If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
بدأت عروض الكوميديا القديمة رسميا في أثينا حوالي عام 486 ق.م وأن أوائل كتابها اهتموا في المقام الأول بالسياسة موضوعا لمسرحياتهم، بحيث كانوا يستطيعون عن طريق المسرح نقد رجال السياسة منالديماجوجيين ومهاجمة أصحاب الفكر الجديد من السوفسطائيين . و قلما خلت مسرحية من الهجاء والنقد اللاذع والقذف و الهجوم المقذع، وكلها صفات كانت تتسم بها الكوميديا في عصرها الأول، باستثناء الكاتب المعتدل "كراتيس" الذي خلت مسرحياته من النقد العنيف فإن كل الكتاب كانوا علي حد سواء في هذه الخاصية : فمن ناجية ساعدته طبيعة الحياة الديمقراطية علي تشديد الهجوم علي تجار السياسة و محترفي الحروب ، و ناحية أخرى زاد من حدتهم أن مجتمعهم الأثيني كان يسير نحو التدهور بخطي سريعة في حين لا تفعل قيادته السباسية شيئا سوى التعجيل به نحو هذا التدهور.
و تنقسم الكوميديا الإغريقية من حيث عصورها ألي ثلاث مراحل:
اعتمدت موضوعات الكوميديا القديمة علي البعد السياسي الاحتماعي بالمقام الأول، وبدأ عصر ازدهارها منذ عام 486 تقريبا حتي حوالي 400 ق.م . اتخذت المسابقات ما بين الكتاب بأعياد اللينايا والديونيسيا الكبري مكانة كبيرة واعتادوا التنافس بها، وتقوم المنافسة علي تقدم خمسة شعراء كل منهم بمسرحية كوميدية واحدة . و كانت الكوميديا القديمة تتميز بوجه عام بأنها ذات نهاية سعيدة، وبأن بناءها يقوم علي الموضوع السياسي العام، وبأن الضحك يعتمد علي الفكتهة اللاذعة .
من أهم كتاب الكوميديا القديمة أريستوفانيس (445-385ق.م)و كان من طبقة ملال الأراضي في أثينا ، و كان يمتلك مزرعة في جزيرة أيجينا القريبة من أثينا ، و أحس مع طبقته بالتدهور السريع الذي أصاب أثينا بعد الحروب البيلوبونيسية ( التي دارت بين أثينا من جانب و أسبرطة من جانب آخر ) بالضربات القاصمة التي حلت بها من جراء تخبط الزعماء الجدد الذين تولوا وقتئذ حكمها وعرفوا بالدهماويين . لقد رغب أريستوفانيس مع طبقته في إبعاد الظروف التي أدت إلي التدهور، لذا هاجم الأفكار الفلسفية السوفسطائية الجديدة التي أدت في رأيه إلي زوال النظام الديمقراطي، كما رغب بعودة العصر السابق الذي حققت فيه أثينا النصر علي الفرس بفضل نظامها السياسي المتين، وبنيتها الاجتماعي المتماسك . و هذا ما يفسر السبب الذي من أجله اعتبر الباحثون من المحدثين أريستوفانيس محافظا وذلك لانتمائه إلي طبقة الملاك ولنفوره من الفكر الجديد سواء في مجال السياسة أو مجال الأدب وظنوا أن كرهه للحرب يرجعوه للخسارة المادية التي تلحق بطبقة ملاك الأراضي .
لقد كان أريستوفانيس محبا للسلام معاديا للحرب بسبب ما تجره من شرور ووبال، ولذا صب جام غضبه علي الديماجوجيين الذين يخدعون الجماهير بمعسول الكلام، ويمنونهم بالأماني والوعود، وعلي العسكريين الذين يستفيدون من الحروب و يحرضون علي خوضها، ويزينون للناس قيامها بأنه خلاص وإنقاذ، وهو في الحقيقة دمار وخسارة . و كان هجاؤه منصبا بوجه خاص علي كليون وهو أحدأخطر الساسة في نظره وأكثرهم انحرافا . و قد وصف السوفسطائيين بأنهم مفسدي الفكر اليوناني ومزيفين للحقائق ومروجين للأباطيل.
ابتكر أريستوفانيس لغة كوميدية خاصة به من الكلمات ذات المعاني المزدوجة والإيحاءات الخاصة والألفاظ المصكوكة والمركبة تركيبا عجيبا، كذلك تميزت أشعاره بالرصانة والإبداع و الخيال، وكان حواره طبيعيا يتميز بالحيوية في حين كانت نكاته غليظة وجريئة بغض النظر عن كونها غير شهوانية .
يعد أريستوفانيس من أبرع الكتاب في التندر أو الاقتباس الساخر وخاصة فيما اقتبسه من أشعار يوربيديس : فأحيانا كان ينقل عنه بيت ويغير به كلمة واحدة، وأحيانا يغير ترتيب بيت بحيث يغير معناه بالكامل، وأحيانا يقتبس مشهدا تراجيديا و يغيره ليصبح كوميديا.
بدأت في الانتشار عام 400 ق.م، واتجهت إلي السخرية من الأساطير و التهكم علي الأعمال الفلسفية والأدبية . إلي جانب تهكمها علي السلوك الإنساني الهابط ولا مجال هنا للنكات الصاخبة التي كانت سمة للكوميديا القديمة ولا للنقد السياسي، بل الفكاهة هنا معتمدة علي السلوك الاجتماعي وانحرافاته، لذلك فهي فكاهة هادئة تدعو للبسمة ولا للقهقهة.
و يمكن اعتبار مسرحية " بلوتوس " لأريستوفانيس من الكوميديا الوسطي حيث انه من الناحية الفنية امتازت الكوميديا الوسطي ب قلة نسبة أناشيد الجوقة ولأن فواصلها الغنائية لا ترتبط كثيرا بموضوع المسرحية، ولأن موضوعها ابتعد عن السياسة واقترب من الأساطير .
و من كتاب هذه المرحلة : أنتبفانيس، أليكسيس، وإبيكراتيس .
بدأت بالانتشار من عام 336 ق.م تقريبا، استمدت موضوعاتها من الحياة الاجتماعية المعاصرة، اتسمت شخصياتها بالنمطية وأنها لا تمت للواقع المعاش بصلة إلا لماما . و لقد حلت الفكاهة في هذا النوع محل النكات اللاذعة التي كانت سمة للكوميديا القديمة، وأضحي الحب الرومانسي موضوعا سائدا في مسرحيات كتاب هذا النوع . كذلك لم يعد للجوقة مجال أو وجود إ لا أذ اعتبرت جماعة الراقصيين والموسيقيين من الجوقة.
لقد كان النمط الأخلاقي الذي تصوره الكوميديا الحديثة هابطا خاصة وأنها غضت الطرف عن الخطف و الاغتصاب و قبلتهما كأمر واقع، و يرجع ذلك إلي أن القيم الاجتماعية السامية انحطت في عصرها . و وقفت أثينا بعد تدهور الحضارة الإغريقية فريسة للسيطرة المقدونية .
تختلف الكوميديا الحديثة -خصوصا لدي مناندروس- عن الكوميديا القديمة في الاتجاه و الموضوع، كذلك في الإطار و الأسلوب : ففي اللغة كانت تميل للبساطة حتي لتكاد تشبه النثر أو لغة الحديث اليومي، كما قل بها العنصر الغنائي إلي أدني حد، و اضمحل دور الجوقة حتي كادت لا تشترك بالحوار، كذلك اختفت أجزاء من المكونات مثل " المشهد الجدلي " و " خطاب الجوقة " تدريجيا، و أصبحت مقسمة إلي ما يشبه الفصول التي تتحدد بدايتها و نهايتها بفواصل غنائية راقصة، و لم تعد الكوميديا أو ما تبقي منها في الكوميديا الحديثة تتخذ لنفسها هيئة الطيور أو الحيوانات مثل الكوميديا القديمة، كما اختلفت أقنعتها و تنوعت من أجل الشخصية النمطية التي كانت سمة مميزة للكوميديا الحديثة .
من أهم كتاب الكوميدي الحديثة " فيليمون | Philemon" (361 - 263 ق.م ) و كان مواطنا من سولي في كيليكيا بآسيا الصغري، و ربما كان من سيراكوساي بصقلية ، ثم وفد إلي أثينا في طفولته، و لم يتبقَ لنا من إنتاجه شئ رغم أن" بلاوتوس " الكاتب الكوميدي الرماني اقتبس من اعماله الكثير .
كذلك هناك " ديفيلوس | Diphilos " الذي كان من سينوبي علي البحر الأسود ، و لا نملك من أعماله التي بلغت المائة شيئا رغم أن تيرنتيوس و بلاوتوس قد اقتبسا قدرا كبيرا من أعماله .
و من أهم كتاب هذه المرحلة كان " مناندروس " الذي ولد في أثينا من أب ثري يدعي ديوبيثيس، و كان عمه أليكسيس من كتاب الكوميديا الوسطي المشهورين . تتلمذ مناندروس علي يد ثيوفراستوس تلميذ أرسطو و خليفته، و كان صديقا للفيلسوف أبيقور .
تميز مناندروس بالواقعية في رسم الشخصيات، و ينفرد بالموضوع المستمد من الواقع المحلي لأثينا في القرن الرابع قبل الميلاد و يتفوق في الحوار و الحبكة المسرحية . و لقد شغف مناندروس علي الدوام بموضوع واحد فقط و هو مجتمعه المتدهور، و كان أبطاله من اللقطاء، و مسرحياته تدور حول الاغتصاب و تنتهي بالزواج بعد التعرف علي حقيقة العلاقة التي تربط بين الشخصيات . و أدرك مناندروس أن اللقطاء كشخصيات تتيح له فرصة تتويج بنائه الدرامي بالكتشاف و التحول .
لقد عبر مناندروس بصدق عن فكر إغريق ذلك العصر و رسم بمسرحياته صورة واقعية لمجتمعه المتدهور الغارق في اللذات الحسية بعد أن فقد ثقته بآلهته القديمة .