If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
خَانِيَّةُ القَبِيلَةِ الذَّهَبِيَّة أو دَولَةُ مَغُولِ القَفجَاق أو دَولَةُ مَغُولِ الشَّمَالِ أو القَبِيلَةُ الذَّهَبِيَّةُ اختصارًا (بِالمغوليَّة: ᠠᠯᠲᠠᠨ ᠣᠷᠳᠣ؛ وبِالتتريَّة: آلتون اورطه أو اولوس جوجي) هي دولةٌ قامت بدايةً كإحدى خانيَّات إمبراطوريَّة المغول، واحتلَّت الرُكن الشمالي الغربي منها. أسَّسها باطو بن جوجي بن جنكيز خان، وشغلت منطقةً واسعةً في بلاد القفجاق، تمتد من نهر إيرتيش شرقًا إلى أرض البلقار والڤولغا غربًا، ومن الروسيا وبلاد الصقالبة شمالًا إلى الدولة الإلخانيَّة في إيران وآسيا الصُغرى، بِالإضافة إلى بلاد ما وراء النهر وتُركستان في الجنوب. توسَّعت هذه الخانيَّة التي كانت تتركَّز حول نهر الڤولغا، فامتدَّت غربًا حتَّى وصلت إلى جبال الكربات عبر الروسيا وبولونيا والمجر وساحل دلماسيا، وبنى باطو مدينة سراي القديمة على نهر الڤولغا في مُنتصف الطريق بين مدينتيّ ڤولگوگراد وأستراخان المُعاصرتين، واتَّخذها عاصمةً له، ثُمَّ بنى بركة خان سراي الجديدة في المنطقة نفسها واتخذها عاصمةً لِدولته.
شغلت خانيَّة مغول القبيلة الذهبيَّة حيِّزًا هامًّا في التاريخين الآسيوي والأوروپي في التاريخ القروسطي، واستقلَّت عن إمبراطوريَّة المغول العِظام في سنة 658هـ المُوافقة لِسنة 1260م، وشقَّت لها طريقًا خاصًّا فرضته ظُرُوفها الداخليَّة والخارجيَّة. أخضعت هذه الخانيَّة الإمارات الروسيَّة المُتناثرة في الوسط والشمال، المُتنازعة أبدًا، وفرضت على الأُمراء الروس الجزية والضرائب، وقامت العلاقة بين الطرفين على التبعيَّة مع الاحتفاظ باستقلال هذه الإمارات. اعتنق مغول القبيلة الذهبيَّة الإسلام، وبدأت الخانيَّة، مُنذُ عهد بركة خان، تأخذ شكلها ووضعها كدولةٍ إسلاميَّة. وبِفعل هذا التوجُّه الإسلامي أقام مغول القبيلة الذهبيَّة علاقاتٍ وديَّةٍ مع المماليك في مصر والشَّام، وقد جمعتهُما مصلحة سياسيَّة مُشتركة من واقع العداء لِلمغول الإلخانيين في فارس. ويرجع سبب هذا العداء إلى التنازع بين الدولتين على مناطق الأطراف المُتاخمة لِبحر الخزر (قزوين) وأذربيجان. ازدهرت تلك الدولة بعد وفاة باطو خان، من سنة 1255م حتَّى سنة 1359م، على أنَّ كثرة مُؤامرات أحد القادة، واسمه «نوقاي خان»، أدخلها في حربٍ أهليَّةٍ جُزئيَّةٍ أواخر العقد التاسع من القرن الثالث عشر الميلادي، إلَّا أنَّ نُفُوذ تلك الدولة عاد وكانت ذروته في عهد أوزبك خان (1312-1341م) الذي أعلن الإسلام دينًا رسميًّا لِلدولة بعدما غلب تمامًا على أهلها.
تعرَّضت خانيَّة القبيلة الذهبيَّة، مُنذُ أواسط القرن الرابع عشر الميلاديّ، لِخضَّاتٍ سياسيَّةٍ زعزت كيانها وأثَّرت سلبًا على مسيرتها. فمرَّت عليها تجربة عنيفة أوائل سنة 1359م، فسادت فيها الفوضى السياسيَّة والصراع على السُلطة، وقد أتاحت هذه الصراعات الداخليَّة الحادَّة لِلروس المُتوثبين الفُرصة لِتخفيف الضغط المغولي الواقع عليهم، وتُوِّج ذلك بِانتصار جيشٍ روسيٍّ على جيشٍ مغوليٍّ في سنة 870هـ المُوافق فيه 1378م، لِأوَّل مرَّة مُنذُ مائة وأربعين سنة. وظهر خطر تمزُّق الدولة الذي استمرَّ مُدَّة عشرين سنة حتَّى أنقذها تُوقتمش خان سنة 1381م، بعد نجاحه في إعادة تجميع أوصالها. ولم يكد هذا الخان يقطف ثمار نجاحه حتَّى تعرَّضت الخانيَّة لِغزوات تيمورلنك المُدمِّرة التي غيَّرت، بِشكلٍ جذريٍّ، معالم الدولة السُكَّانيَّة والسياسيَّة، وزعزعت كيانها بِحيثُ لم تقم لها بعد ذلك قائمة. وتفاقمت، بعد وفاة تُوقتمش خان، حدَّة الصراعات على السُلطة في ظلِّ حُكم خوانين ضعاف مرُّوا بِشكلٍ مُتسارع، وتوثَّب الروس لِلانعتاق من الهيمنة المغوليَّة، فارتبط تاريخ خانيَّة القبيلة الذهبيَّة مُنذُ ذلك الحين وحتَّى زوالها بِتاريخ روسيا. تفكَّكت تلك الدولة وانقسمت إلى عدة كياناتٍ تتريَّة أصغر ممَّا تسبب في إضعافها وانهيارها التدريجي مع بداية القرن الخامس عشر الميلاديّ، حيثُ كان يُشار إليها سنة 1466 باسم «القبيلة الكُبرى». وظهرت داخل أراضيها العديد من الخانيَّات الناطقة بِاللُغة التُركيَّة، مثل خانيَّات أستراخان وقازان والقرم وسيبير، وقد راحت تُهدُّد الإمارة المسكوبيَّة الشماليَّة بِشكلٍ مُباشر، ما دفع حُكَّامها إلى مُحاربتها والاستيلاء عليها الواحدة تلو الأُخرى. وفي صيف سنة 1480م، استطاع المسكوب(1) تخليص أنفُسهم من النير المغولي وذلك بعد مُواجهة الجيشين الروسي والتتري على نهر أوغرة. وكانت خانيَّتا القرم والقازاق آخر بقايا خانيَّة القبيلة الذهبيَّة، وقد سقطتا تباعًا في سنتيّ 1783 و1847م.
كان لِاعتناق مغول القبيلة الذهبيَّة الإسلام أثرًا إيجابيًّا على مُستواهم الحضاري والثقافي، فقد تحوَّلوا من الهمجيَّة المُفرطة إلى الاستقرار، وعمرت بلادهم بِالعُلماء. ويرجع الفضل إلى بركة خان في إعلاء شأن العلوم والآداب والثقافة بِصفةٍ عامَّة في مُختلف أرجاء دولته. فقد أولى الخان المذكور ومن أتى بعده اهتمامه بالحياة العلميَّة والثقافيَّة، حيثُ أنشأ المساجد والمدارس والزوايا في جميع أنحاء البلاد وقرَّب العُلماء والفُقهاء، من هذه الزوايا ما ذكره ابن بطُّوطة في مُختلف المُدن التي زارها: زاوية الشيخ زادة الخُراساني في القرم، وقُربها كانت زاوية تابعة للأمير «تلكتمو» وزاوية كانت لِشيخٍ يُسمَّى «رجب النهر» في مدينة آزاق، وفي مدينة سراجوق كانت هناك زاوية لِرجُلٍ يُدعى «آتا صالح» من التُّرك. وفي مدينة الماجر وُجدت زاوية الشيخ الصالح العابد مُحمَّد البطائحي، وكان بها نحو سبعين من فُقراء العرب والفُرس والتُّرك والروم، وفي مدينة سراي العاصمة كانت هناك زوايا كثيرة أهمها وأشهرها زاوية الشيخ نعمان الدين الخوارزمي التي اعتاد السُلطان أوزبك على زيارتها كُلَّ جُمُعة، وفي مدينة خوارزم زاوية الأمير «قطلوتيمر» نائب السُلطان أوزبك. وفي الحقيقة، فإنَّ ما ساهم بازدهار الحياة العلميَّة والثقافيَّة في بلاد القبيلة الذهبيَّة كان العُلماء والفُقهاء الذين وفدوا إليها هاربين من بطش هولاكو خان وابنه أباقا وسياستهما المُعادية لِلمُسلمين، وساهم عداء مغول القفجاق لِلمغول الإلخانيين باجتذاب هؤلاء العُلماء والفُقهاء الذين عانوا الأمرّين على يد مغول فارس، فعيَّنهم بركة خان في مناصب الدولة المُختلفة مُستغلًا مواهبهم وقُدراتهم. وقد أتى ابن بطُّوطة على ذكر أولئك العُلماء الذين وفدوا من فارس والعراق والشَّام ومصر وتسلُّموا مناصب قضائيَّة وعلميَّة وكان لهم دورًا في تحويل جميع مغول القفجاق إلى الإسلام مع مُرُور الزمن.
ليس هُناك من مصدرٍ مُؤكَّدٍ لأصل تسمية القبيلة الذهبيَّة، وإن كانت كلمة أصفر (ساري أو سارو) تعني «المركز» أو «المركزي» في اللُغات التُركيَّة القديمة. وتباين مُصطلح اللون مع الجناحين الأساسيين لِلقبيلة: «القبيلة الزرقاء» في الغرب، و«البيضاء» في الشرق. كلمة «أورطة»، وقد تُكتب وتُلفظ «أُردُو»، هي مُصطلح تُركي مغولي يرمز لِلجيش أو الفرقة العسكريَّة، وقُصد بها الإشارة لِلجُيُوش التي قادها باطو خان ومن تلاه من حُكَّام تلك القبيلة. وقد يُقصد بها أيضًا «المُخيَّم» أو «المُعسكر» أو «الخيمة» أو «مركز الحُكُم»، أو «البلاط الملكي». يُرجِّح البعض سبب تسمية القبيلة بـ«الذهبيَّة» إلى اتخاذ زعيمها باطو خان، أو أوزبك خان، خيمةً ذهبيَّةً يسكنها، والتي سُميت بـ«القصر الذهبي»، وقيل أنَّهم سُمُّوا هكذا نسبةً إلى خيامهم ذات اللون الذهبي.
وأُطلق على القبيلة الذهبيَّة في مُعظم المصادر الإسلاميَّة التي عاصرت هذه الدولة اسم «خانيَّة القفجاق» أو «مغول القفجاق» أو «أولوس جوجي» (وتعني «مملكة جوجي» باللُغة المغوليَّة) كما ورد في كتاب «جامع التواريخ» لِرشيد الدين فضل الله الهمذاني، حيث شكَّل القفجاق غالبيَّة القبائل الرُّحَّل في المنطقة التي قامت فيها الخانيَّة. والمعروف أنَّ مُعظم سُكَّان المناطق التي امتدَّت عليها أراضي القبيلة الذهبيَّة كانوا من الشُعُوب التُركيَّة مثل: القفجاق والكانكالي والقازاق والقيرغيز والموردوڤيُّون والبُلقار وغيرهم. وكان من بينهم غجريُّون وجنويُّون والقليل من الأرمن والكثير من الروس. وكان القفجاق البدو أغزر تلك الشُعُوب كما أُسلف، واعتمدوا في معايشهم على التنقُّل والترحال، وكان أغلبهم وثنيين، وقد تزايدت أعدادهم في القرن الخامس الهجري المُوافق لِلقرن الحادي عشر الميلادي، فانتشروا في أماكن واسعة، واستقرُّوا في حوض نهر الڤولغا الأدنى وفي صحراء الغُز، الواقعة شماليّ بلاد ما وراء النهر وخوارزم، وتمتد غربًا حتَّى بحر البنطس (الأسود)، وتصل في تمدُّدها شمالًا إلى جنوبيّ روسيا، ولِذلك سُمِّيت باسم «صحراء القفجاق» أو «دشت قفجاق». كوَّن القفجاق مملكةً كانت عاصمتها سوداق في شبه جزيرة القرم. ونظرًا لِمُجاورة أراضيهم الأراضي الروسيَّة، فقد وقعت بينهما احتكاكاتٌ وحُرُوبٌ طويلة الأمد استمرَّت حتَّى مجيء المغول في سنة 620هـ المُوافقة لِسنة 1223م، كانت بِمُعظمها سجالًا، إلَّا أنَّها أضعفت كُلًّا منهما، الأمر الذي أتاح لِلمغول المُندفعين من الشرق أن ينقضُّوا عليهما. وعندما أتمَّ باطو خان غزو بلاد القفجاق وجنوبيّ الروسيا في سنة 636هـ المُوافقة لِما بين سنتيّ 1238 و1239م، هرب خان القفجاق إلى بلاد المجر، وتمزَّقت دولته، وامتزج القفجاقيُّون بِالفاتحين المغول حتَّى استحال التمييز بينهم، ودخلوا جميعًا في الإسلام، واشتركوا معهم في السُلطة حتَّى تسمَّت دولة المغول هُناك باسم «دولة مغول القفجاق». عُرفت هذه الدولة أيضًا بِـ«دولة مغول الشمال» كونها وقعت شمال الخانيَّة الجغطائيَّة أو خانيَّة تُركستان وما وراء النهر، والدولة الإلخانيَّة في إيران وآسيا الصُغرى. حتَّى القرن السادس عشر الميلادي، لم يستخدم المُؤرخون الروس صراحةً مُصطلح القبيلة الذهبيَّة لِوصف تلك الخانيَّة، وأوَّل استخدام معروف لِهذا المُصطلح كان سنة 1565م في المُؤلَّف الروسي عن تاريخ قازان، حيثُ طُبِّقت التسمية على المنطقة المُسمَّاة «أولوس جوجي» (بالروسية: Улуса Батыя؛ زولوتايا أورطة) التي عاصمتها مدينة سراي.
لم يرَ بركة مانعًا من عدم الإخلاص لِلخاقان الأعظم منكو طيلة حياته، على الرُغم من المرارة التي شعر بها، لِأنَّ منكو جعل بلاد القفقاس وما جاورها، وهي أصلًا تابعة لِمغول القبيلة الذهبيَّة، من نصيب هولاكو. ويُمكن استنتاج ذلك من السكَّة المضروبة في عهده، وقد ضُرب على أحد الوجهين عبارة «منكو الخاقان الأعظم» وعلى الوجه الآخر عبارة «نُقُود البُلقاري»، والمعروف أنَّ البُلقار كانت آنذاك المكان الوحيد لِضرب النُقُود في خانيَّة القبيلة الذهبيَّة. وعندما تُوفي منكو في سنة 657هـ المُوافقة لِسنة 1259م اندلعت الحرب الأهليَّة في الإمبراطوريَّة المغوليَّة. فالنزاع الذي جرى على الساحة بين الأخوين قوبلاي وأريق بوقا، والذي استمرَّ أربعة سنوات (658 - 662هـ 1260 - 1264م)، قسَّم المغول. فقد ساند بركة أريق بوقا واعترف به وارثًا شرعيًّا لِعرش الإمبراطوريَّة المغوليَّة، في حين ساند هولاكو قوبلاي، وعندما انتصر هذا الأخير وأضحى خاقانًا أعظمًا، وقع بركة في عُزلةٍ سياسيَّةٍ تامَّة، فقطع جميع علاقاته مع عاصمة الخاقان الأعظم، وهي خان بالق، واستقلَّ عن المغول العظام، وقد نتج عن هذه الحالة ما يلي: اختفاء اسم الخاقان الأعظم من على قطع النُقُود المسكوكة في بلاد القبيلة الذهبيَّة مُنذُ سنة 658هـ المُوافقة لِسنة 1260م، ولِهذه الظاهرة أهميَّتها الخاصَّة لِأنَّ العملة في تلك الأيَّام كانت رمزًا لِوُجُود السُلطة الشرعيَّة، كما ضُربت نُقُودٌ في البُلقار تحمل اسم أريق بوقا، ولم تعد قوائم أسماء خوانين مغول القبيلة الذهبيَّة تحملُ، في مملكة يوان الصينيَّة (مقر حُكم قوبلاي خان)، اسم بركة. وبرز عداءٌ شديدٌ ومُستحكم بين بركة وهولاكو نصير قوبلاي، وشكَّلت بلاد ما وراء النهر إسفينًا حاجزًا بين دولتيّ المغول العظام في الصين والدولة الإلخانيَّة في إيران الصديقتين، الأمر الذي أدَّى إلى عزل خانيَّة القبيلة الذهبيَّة، فأضحت خارج المُجتمعات المغوليَّة بِعامَّة والمغول الإلخانيين بِخاصَّة.
لم يعمد المغول، بعد سيطرتهم على البلاد الروسيَّة، إلى تغيير أوضاعها الداخليَّة بِشكلٍ مُباشر، وظلَّت القوانين والأعراف الروسيَّة هي السائدة، كما أنَّهم لم يُغيِّروا حُكَّام الولايات طالما قدَّموا لهم فُرُوض الولاء والطاعة، وظلَّ مُلَّاك الأراضي على وضعهم الحُقُوقي لِأنَّ المغول، كشعبٍ بدويٍّ، فضَّلوا التمركز في السُهُول الشرقيَّة والجنوبيَّة الواسعة. والمعروف أنَّ الخواقين العظام كانوا، مُنذُ عهد گُيوك خان، يُرسلُون الجُباة إلى الروسيا لِجمع الضرائب المفروضة على الروس، ويبدو أنَّ هؤلاء كانوا يشتطُّون في تحصيلها، كما أنَّهم كانوا يستعبدون واحدًا من كُلِّ ثلاثة أولاد، بِالإضافة إلى كُلِّ الأشخاص العازبين الذين يعجزون عن دفعها، والجدير بِالذكر أنَّ ضريبة الرُؤوس كانت تُفرض على الشخص من دون تمييز بين الغني والفق