If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
وضع حديثاً نظام قياسيٌّ لتصنيف الأجرام القريبة من الأرض وتقييم خطرها. ضمن هذا النظام، أصبح يقيَّم مقدار خطر كل جرم بناءً على عوامل مختلفة، وتم تطويره على مر الزمن، بناءً على الأرصاد المستمرة للأجرام القريبة من الأرض والمخاطر التي وجد أنها كامنة في كل منها، كما أن هذا التقييم يتأثر بصورة غير مباشرة بعوامل عديدة، منها الإمكانات التكنولوجية والموارد الاقتصادية والتقدم العلمي.
جهَّزت ناسا على مدى العقد المنصرم قائمةً يتم تحديثها دورياً، تنصُّ على حجم الخطر الذي يشكله كل جرم قريبٍ من الأرض معروف للعلماء في الوقت الحالي، وعلى مدى احتمالية اصطدام أي من هذه الأجرام بالأرض خلال الـ100 سنة القادمة. يمكن القول أن الغالبية الساحقة من هذه الأجرام حالياً مرشَّحة لتزال تماماً من على قائمة الخطر بمجرَّد إجراء دراسات إضافية تعطي فكرة أكثر دقَّة عن حركتها، حيث أن قياسات مدارات هذه الأجرام لا زالت بعيدة عن الدقة.
في الوقت الحالي، تعد الكويكبات القريبة من الأرض هي أكثر أجرام الفضاء الخارجي خطراً على الكرة الأرضية والأعلى بمعدلات الاصطدام، حيث أنها مسؤولة عن أكثر من 95% من الاصطدامات التي تحدث على الأرض. تضرب كويكبات صخرية يبلغ قطرها نحو أربعة أمتار سطح الأرض مرَّة في العام تقريباً. من جهة أخرى، تضربها الكويكبات الأكبر قليلاً - ذات قطر السبعة أمتار مثلاً - مرة كل 5 أعوام، ويولّد اصطدام كويكب مثل هذا طاقة مماثلةً لطاقة قنبلة الولد الصغير (القنبلة النووية التي أطلقت على هيروشيما)، أو ما يماثل أثر حوالي 15 كيلوطن من المتفجّرات مجتمعة. لكن هذه الكويكبات لا تسبُّب أذى يذكر لسكان الأرض، لأنها غالباً ما تنفجر في الطبقات العلويَّة من الغلاف الجوي، وعندها تتبخر غالبية شظاياها. كل فترة تتراوح بالمتوسّط من 2,000 إلى 3,000 سنة، يصطدم بالأرض كويكب يولّد انفجاره ما يعادل 10 ميغاطن، وهو مقدارٌ قد يكون قريباً في قوَّته من انفجار تونغوسكا الذي وقع سنة 1908. رغم ذلك، لا تصطدم الكويكبات الكبيرة - التي يصل قطرها إلى نحو الكيلومتر الواحد - بسطح الأرض إلا مرة كل حوالي 500,000 سنة، ولا يصطدم كويكب بقطر أكثر من 5 كيلومترات سوى مرة كل مليوني عام.
على افتراض أنَّ هذه المعدَّلات ستستمرُّ على حالها مستقبلاً، يمكن افتراض أن 2,000 كويكب قطره حوالي الكيلومتر ستصطدم بالأرض خلال المليار سنة القادمة. لكن حتى الآن، لم تصبح هذه الكويكبات أجراماً قريبة من الأرض بالأساس، بل لا زالت عالقةً في الحزام الرئيسي بين كوكبي المريخ والمشتري، ولن تقترب من الأرض حتى مضيِّ ملايين السنين (تبدأ الكويكبات القريبة من الأرض حياتها من الحزام الرئيسي، حيث تنتقل منه بعد مرور وقت طويل لتقترب من الأرض)، ممَّا يجعل تصنيفها كأجرامٍ كامنة الخطر على الأرض غير ممكن.
في 24 ديسمبر سنة 2004، حاز كويكب 99942 أبوفيس (والذي كان معروفاً آنذاك بتسميته المؤقتة 2004 MN4) على تقييم خطرٍ من درجة 4 بمقياس تورينو، وهو أعلى تقييم حازه أي جرم قريبٍ من الأرض قطّ. بحسب المعلومات الواردة حينها، كان يوجد احتمال 2.7% لارتطام كويكب أبوفيس بالأرض في 13 أبريل سنة 2029. رغم ذلك، لم تكد تمض أربعة أيام على هذا الإعلان حتى أعيد النظر بمدى إمكانية الاصطدام، وأظهرت حسابات جديدة أجريت بناءً على بيانات لم تكن متاحة بالبداية أن احتمالية الاصطدام بالحقيقة هي صفر، وأن أبوفيس لن يشكل أي خطرٍ على الأرض في سنة 2029. أعيد ضبط مقياس تورينو في شهر أغسطس سنة 2006، ليُخفَّض احتمال اصطدام أبوفيس بالأرض في عام 2036 أيضاً من 1 إلى 0. أما على مقياس بالميرو فتقييمه الحالي هو -3.2.
الجرم القريب من الأرض الوحيد الذي حاز حتى الآن تقييماً أعلى من صفر على مقياس بالميرو هو كويكب (29075) 1950 دا، والذي من الممكن أن يمرَّ على مقربةٍ شديدة م نالأرض أو يصطدم بها (باحتمالية ≤ 0.003) في سنة 2880. لكن ونظراً لعدم معرفة العلماء حالياً لاتجاه دورانه الذاتيّ، فإنَّ الاحتمالات الممكنة هي إما أن يمر على مسافة عشرات ملايين الكيلومترات من الأرض، أو أنَّه سيصطدم بها باحتمالية 1 إلى 300. رغم ذلك، كون الحدث لا زال في المستقبل البعيد جداً - بعد ثمانية قرون - فإنَّه رهن كبير للتطورات التقنية والعلمية التي يمكن أن تحدث حتى ذلك الحين. كما وقد كان أول جرم حظي بتقييم إيجابي - خطورة أعلى من 0 - على مقياس بالميرو هو كويكب 89959 2002 أن تي 7، الذي أظهرت البيانات الأولية عند اكتشافه أن هناك فرصة 1 في المليون لاصطدامه بالأرض في الأول من فبراير سنة 2019، إلا أنَّ الحسابات اللاحقة أثبتت أنه سيمرُّ في ذلك التاريخ بسلامٍ على مسافة 0.4078 وف (حوالي 60 مليون كلم) من الأرض.
توجد طريقتان علميَّتان لتقييم خطر اصطدام الأجرام القريبة من الأرض:
يستعمل مقياس بالميرو المعادلة التالية لتقدير عدد الاصطدامات السنوية التي تتجاوز طاقتها قيمة E ميغاطن:
فعلى سبيل المثال، تنصُّ هذه المعادلة على أنَّ القيمة المتوقعة للزمن الباقي لاصطدام جرمٍ بالأرض تكون طاقته أكبر من 1 ميغاطن هي 33 سنة، وعندما يحدث هذا الاصطدام، فإنَّ هناك فرصة 50% أن تتجاوز طاقته بالواقع 2.4 ميغاطن. مع ذلك، لا تعمل هذه المعادلة بشكلٍ صحيح على جميع قيم E.
رغم ذلك، تمكنت ورقة بحثية أخرى - نشرت في سنة 2002، وهي نفس سنة اختراع مقياس بالميرو - من إيجاد قانون مختلف لحساب طاقة الاصطدام يستعمل ثلاثة ثوابت مختلفة:
مع ذلك، تعطي هذه المعادلة قيماً أقلَّ بشكلٍ ملحوظ من المعادلة الولى لأي قدرٍ من E. فعلى سبيل المثال، تعطي معدلاً للاصطدامات من فئة 10 ميغاطنات أو أكثر (وهو مقدار معادلٌ لقوَّة انفجار تونغوسكا) مقداره مرة كل 1,000 سنة، بدلاً من المرة كل 210 سنوات التي تعطيها معادلة مقياس بالميرو الأصلية. رغم ذلك، توحي تقديرات الباحثين الآخرين - المتراوحة من مرة كل 400 إلى 1,800 سنة - بخلافٍ كبير حول هذه المعدلات.
تخصِّص حكومة الولايات المتحدة حالياً ميزانية 4 ملايين دولار كل عامٍ لمشاريع البحث عن الأجرام القريبة من الأرض وفهرستها، حيث تُصرَف معظم هذه الميزانية على تشغيل وصيانة مراصد لإجراء مسوحاتٍ للسَّماء بحثاً عن هذه الأجرام، وتعتبر الولايات المتحدة لذلك الدولة الوحيدة في العالم للآن التي لديها مشروع حكوميٌّ يسعى لتسجيل وفهرسة الأجرام القريبة من الأرض. رغم وجود عددٍ من المراصد المخصَّصة لمهمَّة تسجيل هذه الأجرام في الولايات المتحدة، إلا أنَّ العديد من المراصد الأخرى تستعمل أحياناً لإجراء مهام تتعلَّق برصد هذه الأجرام. في سنة 1998، منح الكونغرس الأمريكي وكالة ناسا تفويضاً لتصنيف وتسجيل 90% من جميع الأجرام القريبة من الأرض التي يتجاوز قطرها الكيلومتر الواحد بحدود سنة 2008، بفرض الاتقاء منها ومعرفة خطر كل واحدٍ منها، كما منح الكونغرس الوكالة تفويضاً ثانياً بعد ذلك بسبع سنواتٍ لتسجيل 90% من الأجرام التي يتجاوز قطرها 140 متراً بحدود سنة 2020 (رغم ذلك، فإنَّ تحقيق هذا الهدف الثاني يتطلَّب معدَّات وتلسكوبات أكثر تطوراً ممَّا هو متوافر حالياً لدى ناسا، وبالتالي فإن بلوغه يتلطب تمويلاً إضافياً كبيراً).
رغم ذلك، فإنَّ تقديرات عدد الكويكبات القريبة من الأرض كثيرة وبعيدة عن الدقة بنواحٍ عدة، وهي دائمًاً ما تتغير مع تطور المعلومات المتاحة ووسائل جمعها، لذلك، فإنَّ العديد من علماء الفلك يؤيدون عدم إيقاف مشاريع البحث عن هذه الأجرام حتى بعد وصول غاياتها الأولية. حتى سنة 2011، اكتشف 911 كويكب قريب من الأرض بقطرٍ أكبر من الكيلومتر، ويُقدَّر أن هذا العدد يعادل نحو 93% من جميع هذه الكويكبات، ممَّا يعني أن ناسا قد حقَّقت بالفعل هدفها الأول (يمكن تحديد نسبة الكويكبات المكتشفة وتلك الباقية لاكتشافها ببعض المعادلات الرياضية، حيث تستعمل نماذج حاسوبية تتنبَّأ بنسبة الكويكبات من حجمٍ معيَّن التي قد يمكن اكتشافها عند إجراء مسحٍ للسماء مع أخذ مناطق المسح وتطور المعدات بعين الاعتبار). تشغّل ناسا حالياً - بالتعاون مع وكالاتٍ ودول أجنبية - برنامج حراسة الفضاء (Spaceguard) الذي يسعَى للكشف عن أكبر عددٍ ممكن من الأجرام القريبة من الأرض وتسجيلها، أملاً بتلافي خطرها مستقبلاً، وأحد أشهر أفرع هذا البرنامج هو مشروع بحث لنكولن عن الكويكبات القريبة من الأرض (أو اختصاراً: LINEAR)، الذي أطلق في سنة 1996، وهو مسؤول حالياً عن نحو 65% من اكتشافات كويكبات النظام الشمسي سنوياً. يتألف عتاد مشروع لاينير من تلسكوبين بقطر متر واحد وتلسكوب بقطر نصف متر، متمركزين في نيومكسيكو.
مع ذلك، فإنَّ هذه المشروعات تقتصر على مراقبة الأجرام القريبة من الأرض، لكن لا يوجد حتى الآن مشروع فعَّال لإيجاد آلية حقيقيَّة لإنقاذ الأرض من جرمٍ على وشك الاصطدام بها، إذ لا زالت جميع الجهود المبذولة بهذا الخصوص محض بحوثٍ نظريَّة على نطاقٍ ضيّق لا تحظى إلا بتمويلٍ ضئيل، وسيستغرق تطويرها زمناً طويلاً. حتى لو نجحت مشاريع مسح الأجرام القريبة من الأرض باكتشاف جسمٍ على وشك الاصطدام بها، فإنَّه لا بُدَّ أن يتم هذا الاكتشاف قبل سنين عديدةٍ إلى عشرات السنين من تاريخ الاصطدام، وإلا فإنَّ الوقت لن يكون كافياً لاتخاذ أيَّة إجراءات. حتى هذه اللَّحظة، لم يعمل أيُ مشروع معروف - سواء حكومي أو مستقل - على بناء آلاتٍ أو تكنولوجيا واقعيَّة لحماية الأرض من اصطدامٍ وشيك. رغم كل ذلك، لا زالت الأبحاث جاريةً في هذا المجال، وثمَّة عدد من الآليات المقترحة نظرياً لتلافي الاصطدام، تركّز معظم هذه الآليات على خيارٍ من اثنين: إما تدمير الجرم الذي يهدِّد الأرض، أو تغيير اتجاهه.