالى ليس بعرض فيكون جوهرا. أيضا يتعلقون بأنه فاعل وما يجوز منه الفعل في الشاهد فهو جوهر، وما يستحيل منه الفعل فهو عرض، وقد تحقق من الله تعالى الفعل فكان جوهرا.

ويرد أبو المعين على ذلك بقوله: إن ما أدعوا من صحة الاطراد والانعكاس في الشاهد يقال لهم: كما يدور الجوهر مع القيام بالذات طرداً وعكساً ووجوداً وعدماً، فكذلك تدور مع كونه أصلا يتركب منه الأجسام، فلم كان جعلكم القائم بالذات حدا له أولى من جعل كونه أصلا حدا له؟ أيضا ليس في لفظ الجوهر ما ينبئ عن القيام بالذات وفيه ما ينبئ عن كونه أصلا، كان جعله جوهرا لكونه أصلا أولى من جعله جوهرا لكونه قائم بالذات. أيضا لم يكن الجوهر في الشاهد جوهرا لأنه فاعل بدليل أن الجمادات والموات (ما لا حياة فيه) جواهر وليست بفاعلة، بل كان جوهرا لكونه أصلا يتركب منه الأجسام. أي أنهم يقولون إنه جوهر لأنه قائم بالذات، لم لا كان جسما، لأنهم قالوا بالطرد والعكس في الشاهد والغائب.

إبطال التشبيه

الله تعالى ليس يشبهه شيء في العالم، فلا توجد أية مماثلة بين الله ومخلوقاته فهو تعالى موجود لا كالموجودين، وحي لا كالأحياء، عالم لا كالعلماء، وكذا القول في جميع الصفات. ويبني أبو المعين نفي المماثلة بين الله ومخلوقاته على أساس أن معنى المماثلة غير متحقق بين الله ومخلوقاته، إذ أن معنى المماثلة هو أن يسد أحدهما مسد صاحبه أو ينوب منابه، فإن كان المتغايران ينوب أحدهما مناب صاحبه ويسد مسده من جميع الوجوه كانا مثلين من جميع الوجوه وإن كان ينوب منابه ويسدد مسده في وجه من الوجوه لاستويا في ذلك الوجه وتفاوتا في غيره من الوجوه. وهذا المعنى للمماثلة غير متحقق بين الله تعالى والعالم، فهو تعالى مغاير للعالم في ذاته وصفاته وأفعاله، وأنه قديم والعالم محدث، ولا تقوم ممثالة بينه وبين العالم لوجود تلك المغايرة ولا مماثلة بين القديم والحديث. وعلى هذا لا وجه للشبه بين الله ومخلوقاته، وما يطلق على الله تعالى من صفات لا تشابه صقات المخلوقين، لذا بطل قول من يقول إن التشابه يقع في الاشتراك في أوصاف الإثبات دون السلب، وزعموا أنه لا يطلق على الباري جل علاه من الأسماء والأوصاف إلا ما طريقه السلب دون الإيجاب. فقالوا: لا نقول إنه موجود، بل نقول إنه ليس بمعدوم. والأساس الآخر الذي يبني عليه أبو المعين نفي التشبيه هو قوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾ سورة الشورى:11 فهذا نص محكم ينفي المماثلة بين الله وبين غيره من الأشياء وهذا ينفي كل معاني المماثلة من قريب أو بعيد.

ولقد وردت آيات في القرآن والأحاديث النبوية ما يوحي ظاهرة بالتشبيه والتجسيم، فما الموقف من تلك الآيات والأحاديث؟ يذكر أبو المعين اختلاف مشايخ الماتريدية إزاء هذه الآيات والأحاديث، فمنهم من رأى أن الواجب أن نتلقى ما ورد في هذه الآيات والأحاديث بالإيمان والتسليم والاعتقاد بصحته، ولا نشتغل بكيفيته والبحث عنه ونفوض علمه لله تعالى، مع الاعتقاد بأن الله تعالى ليس بجسم ولا شبيه بالمخلوقات وانتفاء جميع أمارات الحدوث عنه، وتنزيهه عن كل ما لا يليق به. وبعضهم قد اشتغل بصرف هذه الآيات والأخبار إلى ما يحتمل من الوجوه التي لا تناقض دلائل التوحيد والآيات المُحكمة، وأن ما يحتمل من ذلك تأويلات كثيرة يلائم كل واحد منها ما يثبت من الدلائل ولم يقطعوا على واحد منها بكونه مرادا لانعدام دليل يوجب تعيين ذلك فامتنعوا عن الشهادة على الله تعالى عند انعدام الدليل الموجب للعلم، وقالوا إن المراد بعض تلك الوجود لا الظاهر الحرفي الموحي بالتشبيه، تعالى الله عن ذلك.

فكلا الموقفين بعيد عن التشبيه والتجسيم، فسواء فوضوا الآيات والأحاديث المتشابهة فإنهم يسلمون بها مع إثبات أن الله ليس كمثله شيء، أو أولوا ظاهرها فإن تأويلهم لا يتعارض مع الآيات المحكمات أو الدلائل القاطعة على التوحيد، وأيضا مع إثبات أن الله ليس كمثله شيء. وهذا يعني عدم فتح باب للتأويل على مصراعيه وأن يكون مشروطا وأن لا يذهب بعيدا إلى معان تتعارض مع أصول التوحيد وأن لا يقطع به.

نفي المكان عن الله

يذكر أبو المعين آراء من أثبتوا المكان لله تعالى، فذكر رأي الكرامية وقولهم بالمكان، وأنه تعالى فوق العرش وبينهما مسافة وقال المعتزلة والنجارية إنه بكل مكان بمعنى أنه عالم ومدبر له. ويرد أبو المعين على القول بالمكان وذلك بالتمسك بقوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾ سورة الشورى:11 إذ فيه نفي الممثالة بأي وجه من الوجوه والقول بإثبات المكان فيه رد لذلك النص المحكم. والقول بالمكان يعني القول بالمماثلة بين الله ومخلوقاته والمماثلة منفية عنه تعالى فالمكان منفي عنه. والقول بالمكان فيه إثبات أمارات الحدث، وهي منفية عنه تعالى وذلك لأن الله تعالى كان ولا مكان، والمكان حادث، وهو ليس متمكنا في الأزل فصار متمكنا بعد أن لم يكن متمكنا وفي هذا حدث. كذلك القول بأنه مماس للعرش وملاقيا إياه، إذ أنه بمماسة العرش وبالتمكن فيه تحدث المماسة والملاقاة بعد أنه لم يكن لاستحالة قيام مماسة في القدم قبل حدوث المكان لأن قيام المماسة بذات بدون قيام مماسة أخرى بذات أخرى محال. أيضا العرش جسم محدود متناه، فلو كان الصانع جل وعلا ملأ ساحة العرش وفضل عنه في الجهات كلها كما يقول متأخرو الكرامية لكان متبعضا متجزئا في كل جزء من مساحة العرش جزء منه، وفضل أجزاء أخرى كبيرة لم يلاقي العرش. وخلاصة رأيه في دفع شبه وحجج القائلين بالمكان يقوم على أساس أن المكان متناه ومحدود، فكيف يحل به اللا متناهي واللا محدود وهو الله الواسع؟ فذلك محال وأيضا لا يوصف الله أنه داخل العالم أو خارجه، لأن الموصوف بالدخول والخروج هو الجسم المتبعض المتجزئ المحدود، والله ليس جسما ولا متجزئاً ولا متبعضاً، فلا يوصف داخلا في العالم أو خارجا عنه. وتعلق القائلين بالمكان بالدلائل السمعية من نحو قوله تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ سورة طه:5 وقوله: ﴿أأمنتم من في السماء﴾ سورة الملك:16 وكذلك قوله: ﴿وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله﴾ سورة الزخرف:84 قولهم باطل ويجب صرف هذه الآيات إلى ما يليق بالكمال الله ولا تناقض حجة الله تعالى العقل، ولا يعارض قوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾ سورة الشورى:11 لأن في الآية نفي مطلق للمماثلة والمشابهة بأي وجه من الوجوه، وفي القول بالمكان تحقيق المماثلة، أي يجب تأويل الدلائل السمعية التي قد يوحي ظاهرها بالمكان وصرف معناها إلى نفي المكان لأن هذا ما يليق بمقام الربوبية.

صفات الله

من المشكلات التي ثار حولها الخلاف بين المتكلمين مشكلة صفات الله تعالى وعلاقة صفاته بذاته، وهي من أهم المسائل التي خاض في المتكلمون وزادوها تفريعا وتفصيلا. وإذا انتقنا إلى رأي أبي المعين في مسألة الصفات فإننا نجده يثبت الصفات لله تعالى وأن الصفة معنى حقيقي، وهي ليست مجرد الوصف أو معنى تعرف بها الذات بل لها وجود حقيقي، وهذا الموقف هو موقف الماتريدية والأشاعرة مع الخلاف بينهما في التفصيل، فالألفاظ المشتقة عن المعاني إذا أطلقت على الذات يراد بها إثبات ما هو مأخذ الاشتقاق لا إثبات الذات فحسب ولو أطلقت هذه الألفاظ ولم يرد بها إثبات المعاني لكانت ألقاباً وأعلاماً، ولو كانت ألقاباً وأعلاماً لم يثبت بكل لفظ منها إلا الذات، أي أنه يرى أن الصفات لو لم يكن لها معنى حقيقي وليست مجرد اللقب لكانت الذات مجردة عن الصفات وأثبتت ذات معطلة عن الصفات.

والدليل على إثبات الصفات وأن لها معنى حقيقي هو صنع العالم، لأن صنع العالم على النظام والاتساق والاتفاق لا يتصور إلا من حي عالم قادر سميع بصير، ولا يتصور أن يتأتى ذلك الصنع البديع المتقن والمحكم من عاجز أو جاهل أو ميت. ولما ثبت أنه حي عالم قادر سميع بصير ثبت أنه له حياة وعلماً وقدرة وسمعاً وبصراً. ويستدل على إثبات الصفات بما ورد في كتاب الله بإثبات الصفات مثل قوله تعالى: ﴿أنزله بعمله﴾ سورة النساء:166 وقوله: ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه﴾ سورة البقرة:255. فالصفات ثابتة وقديمة إلا أن إطلاق لفظ القِدم على الصفات قد يوهم بوجود قدماء مع الله، لذا تحرز البعض من إطلاق لفظ قدماء على الصفات لئلا يسبق إلى وهم السامع إن كل قديم من القدماء قائم ذاته موصوف بصفات الألوهية، لذا ينبغي القول أن الله تعالى قديم بصفاته.

ويرد أبو المعين على القائلين بأن القول بقدم الصفات يؤدي إلى تعدد القدماء وفي هذا مماثلة للذات، ومشاركة للقديم في أخص أوصافه وهي القدم. ويرى أن هؤلاء قد جهلوا شرط المماثلة ومحلها وذلك أن المماثلة لا تثبت إلا بشرط المغايرة بين المقابلين، وكذلك الموافقة والمخالفة ومحلها المتغايران، ولا مغايرة بين الصفات والذات وبذلك يكون شرط المماثلة ومحلها معدومين، وكان القول بالمماثلة محالا. أيضا قولهم بأن علة المماثلة هي الاشتراك في وصف واحد وهو أخص الأوصاف وهي صفة القدم، وهذا رأي المعتزلة أما الماتريدية والأشعرية فإنهم يقولون إن علة المماثلة هو الاشتراك في جميع الأوصاف وبذلك تكون العلة عامة والحكم عام. وعلى هذا فيجب اقتصار الحكم على قدر العلة، فلو اشتركا في صفة القدم كان استوائهما في صفة القدم لا غير وإن استويا في جميع الأوصاف كانت المماثلة بينهما عامة. ولما كانت الذات والصفة لا يستويان إلا في صفة القدم وجب استوائهما في القدم لا غير، ولا يجوز القول باستوائهما في كونهما إلهين بحكم استوائهما في القدم كما تقول المعتزلة لأن ذلك يجعل الحكم زيادة عن قدرة العلة وهذا هو الخطأ وقع فيه المعتزلة في رأي أبي المعين، إذ أنهم أثبتوا حكما زيادة عن العلة لأنهم قالوا بأن اشتراك الصفات مع الذات في القدم يوجب الاشتراك في سائر الصفات، وبذلك يتعدد القدماء والألوهية وأدى تعدد القدماء.

تفصيل الصفات

العلم الإلهي

يثبت أبو المعين العلم الإلهي ودلالة إثباته هو أن هذا العالم المتقن المحكم لا يتأتى إلا من عالم، كذلك خلق الله تعالى للعالم وتسخير أجزائه لخدمة بعضها البعض وخلقه للجواهر التي لا تمتحن وجعلها في مصالح الممتحنين، وخلق كل شيء أريد به البقاء مع ما به بقاؤه، كل ذلك يدل على أنه خلق بمن يعلم كيفية كل شيء وحاجته وما به القوام والمعاش، وعلمه تعالى أزلي لأنه الله أخبر عما يكون في المستقبل ومن أنكر علمه الأزلي فقد أنكر ما أخبر الله الأنبياء المتقدمين من أنباء النبي محمد وبشارة عيسى .

ولا خلاف بين المتكلمين في إثبات علمه تعالى الأزلي وبعلمه للكليات والجزئيات، ولكن الخلاف بينهم: هل هو عالم بذاته على نحو ما قالت المعتزلة؟ أم عالم بعمله على نحو ما قالت الماتريدية والأشاعرة. وأبو المعين يقول بأن الله عالم بعلم وذلك لأنه لابد أن يكون للعلم عالماً وللعالم علم ولا انفكاك للعالم عن العلم ولا للعلم عن العالم ولا علم إلا لعالم ولا عالم بدون العلم.

وأبو المعين يتعلق في ذلك بالاستدلال بالشاهد ووجوب التسوية بينه وبين الغائب فكما في الشاهد أن العالم من له علم فكذلك الأمر بالنسبة للغائب وهو الله تعالى عالم وله علم وهو عالم بعلم، ولقد استند أيضا إلى الدليل السمعي من آيات قرآنية. ويحاول أبو المعين في رده على موقف المعتزلة أن يلزمهم ضرورة المساواة بين الشاهد والغائب، فهم إما أن يسووا بين الشاهد والغائب ويقولون بأن قدرة الصانع ثابتة بدلالة المفعول وعلم ثابت بدلالة أحكام المفعول وإتقانه، كما أن ذاته ثابتة بدلالة المفعولات عليه كما في الشاهد لو التزموا بذلك لتركوا مذهبهم، أو يفرقوا بين الشاهد والغائب في كل ذلك، ويقولون إن المفعول وإن دل على وجود الفاعل وقدرته وإحكامه في الشاهد ففي الغائب لا يدل على شيء وفي هذا نفي لوجود الصانع وقدرته. أو يسووا بين الشاهد والغائب في حق دلالة المفعول على الفاعل ويقروا بثبوت الصانع، ويفرقوا بين الشاهد والغائب في حق دلالته على القدرة والعلم، ويقولون إن كان ذلك دليلا عليهما في الشاهد فليس بدليل عليهما في الغائب. وفي هذا تناقض من وجهين: أحدهما بالتفرقة بين الدلالة على الذات والدلالة على الصفات، والآخر بالتفرقة بين الشاهد والغائب في الدلالة على الصفات.

الكلام الإلهي

من المسائل التي كثر الجدل حولها بين المتكلمين مشكلة الكلام الإلهي ولا خلاف بينهم أن الله متكلم وله كلام وأن القرآن كلامه والمشكلة هي في طبيعة الكلام الإلهي، هل هو قديم أم حادث؟ وهل القرآن مخلوق أم غير مخلوق؟ وحول هذه الموضوعات تعددت الخلافات والمواقف، فقالت المعتزلة بحدوث الكلام الإلهي واحتجوا على ذلك بكثير من الأدلة والبراهين وقد ساقها القاضي عبد الجبار الذي أفرد جزءا من كتابه المغني باسم خلق القرآن. وهذه بعض النماذج من حجج المعتزلة كما أوردها أبو المعين النسفي ورد عليها:

الحجة الأولى: تقوم هذه الحجة على المساواة بين الشاهد والغائب، فالكلام في الشاهد هو من جنس الحروف والأصوات، فمن أثبت في الغائب كلاما على خلاف ما هو المعقول في الشاهد كان خارجا عن قضية العقول، والكلام المركب من حروف وأصوات حادث، كذلك كلام الله تعالى من جنس كلامنا وهو حادث.

ويرد أبو المعين على هذه الحجة بإثبات الكلام النفسي هو المعنى القائم بذاته المتكلم الذي يديره المتكلم في نفسه ويعبر عنه بهذه الألفاظ وهذه العبارات ليست بكلام وإجراؤها على اللسان ليس بتكلم، بل هو عبارات عن الكلام، والكلام هو ما يتأدى بهذه الحروف، وهو المعنى القائم بالنفس غير أن هذه العبارات تسمى كلاما لدلالتها على الكلام، ولأن الوقوف على الكلام لا يمكن قط لغير المتكلم في المخلوقين إلا بها فأطلق عليها اسم ما هو مدلولها كما يطلق اسم العلم والقدرة على آثارهما. ودليل وجود الكلام النفسي من القرآن قوله تعالى معبراً عن اليهود: ﴿ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله﴾ سورة المجادلة:8 وقوله تعالى: ﴿يخفون في أنفسهم ما لا يبدون﴾ سورة آل عمران:154 وذلك معنى الكلام في قلوبهم. ولقد ذكر أبو المعين رأي أئمة سمرقند وقولهم بأن القرآن كلام الله تعالى صفة من صفاته وكلام الله غير مخلوق وكذلك صفته ولا يقولون على الإطلاق إن القرآن غير مخلوق كيلا يسبق وهم السامع أن هذه العبارات المتركبة من الحروف والأصوات ليست بمخلوقة، ويقولون إن القرآن المكتوب في مصاحفنا والمقروء بألسنتنا هذه العبارات مخلوقة وهي دلالات على المعاني اللغوية فهي دلالة أو عبارة عن الكلام النفسي. وقد لاحظ أبو المعين أن أساس هذه المشكلة هو أن القائلين بقدم الكلام الإلهي يقولون بأن الكلام صفة قائمة بالذات، أما المعتزلة فهم لا يثبتون هذه الصفة قائمة بذات الله تعالى لاستحالة قيام صفة بذات الله عندهم وهذا يبين أن الخلاف حول مسألة الكلام هو انعكاس للخلاف حول مسألة قدم الصفات وحدوثها.

الحجة الثانية: استحالة وجود أمر أزلي مع انعدام المكلفين أي لا يعقل وجود التكليف بدون مكلفين. ويرد أبو المعين بقياس ما هو في الشاهد بوجود الأمر والنهي والتكليف منذ الأزل ومع انقطاع الوحي، إلا أن التكليف يلزم الناس إلى قيام الساعة وإن كانوا معدومين الآن والتكليف يلزم من سيوجد في المستقبل إلى يوم قيام الساعة ولا يعد ذلك سفها أو خروجا على العقل فكذلك الأمر في وجود الأمر والنهي والتكليف منذ الأزل وقبل وجود المكلفين.

ويندرج تحت هذه الحجة ما ذكره المعتزلة من أن الله تعالى أخبر في القرآن عن عصيان آدم فلو كان كلامه قديما لكان إخبار في الماضي قبل وجود العصيان ولم يوجد بعد ما يخبر عنه، ويكون الخبر بذلك كاذبا ونسبة الكذب إلى الله كفر.

ويرد أبو المعين بأن إخبار الله عما سيحدث إخبار عنه أن يكون، فإذا وجد مخبره وجب القول بأنه خبر عنه أنه ثابت، وإذا انعدم أخبر عنه أنه كان والتغير يكون في المخبر عنه لا على الخبر، وذلك مثل علم الله تعالى بالمعلومات بوجودها قبل أن توجد وما وجد منها وما هو موجود.

الحجة الثالثة: أن الله تعالى لو كان متكلما في الأزل لكان متكلما مع نفسه وذلك لا يكون إلا للتذكر أو لدفع الوحشة عن نفسه، وذلك لا يصح نسبته إلى الله فالتذكر يكون لمن يخشى النسيان وهو محال على الله، وكذلك أمر الوحشة لأنها من الآفات وذلك ممتنع في حقه، وكل ذلك أمارات الحدث المنفية عنه تعالى.

ويدفع أبو المعين تلك الحجة ويقول بأن ما ذكروه لا يستقيم في حق الله تعالى لأن كلامه تعالى أزلي غير محدث وغير داخل تحت القدرة وما ذكروه إنما يصح في حق من كلامه محدث ويدخل تحت القدرة.

فهو يفرق بين الكلام الإلهي وطبيعته وبين الكلام الكلام الإنساني وطبيعته، وأن الشاهد هنا لا يدل على الغائب لمخالفة الغائب للشاهد. وبعد ردوده على حجج المعتزلة على حدوث الكلام الإلهي يحاول أن يثبت نفي حدوث الكلام الإلهي واستحالة أن يكون كلامه حادثا، وأن القول بالحدوث فاسد ويؤدي إلى محالات، فيقول بأن كلامه تعالى لو كان حادثا فإن الأمر لا يخرج عن وجود ثلاثة:

  1. إما أن يكون حادثا في ذات الله تعالى.
  2. أن يكون حدوثه لا في محل.
  3. أن يكون حدوثه في محل آخر سوى ذات الله تعالى.

ويحاول أبو المعين أن يثبت بطلان هذه الوجوه الثلاثة.

بطلان الوجه الأول: وهو حدوثه في ذات الله تعالى، أن ذاته تعالى قبل حلول الكلام فيه لا يخلو إما أن تكون متعرية عن الكلام وإما لم تكن متعرية فتكون موصوفة به في الأزل لاستحالة انعدام التعري عن الكلام بدون الكلام. وإن كان متعريا عنه لذاته، وإما أن كان متعريا عنه لمعنى قائم به، فإنه كان متعريا عن الكلام لذاته لم يتصور حدوث الكلام مع وجود الذات الموجب للتعري عنه ولا قول لانعدام الذات لأنه قديم والعدم على الله محال، ولو انعدمت الذات لاستحال حدوث الكلام في ذات منعدمة، وهذا يدل على أن الذات لو كان متعريا لا يتصور حدوث الكلام فيه، ولو كانت الذات متعرية عن الكلام لمعنى لكان لا يتصور حدوث الكلام فيها مع وجود ذلك المعنى لأن ذلك المعنى ما دام باقيا كانت الذات موصوفة بالتعري عن الكلام مع قيام الكلام بها وهذا محال، وكذلك قيام ما يوجب التعري عنها محال أي أنه لا يمكن تصور ذات متعرية عن الكلام، أي لم يكن له كلام منذ الأزل ثم حدث له الكلام لأن وجوه انعدام الكلام الأزلي للذات فاسدة.

والوجه الثاني: حدوث الكلام لا في محل ممتنع لأن الكلام المحدث يستحيل أن يكون جوهرا لأن الكلام صفة والصفة هي ما تتميز به الذات المتصفة به عن غيرها من الذات، لذا لا يجوز حدوث الكلام لا في محل لأنه ليس جوهر. وأيضا ليس الكلام عرضا لاستحالة قيام العرض بذاته غير مفتقر إلى محل يقوم به لذا فليس الكلام عرضا ولا يجوز القول بأنه يحدث لا في محل. وأيضا ليس الكلام عرضا لاستحالة قيام العرض بذاته غير مفتقر إلى محل يقوم به لذا فليس الكلام عرضا ولا يجوز القول بأنه يحدث لا في محل. وأيضا لو جاز وجود الكلام لا في محل لم يكن ذات ما متكلما به، إذ ليس أولى بالاتصاف به من ذات، ويستحيل أن تصير الذوات كلها متكلمة بكلام واحد ولو جاز هذا لجاز أن تكون جميع الأجسام متحركة بحركة واحدة. أيضا استحالة أن تصير ذات ما موصوفة بالكلام الذي هو واحد لا في محل لأن فيه إخراج من أن يكون كلام الله، وإخراج ذات الله تعالى من أن يكون متكلما.

الوجه الثالث: وهو حدوث الكلام في محل سوى ذات الله محال، لأن الكلام لو حدث في محل لكان المتكلم الآمر الناهي هو ذكل المحل لا الله تعالى لأن الاسم المشتق عن الصفة يكون راجعا إلى محل الصفة لا إلى إذن فكلام الله تعالى ليس حادثا بل هو موصوف به في الأزل ويرى أبو المعين أنه لو لم يكن الله تعالى متكلما في الأزل لكان موصوفا بضد من أضداد الكلام كالسكوت والآفة وهذا محال، وذلك لأن الآفة والخرس وغيرهما ممتنع على القديم إذ ذلك من آمارات الحدث.

فكلامه تعالى أزلي وغير مخلوق لأنه صفة أزلة ثابتة وهو الكلام النفسي القديم، والقرآن المحفوظ والمتلو وعباراته هي عبارة وحكاية عن الكلام النفسي وهو مخلوق. وخلاصة القول إن ما تنفيه المعتزلة وهو الكلام النفسي تثبته الماتريدية وأن ما تثبته المعتزلة من أن كلام الله مخلوق تنفيه الماتريدية وإن اتفقا على أن القرآن المتلو والمحفوظ والمكون من عبارات وحروف مخلوق.

رؤية الله

يثبت أبو المعين رؤية الله في الآخرة ويورد أدلة كثيرة على إثبات الرؤية ونوجز تلك الأدلة فيما يلي:

  1. سؤال موسى للرؤية ولو لم يكن مرئيا لكان هذا منه جهلا بخالقه ونسبة الجهل بالله إلى الأنبياء كفر.
  2. أنه تعالى قال لموسى لن تراني، نفى رؤية موسى إياه ولم ينف الرؤية.
  3. تعلق الرؤية باستقراء الجبل واستقراره من الجائزات.
  4. لم يعاتبه الله عند سؤاله الرؤية ولا أيأسه.
  5. تجلى الله للجبل أي كما قال الماتريدي ظهور الله إلى الجبل ولكن لا يفهم من ظهوره ما يفهم من ظهور غيره.
  6. قول الماتريدية العلة المطلقة للرؤية هي كونه قائما بالذات، فما كان قائما بالذات يجوز رؤيته، وما لا يكون قائما بالذات يستحيل رؤيته، والله تعالى قائم بالذات فكان جائز الرؤية وهذا رد على المعتزلة الذين يعلقون الرؤية بالجسم ويقولون إنه لا يعتقد أحد أن الله يرى إلا ويعتقد أنه جسم لذا يقول الماتريدية بأن الله يرى لأنه قائم بالذات لا لأنه جسم، ويقولون بهذا لدفع حجة المعتزلة لا لإثبات الرؤية، إذ أن الأدلة العقلية عندهم هي لدفع حجج الخصوم في الرؤية أما إثبات الرؤية فطريقها السمع.
الإرادة

قيل في تحديد معنى الإرادة إنها معنى توجب اختصاص المفعول بوجه دون وجه، إذ لولا الإرادة لوقفت المفعولات كلها في وقت واحد، والمراد بها عند المتكلمين بأنه هو ما من كون الموصوف لها مختارا في فعله.

ولقد اختلف في وصف الله تعالى بالإرادة، فالنظام والبغداديون من المعتزلة أمثال الكعبي والخياط ومن تابعهم قالوا بأنه لا يوصف بالإرادة على الحقيقة بل يوصف بها بطريق المجاز، فإرادة الله في فعله أنه فعل وهو غير ساه ولا مكره ولا مضطر وإرادة الله في فعل غيره بأنه أمر به، واستدلوا على ذلك بقولهم إن الإرادة هي الشهوة، فلو كان الله مريدا لكان مشتهيا. ويرى أبو المعين أن الله تعالى موصوف بالإرادة على الحقيقة، والدليل على ذلك:

  1. وقوع مدلولاته المتجانسة على أوصاف مختصة يجوز وقوعها على غيرها وكذلك على هيئات محسوسة وأمكنة مخصوصة وأزمنة، فعلم عند تجانسها أن وقوعها على هذا الاختلاف في هذه الوجوه لم يكن اقتضاء ذواتها فعلم أن ذلك كان لإرادة الفاعل.
  2. أنه لو لم يكن مريدا لكان مضطرا.
  3. بطلان قول من قال إن إرادته لفعل الغير أمر، قوله تعالى: ﴿ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا﴾ سورة يونس:99 فلو كانت الإرادة أمرا لكان يقول: ولو أمر ربك لآمن من في الأرض.
  4. الأصل أن تلحق مسألة الإرادة بمسألة خلق الأفعال لأننا لو قلنا إن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى طاعة أو معصية أو كفر، والله غير مضطر في تخليقه كان مريدا لما خلقه.

والله تعالى مريدا بإرادة قائمة بذاته أزلية، وليست حادثة خلافا لما ذهب إليه العلاف والجبائي وابنه أبو هاشم الذين يقولون بأن الله مريدا بإرادة حادثة وما ذهبت إليه الكرامية أنه مريد بمريدية وهي قدرته على الإرادة وإحداث العالم بإرادة حادثة.

وإرادته تعالى غير أمره ومحبته ورضاه، فكل حادث حدث بإرادة الله تعالى ثم ما كان من ذلك طاعة فهو بمشيئته وإرادته وقضائه وقدره وليس بأمر الله ولا برضاه ومحبته، وذلك لأن محبته ورضاه يرجع إلى كون الشيء عنده استحساناً. ويذهب أبو المعين إلى أن إرادة الله شاملة لكل ما يحدث في الكون فكل حادث حدث بإرادة الله تعالى خيرا كان أو شرا، حسنا أو قبيحا، جوهرا كان أو عرضا، طاعة أو معصية. وتقول المعتزلة إن الله تعالى يريد من أفعالنا ما هو حكمة أو طاعة ولا يريد ما هو معصية وقبيح، واحتجوا بقول الله تعالى: ﴿ولا يرضى لعباده الكفر﴾ سورة الزمر:7 ولا يرضى لعباده الظلم. ويرد أبو المعين بأن الله تعالى خلق الكفر وأراده قبيحا وظلما، فمن أتى الكفر فهو ظالم وليس الله بذلك بمريد له الظلم إذ هو جزاء فعله، فالله قد أراد الكفر والمعاصي ظلما وقبحا من فاعليها وليس في هذا ظلم لهم.

ويرى أبو المعين أن خلق الكفر غير فعل الكفر نفسه، إذ خلق الشيء غير الشيء والتكوين غير المكون، وهو يقول بأن الكفر مكون وتكوينه غيره، فلم يكن هو فعل الله تعالى بل هو مفعوله وكون المفعول قبيحا لا يوجب قبح التكوين.

ولقد ذكر أبو المعين حجج من يقول بشمول الإرادة الإلهية، فلقد ذكر حجة أهل الحق وتمسكهم بقوله تعالى: ﴿ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس﴾ سورة الأعراف:179 ومن ذرأه لجهنم أراد به ما يصير لجهنم، إذ لو ذرأه لجهنم مع إرادة بأن يصير للجنة فقد أراد منه ما يصير بإدخاله بإذرائه له ظلما وهذا محال. ولقد اعترضت المعتزلة على ذلك التفسير للآية وذكروا أن قوله تعالى: ﴿ولقد ذرأنا لجهنم﴾ سورة الأعراف:179 أنه أراد ما عاقبته جهنم فاللام هنا لام العاقبة لا لام التعليل ولقد رد أبو المعين بأن استعمال لام العاقبة تجوز فيمن يجهل العاقبة ولا يحصل له ما هو المقصود.

صفة التكوين

تمثل صفة التكوين أهمية خاصة في الخلاف بين المتكلمين، فهي لم تكن مثار الخلاف بين المثبتين للصفات وبين النافين للصفات فحسب، بل كانت أيضا مثار خلاف بين المثبتين أي بين الماتريدية والأشاعرة. ولقد عرض أبو المعين النسفي لمعنى التكوين والاختلاف الذي وقع بين المتكلمين فقال: إن التكوين والتخليق والخلق والإيجاد والإحداث والاختراع أسماء مترادفة يراد بها معنى واحد وهو إخراج المعدوم من العدم إلى الوجود. وقد عرض لمختلف الآراء المعتزلة والنجارية والكلامية والقلانسية والأشعرية يقولون بأن التكوين هو عين المكون وهو حادث وقال بعض المعتزلة كالعلاف وبشر بن المعتمر وابن الراوندي بأن التكوين معنى وراء المكون فالعلاف قال إن التكوين يوجد مع المكون لاستحالة قيامه بنفسه، وقال بشر ابن المعتمد إن التكوين يوجد مع المكون إذ لو لم يكن قبله لعطل كون الاستطاعة قبل الفعل، وقال ابن الراوندي إنه قائم لا في محل، وقال هشام بن الحكم إن التكوين لا هو المكون ولا غيره، وقالت الكرامية إنه كان في الأزل خالقا بالخالقية، رازقا بالرازقية، ويفسرون الخالقية بالقدرة على التخليق. وهذه الآراء تتفق في حدوث التكوين وتختلف في جعل التكوين عين المكون أو معنى المكون، واختلفوا في محله فمنهم من قال التكوين قائم بالمكون ومنهم من قال قائم لا في محل.

أما الماتريدية فيقولون بأن التكوين صفة أزلية وهو غير المكون الحادث وذلك قياسا على الإرادة والمراد، فيكون التكوين لكل مكون يكون يناله لوقت وجوده كإرادة وجود لكل موجود لكونه إرادة لوجوده لوقت وجوده. ويقول الماتريدية إنه لو كان التكوين هو المكون من يكن من الله تعالى إلى العالم شيء يوجب كونه خالقا للعالم سوى أن ذات الباري أقدم من العالم وكون ذات أقدم من غيره لا يوجب كون الثاني مخلوقا. ولقد احتج القائلون بحدوث التكوين لأن القول بقدم التكوين يستدعي قدم المكون كما أن وجود الضرب ولا مضروب، ووجود الكسر ولا مكسور، ووجود الجرح ولا مجروح محال.

ويرد أبو المعين بالتفرقة بين القديم والحادث، فالتكوين قديم والمكون حادث والمكون هو الذي يتعلق وجوده بسبب من الأسباب فهو محدث، أما القديم فهو المستغني في وجوده عن غيره، ولما كان المكون محدثا ويحتاج في إيجاده ضرور

Source: wikipedia.org