If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
بعد استقرار الأحوال في مصر وتحسن الاقتصاد تحت الحماية البريطانية وإعادة تنظيم الجيش المصري قررت الحكومة البريطانية في 12 مارس 1896 إرسال بعثة عسكرية لإعادة احتلال مديرية دنقلا بدعوى تخفيف الضغط عن الإيطاليين في كسلا في شرق السودان. إلا أن الهدف الأرجح هو مخاوف البريطانيين من احتلال الفرنسيين للسودان مع توارد أنباء عن تحرك قوات فرنسية من الكونغو بقيادة الميجر مارشاند (أنظر حادثة فشودة أدناه).
لم تتم استشارة المصريين في الامر رغم أن المهمة قد أسندت للجيش المصري بقيادة كتشنر الذي تلقى تعليماته من اللورد كرومر مباشرة ودون أي تدخل من وزارة الحربية المصرية.
كان ميزان القوة يميل للقوات الغازية بشكل كبير. إذ تتفوق على قوات المهدية في التدريب والعتاد و السلاح الناري. و كانت العقبة الأساسية أمامها هي طول خطوط الإمداد في أراضي العدو.
أما بالنسبة للمهديين فقد تفوقوا عددياً واشتهروا بالإقدام الكبير وباستعدادهم للموت في سبيل قضيتهم والجنة التي وعدهم بها المهدي وخليفته. و كان أملهم الوحيد في النصر هو استغلال طبيعة الأرض لصالحهم وضرب خطوط الإمداد. بلغت قوات المهدية 10000 مقاتل في دنقلا تحت قيادة محمود بشارة وقوة من 2000 مقاتل تتمركز في صواردة بقيادة حمودة إدريس.
بلغت خطوط إمداد كتشنر أكثر من 800 ميل قبل مغادرته لصرص آخر محطات الجيش المصري جنوباً. وتنوعت وسائل نقله بين السكك الحديدية والبواخر النيلية والقوارب الشراعية.
قرر كتشنر التقدم في شكل وثبات أو مراحل: تبدأ بحشد القوات ثم التقدم والهجوم ثم التمركز مجددا ومد خطوط الإمداد ثم حشد القوات والتقدم ثانية.
فصلت بين قوات الغزو في صرص وقوات المهدية في صواردة حوالي المائة ميل من الأراضي الجرداء الوعرة التي تعرف ببطن الحجر التي تبادل الجانبان إرسال الأطواف إليها.
أرسل كتشنر في 18 مارس 1896 طابورا صغيرا قام باحتلال عكاشة في منتصف المسافة تقريبا بين القوتين. و سرعان ما حولها لمعسكر حصين بدأ حشد قواته فيه. وسير الأطواف بينه وبين صرص لحماية طريق القوافل في نفس الوقت الذي عمل فيه على مد خط السكة الحديدية من صرص. وعملت كتيبة من 800 رجل على الخط الحديدي الذي تقد ببطء حتى وصل أمبكول على بعد 22 ميلا شمال عكاشة في 21 مايو.
بلغت قوات كتشنر في عكاشة 9000 جندي وشن بهم هجوماً خاطفا على فركة -أخفاه بعناية فائقة- من محورين: محور النهر ليقوم بهجوم مباشر ومحور الصحراء ليهجم من الجناح ويقطع طريق الفرار على المهديين.
بدأت معركة فركة في صباح 7 يونيو 1896 وفوجئ المهديون تماماً. قاتل المهديون بشجاعة إلا أن المعركة انجلت عن 1000 قتيل من جانبهم وأسر 600 مقابل 22 قتيلا و 91 جريحا من الغزاة.
بعد احتلال فركة انتظر كتشنر بصبر وصول الخط الحديدي الذي وصل عكاشة في 26 يونيو 1896 و بعدها بشهر إلى فركة. في هذه الأثناء ضرب وباء الكوليرا قوات كتشنر ومات فيه 919 رجل. وارتحل الجيش إلى كوشة فرارا من الوباء ثم توغلوأ في الصحراء حتى إنقضى الوباء.
كان بحلفا قبل الغزو أربعة زوارق مدفعية وثلاث بواخر غير مدرعة كانت تستخدم في الأطواف على النيل جنوب حلفا فيما تلى حملة إنقاذ غردون عام 1885. لإستخدامها في الغزو كان لابد من عبور الشلال الثاني وهو مالم يكن ممكنا إلا في موسم فيضان النيل الذي يصل قمته في سبتمبر. في منتصف أغسطس ارتفع النيل بما يكفي لعبور الشلال. و اشترك 1500 رجل في سحب الأسطول عبر المضيق.
طلب كتشنر ثلاثة زوارق مدفعية أكبر من إنجلترا. وصل اولها مفككا إلى كوشة في أغسطس وجمع هناك وسمي الظافر.
تقدم كتشنر وحشد قواته في أبو صاري 55 ميلا جنوبي كوشة وقد بلغ تعداد القوات 13000 جندي و 22 مدفع وأربعة زوارق مدفعية. و من ثم تقدم إلى فريق ووصلها يوم 12 سبتمبر ثم تقدم إلى كرمة يوم 19 سبتمبر 1896 ليجد ان قوات المهدية قد تحصنت بالحفير في الضفة المقابلة لمنع الجيش الغازي من عبور النهر في طريقه إلى دنقلا. و قد حاول كتشنر دك الموقع باستخدام مدفعية زوارقه ومدافعه من الضفة الأخرى إلا أنها لم تؤثر بما يذكر في مواقع المهديين الحصينة.
لجأ كتشنر إلى الحيلة وأشاع أنه سيتقدم بالزوارق لاحتلال دنقلا دون عبور النهر. و أكد ذلك بارسال زوارقه لتتقدم تحت نيران المهديين. أثرت الشائعة في معنويات المهديين وانسحبوا خلال الليل بلا قتال نحو دنقلا. و عبر كتشنر النهر بلا مقاومة.
كانت دنقلا هي آخر المواقع الحصينة في المديرية ولا يمكن الدفاع أو التحصن في أي موقع آخر إن سقطت. إلا أن الأنصار أدركوا ألا فرصة لهم بالنصر وأنسحبوا مرة أخرى بدون قتال وتشتت قواتهم في الصحراء حيث عانوا كثيرا ومات منهم الكثيرون عطشا في الطريق إلى المتمة عبر الصحراء وأسر 3000 منهم أثناء الانسحاب.
احتلت مروي بلا مقاومة أيضاً وبدأ إنشاء إدارة مدنية في المديرية. و أنشات حاميات عسكرية في دنقلا والخندق والدبة و كورتي و مروي. كلفت الحملة 715 ألف جنيه مصري وخسر الغزاة 47 قتيلا في المعارك و 122 جريحا فقط واستعادوا 450 ميلا من النيل.