If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
بعدما استولت الحملة الصليبية الأولى على القدس سنة 1099، تهافت الحجاج المسيحيون على زيارة الأراضي المقدسة. وبالرغم من إحكام الحملة الصليبية قبضتها على الأمور في القدس نسبيًا، إلا أن الأمر لم يكن كذلك في سائر الأراضي المحتلة أو أراضي ما وراء البحار، حيث عجت تلك الأراضي بقطاع الطرق الذين لم يتورعوا عن قتل الحجيج بأعداد هائلة وصلت إلى بضع مئات في بعض الأحيان، وذلك أثناء عبورهم الساحل عبر مدينة يافا في طريقهم للأراضي المقدسة.
بناءً على ما تقدم، فقد قام الفارس الفرنسي هيوجز دي بانز سنة 1120 برفع طلب إلى الملك بلدوين الثاني ملك القدس، والبطريرك ورموند بطريرك كنيسة اللاتين في القدس يقترح فيه إنشاء تنظيم رهباني يضطلع بمهمة حماية الحجيج المسيحيين. وافق الرجلان على الاقتراح في جلسة مجلس نابلس في يناير 1120 وجهز الملك للفرسان مقرًا في جناح من القصر الملكي في جبل الهيكل في المسجد الأقصى المحتل.
كان لجبل الهيكل قدسية خاصة لما يقال عن استقراره على أنقاض معبد سليمان واعتياد الصليبيين الإشارة إلى المسجد الأقصى بمعبد سليمان، و منه وسم التنظيم نفسه بالجنود الفقراء للمسيح ومعبد سليمان وارتبط اسمهم بالمعبد أو الهيكل فنعتوا أنفسهم ب "فرسان الهيكل".
افتقر التنظيم الذي بدأ بتسعة فرسان (منهم جودفري دي سان أومير، وأندريه دي مونتبارد) إلى التمويل المالي واعتمدوا في بقائهم على التبرعات التي جاء منها رمز التنظيم الذي يصور فارسين يمتطيان جوادًا واحدًا، إشارة إلى ضيق حال التنظيم.
لم يستمر وضع فرسان الهيكل على هذه الحالة من الفقر طويلاً، حيث كان لهم صوت مسموع وبارز في الكنيسة متمثلاً في القديس برنارد دي كليرفو أحد أبرز الرموز القيادية في الكنيسة وابن أخ الفارس أندريه دي مونتبارد.
قام برنارد بدعم التنظيم بكامل قوته وكتب باسمهم وعنهم في كتابه "في مدح تنظيم الفروسية الجديد." كما قاد عام 1129 مجموعة من رجال الكنيسة للموافقة على التنظيم والمصادقة عليه باسم الكنيسة في مجلس تروا المنعقد في ذلك العام.
من هنا، أصبح التنظيم قبلة الأعمال الخيرية في العالم المسيحي، حيث استقبل الهبات من الأموال والأراضي والأعمال والمتطوعين من أبناء العوائل النبيلة الذين تهافتوا على المشاركة في الحرب بالأراضي المقدسة.
نال فرسان الهيكل امتيازًا عظيمًا آخرَ في عام 1139 عندما أصدر البابا إنوسنت الثاني مرسومًا بابويًا يعرف باسم "العطية بالغة الكمال (باللاتينية: Omne Datum Optimum) والذي أعفي بموجبه أعضاء التنظيم من الخضوع للقانون المحلي وأصبح لهم حق اجتياز جميع الحدود بحرية تامة، إضافة إلى إعفائهم من دفع الضرائب وعدم الخضوع ولا الولاء ولا الامتثال إلا للبابا فقط.
بهذه الرؤية الواضحة وبهذا التمويل الوفير أخذ التنظيم في النمو والازدهار، حيث شكل الفرسان قوة الهجوم الأساسية في المعارك الصليبية الكبرى، يناط بفرسانها المدججين بالدروع الثقيلة على جيادهم الحربية المبادرة بالكر على جيش العدو لزعزعة صفوفه.
تجدر الإشارة هنا إلى أن أحد أبرز انتصارات فرسان الهيكل كانت في معركة الرملة، حيث ساهم نحو 500 فارس من فرسان الهيكل بشكل فعال في دعم جيش الصلبيين البالغ بضعة آلاف وإلحاق الهزيمة بجيش صلاح الدين البالغ 26000 جندي .
من الجدير بالذكر أن غالبية أعضاء التنظيم كانوا من المدنيين بالرغم من السمة والتوجه العسكري للتنظيم، حيث قام هؤلاء كل من مركزه المدني على دعم التنظيم وقيادة بنيته التحتية الاقتصادية، وبلغ به الأمر إلى الاحتكام على ثروة تجاوزت بكثير حجم التبرعات المباشرة المقدمة له، على الرغم من قسمهم بالحفاظ على فقرهم؛ فمثلا، كان النبلاء المتحمسون للمشاركة في الحملات الصليبية يسندون إدارة جميع أصولهم المالية إلى أعضاء التنظيم ريثما يعودون منها. وعلى هذا المنوال تراكمت ثروات طائلة لدى فرسان الهيكل من كل بقعة من بقاع العالم المسيحي ومناطق ما وراء البحر. وفي عام 1150 بدأ التنظيم في إصدار صكوك الاعتماد المالية للحجيج المسافرين إلى الأراضي المقدسة.
استند نظام الصكوك هذا على مبدأ الأمانات، حيث كان الحاج يترك مقتنياته القيمة أو أمواله لدى أمين من أعضاء التنظيم قبل سفره ويستلم بدلا عنها وثيقة تحتوي على قيمة ما أودع بشكل صك. تسلم هذه الوثيقة في الأراضي المقدسة و بها يستلم الحاج ما يساوي قيمة وديعته.
ربما يكون هذا الابتكار هو الصورة الأولية للنظام المصرفي الحديث وكذلك أول نظام مالي يعتمد رسميا على استخدام الصكوك. نجح هذا النظام في صيانة الحجيج فلم يعد يجدي اللصوص وقطاع الطرق مهاجمتهم كما ساهم في إثراء خزائن التنظيم المالية.
أدى هذا المزيج من التبرعات والتعاملات المالية بالمحصلة إلى تحكم فرسان الهيكل في شبكة اقتصادية بالغة القوة والاتساع في جميع أنحاء العالم المسيحي، فامتلكوا الأموال الطائلة، والمساحات الشاسعة من الأراضي في كل من أوروبا والشرق الأوسط، وكذلك امتلكوا المزارع وحقول العنب وتولوا إدارة غيرها وشيدوا الكنائس والقلاع والحصون كما عملوا في الصناعة والاستيراد والتصدير وامتلكوا أسطولهم البحري الخاص، حيث خضعت مدينة قبرص في فترة من الزمان بالكامل إلى سيطرة التنظيم. واستناداً إلى ما سبق، يدرج بعض المفكرين تنظيم فرسان الهيكل على أنه أول شركة متعددة الجنسيات في العالم.