العربية  

books canadian arctic expedition

If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.

View more

بعثة القطب الشمالي الكندي (Info)


الخلفية

كانت البعثة العلمية إلى القطب الشمالي الكندي من بنات أفكار فيلهلمور ستيفانسون، وهو عالم أنثروبولوجي تخصص في دراسة السلالة الآيسلندية، وهو من أصل كندي وكان يعيش في الولايات المتحدة، وقد قضى مُعظم السنوات بين عامي 1906 و1912 في دراسة حياة الإنويت في منطقة القطب الشمالي النائية. وقد تمخض عمله الميداني عن أول معلومات تفصيلية عن حياة وثقافة الإنويت النحاسي، أو ما يُطلق عليه "الإسكيمو الأشقر". وقد عاد ستيفانسون أدراجه إلى وطنه وهو يخطط لعمل رحلة أخرى لاستكمال دراساته عن القطب الشمالي، ونجح في الحصول على وعود بدعم مالي بلغ مجموعه 45.000 دولار أمريكي (حوالي 750.000 دولار أمريكي في عام 2010) من منظمة ناشيونال جيوغرافيك في واشنطن والمتحف الأمريكي للتاريخ الطبيعي في نيويورك. ومع ذلك، كان ستيفانسون يحلم بتوسيع خططه لتشمل الاستكشاف الجغرافي لبحر بيوفورت، والذي كان وقتها مجرد مساحة فارغة على خرائط العالم. بيد أنه كان بحاجة إلى المزيد من المال لتحقيق هذه الأهداف التوسعية، الأمر الذي حدا به إلى مُحاولة التقرّب من الحكومة الكندية للحصول على المساعدة.

كانت المنطقة المعروفة باسم «أعالي القطب المتجمد الشمالي» عُرْضة لمطالبات السيادة ليس فقط من كندا؛ ولكن أيضاً من النرويج والولايات المتحدة. بيد أن الحكومة الكندية كان يساورها القلق من أن الحملة التي تمولها الولايات المتحدة ستمنحها الحق في المطالبة القانونية لأي أراضٍ جديدة يتم اكتشافها في بحر بيوفورت، لذلك عندما التقى رئيس الوزراء الكندي آنذاك روبرت بوردن بستيفانسون في أوتاوا في شهر فبراير من عام 1913 عرض عليه تحمل المسؤولية المالية للرحلة الاستكشافية بأكملها. وكانت حكومة بوردن يحدوها الأمل بأن هذه الرحلة الاستكشافية ستعزز من مطالبة كندا بالسيادة على جزر القطب الشمالي. وقد وافق الرعاة الأمريكيون على الانسحاب، ولكن مع مراعاة اشتراط منظمة ناشيونال جيوغرافيك استعادة حقوقها في البعثة إذا لم يتمكن ستيفانسون من المُغادرة بحلول يونيو 1913. الأمر الذي خلق مهلة ضيقة واستعدادات متعجلة لبدء الرحلة الشمالية، على الرغم من أن ستيفانسون قد ذكر في روايته للأحداث في عام 1921، «أن التفكير المسبق قد وضع كل الاحتمالات في حسبانه».

الأهداف والاستراتيجية

كانت مُشاركة الحكومة الكندية المالية تمثل تحولاً ملحوظاً في أهداف البعثة؛ نحو الاستكشاف الجغرافي بدلاً من الغرض الأصلي للدراسات الإثنولوجية والعلمية. وقد عرض ستيفانسون هذه الأهداف المُنفصلة في خطابه إلى صحيفة فيكتوريا دايلي تايمز الكندية. حيث كان الهدف الرئيسي للبعثة هو استكشاف «مساحة مليون ميل مربع أو نحو ذلك والمُمثلة ببقع بيضاء على خريطتنا، والتي تقع بين ألاسكا والقطب الشمالي». كما تهدف البعثة أيضاً إلى أن تكون الدراسة العلمية الأكثر شمولاً للقطب الشمالي على الإطلاق. وفي الوقت الذي تجوب فيه المجموعة الشمالية الآفاق بحثاً عن أراضٍ بكر، ستُجري المجموعة الجنوبية البرية تحت قيادة عالم الحيوان رودولف أندرسون دراسات استقصائية وأنثروبولوجية في الجزر الواقعة قبالة الساحل الشمالي الكندي.

وكان من المُزمع أن تنطلق سفينة المجموعة الشمالية/ كارلوك، إلى الشمال من الساحل الكندي حتى تجد أرضاً أو يوقفها الجليد. وأن تستكشف أي أرضٍ تصادفها؛ أو تتبع حافة الجليد شرقاً وتقضي فصل الشتاء في جزيرة بانكس أو جزيرة الأمير باتريك. في حالة ما إذا حُوصرت السفينة في الجليد وتعرضت للانجراف، فإن المجموعة ستدرس اتجاه التيارات القطبية الشمالية وتقوم بأبحاث المحيطات. وفي الوقت نفسه، كان من المُتوقع أن تستمر مجموعة رودولف أندرسون في إجراء دراسات أنثروبولوجية للأسكيمو الأشقر، لجمع السلالات المختلفة من النباتات والحيوانات في القطب الشمالي، لإجراء أبحاث جيولوجية، والبحث عن قنوات مفتوحة للمياه على أمل إقامة طرق تجارية جديدة.

التنظيم والأفراد

كانت خطة ستيفانسون تهدف إلى الإبحار بالبعثة الاستكشافية إلى محطة صيد الحيتان القديمة في جزيرة هيرشل قبالة ساحل القطب الشمالي الكندي، حيث سيتم تحديد التشكيل النهائي للمجموعتين الشمالية والجنوبية؛ وتقسيم المعدات واللوازم بين مختلف عناصر المغامرة المحفوفة بالمخاطر. إلا أن التعجل للوفاء بالموعد النهائي لمنظمة الناشيونال جيوغرافيك قد شكل هاجساً لدى أفراد البعثة حول مدى كفاية احتياطي الطعام والملابس والمعدات. بيد أن ستيفانسون الذي كان مُتغيباً مُعظم الوقت في الأسابيع المُحمومة قبيل الإبحار، والذي لم يكشف عن الكثير من خططه لفريقه، لم يأبه لمثل هذه الشكوك ووصفها بأنها «لا أساس لها من الصحة وغير مُخلصة». من ناحية أخرى، كان هناك بعض الخلافات التي نشبت بين ستيفانسون وعلماء البعثة بشأن التسلسل القيادي. حيث أن هيئة المسح الجيولوجي الكندية قد أبدت رغبتها في أن يُقدم الأربعة علماء الذين أوفدتهم إلى البعثة تقاريرهم لها مُباشرةً بدلاً من ستيفانسون. في حين أن قائد المجموعة الجنوبية رودلف أندرسون هدد بالاستقالة بسبب مُطالبة ستيفانسون بحقوق النشر الخاصة بجميع الدوريات الاستكشافية الخاصة.

في حين أن الفريق العلمي للبعثة كان يضم بعضاً من أكثر الرجال تميزًا في مجالاتهم، ممثلين لدول الولايات المتحدة والدنمارك والنرويج وفرنسا وكذلك بريطانيا وإمبراطوريتها. إلا أن اثنين فقط منهم كان لديه تجربة قطبية سابقة: وهما أليستر فوربس ماكاي، المسؤول الطبي في البعثة، والذي زار القارة القطبية الجنوبية أنتاركتيكا مع سير إرنست شاكلتون في بعثة نمرود في الفترة ما بين 1907-1909، وكان واحداً من المجموعة التي تضم ثلاثة أفراد والتي اكتشفت موقع القطب المغناطيسي الجنوبي. وكان هناك فرد محنك آخر من بعثة نمرود، وهو جيمس موراي البالغ من العمر 46 عاماً، والمُتخصص في علم المُحيطات والذي رشحه ستيفانسون للبعثة. أما من بين العلماء الأصغر سناً كان ويليام ليرد ماكينلي (1889-1983)، وهو مدرس علوم يبلغ من العمر 24 عاماً من غلاسكو والذي أوصى به المُستكشف الإسكتلندي ويليام سبيرز بروس، وهناك أيضاً بيجارن مامين (1893-1914)، الشاب ذو العشرين ربيعاً والذي كان بطل التزلج من كريستيانيا في النرويج، وتم الاستعانة به كحرّاج، على الرغم من افتقاره للخبرة العلمية.

كان ستيفانسون قد طلب من صائد الحيتان الأمريكي كريستيان ثيودور بيدرسن أن يتولى قيادة كارلوك؛ السفينة المخصصة للمجموعة الشمالية. عندما انسحب بيدرسن، عُرضت شارة الكابتن على روبرت بارتليت، المولود في نيوفندلاند، ذو الستة وثلاثين عامًا، وهو ملاح محنك جاب البحار القطبية وقاد سفينة روبرت بيرز في الرحلة القطبية الأخيرة في عام 1909. مع ذلك، لم يتسن الوقت لبارتليت لاختيار طاقم كارلوك، الذي تم جمع أفراده على عجل من حول ورشة بناء سفن البحرية الملكية في إيسكويمالت في مقاطعة كولومبيا البريطانية. وقد وصف ماكينلي أفراد الطاقم في وقت لاحق كما يلي «كان أحدهم مُدمناً للمُخدرات... وآخر يُعاني من مرض تناسلي؛ وعلى الرغم من صدور الأوامر بعدم حمل أي مشروبات كحولية على السفينة، إلا أن اثنين على الأقل قاما بمُخالفة تلك الأوامر وقاما بتهريب المؤن». وكان ماكينلي قلقاً من أن هذا الطاقم قد يفتقر إلى المُواصفات اللازمة لمُجابهة الأشهر العصيبة المُقبلة، وقد أفضى ماكينلي بهذه الشكوك لبارتليت، الذي كان أول رد فعل له لدى وصوله إيسكويمالت هو طرد الضابط الأول لعدم كفائته. وعيّن مكانه ألكسندر "ساندي" أندرسون (22 عامًا).

السفن

    وقع اختيار بيدرسن على السفينة كارلوك واشتراها ستيفانسون بسعر الصفقة 10.000 دولار أمريكي. وقد عمل ستيفانسون بنصيحة بيدرسن واشتراها من بين أربع سفن كانت معروضة، باعتبار الكارلوك هي «السفينة الأكثر قوة والمُناسبة لأغراض الرحلة»، بيد أن بارتليت كان لديه تحفظات كبيرة حول مدى قوة تحمل السفينة لرحلة القطب الشمالي التي ستستغرق وقتاً كبيراً. كانت السفينة الشراعية تجوب البحار لأكثر من 29 عاماً، يبلغ ارتفاعها 129 قدم (39 م) وطولها 23 قدم (7.0 م). وقد تم تشييدها لصيد الأسماك في جزر ألوتيان، تعني كارلوك السمك باللغة الأليوتية، ثم تم تحويلها لاحقًا لصيد الحيتان، عندما كانت الصواري وجوانب السفينة مغلفة بالخشب الحديدي الأسترالي بحجم 2-بوصة (51 مـم). على الرغم من 14 رحلة لصيد الحيتان في القطب الشمالي، منها ست رحلات في الصقيع، إلا أن كارلوك لم يتم بناؤها لتحمل ضغط جليدي مُستدام، وكان يعوزها قوة المُحرك لشق طريقها عبر الجليد. ولذلك لم ترق السفينة لتوقعات بارتليت، أو لتوقعات العديد من أفراد الطاقم الأكثر خبرة.

    مرت السفينة خلال شهري أبريل ومايو من عام 1913 بإصلاحات وإعادة ترميم في ورشة بناء السفن في إيسكويمالت. وعندما وصل بارتليت في أوائل شهر يونيو، أمر على الفور بإجراء المزيد من أعمال الترميم. وقد اشترى ستيفانسون بالإضافة إلى السفينة كارلوك سكونة صغيرة تعمل بالبنزين وأسمها ألاسكا، لتكون بمثابة سفينة إمدادات للمجموعة الجنوبية. ثم أضاف في وقت لاحق سكونة ثانية، ماري ساكس، عندما اتضح أن مساحة التخزين في ألاسكا غير كافية. وقد لاحظ ماكينلي أنه في ظل حالة الارتباك والتخبط التي خيمت على أجواء البعثة؛ لم تكن هُناك مُحاولة لموائمة الرجال أو المُعدات مع سفنهم المُناسبة. وهكذا وجد الأنثروبولوجيان هنري بيوشات ودايموند جيني، وكلاهما كان من المُفترض أن يكون مع المجموعة الجنوبية، نفسيهما وهما يبحران على متن كارلوك، بينما كانت مُعداتهما على متن ألاسكا. وقد اكتشف ماكينلي نفسه وهو على متن كارلوك كمُراقب مغناطيسي، أن مُعظم مُعداته مع ألاسكا. إلا أن ستيفانسون أصر على أنه سيتم تدارك كل هذه الأمور عندما تصل السفن إلى نقطة الالتقاء في جزيرة هيرشل. وقد كتب ماكينلي في مُذكراته:«فليكن الرب في عوننا جميعًا إذا فشلنا في الوصول إلى جزيرة هرشل».

    نحو جزيرة هرشل

    غادرت كارلوك ميناء إيسكويمالت في 17 يونيو 1913، وأبحرت شمالاً نحو ألاسكا. كانت وجهتها المُباشرة هي نومي، على ساحل بحر بيرنغ. بيد أنه كانت هناك مشكلة من البداية مع مُعدات التوجيه والمُحركات، وكلاهما يحتاج إلى اهتمام مُتواصل. وقد وصلت كارلوك إلى بحر بيرنغ في الثاني من يوليو في أجواء ضبابية وانخفاض متسارع في درجات الحرارة. وبعد مضى ستة أيام وصلت السفينة إلى نومي حيث انضمت إلى سفينتي ألاسكا وماري ساكس. وفي الوقت الذي كان يتم فيه تحميل السفن في نومي، قام بعض العلماء بالضغط لمُقابلة القائد لتوضيح الخطط، لا سيما خطط المجموعة الشمالية التي كانت تتسم بالغموض. إلا أن الاجتماع كان غير مرضِ. حيث شعر العديد من الرجال بالإهانة من موقف ستيفانسون؛ مما حدا بالبعض إلى التهديد بمُغادرة البعثة. وكان الرجال قد قرأوا تقارير صحفية قال فيها ستيفانسون أنه يتوقع تحطم السفينة كارلوك وأن حياة أفراد الطاقم ثانوية الأهمية في العمل العلمي. بيد أن ستيفانسون لم يُفسر هذه الأمور، كما لم يقدم أية تفاصيل إضافية عن خططه للمجموعة الشمالية. وعلى الرغم من انزعاج العلماء وعدم رضاهم، لم يقدم أي منهم استقالته.

    في 27 يوليو، تم جمع 28 كلبًا على متن كارلوك في بورت كلارنس شمال نومي قبل أن تبحر شمالًا. وفي اليوم التالي، عبرت السفينة الدائرة القطبية الشمالية، وسرعان ما أصبحت في قلب الطقس القاسي الذي تمخض عن غمر الكبائن بمياه البحر وإصابة أفراد البعثة بدوار البحر. ومع ذلك، كتب ماكينلي في مذكراته يقول «مهما كانت عيوب كارلوك؛ فقد أثبتت نفسها كقارب بحري لا بأس به». وعندما وصلت السفينة إلى بوينت هوب في 31 يوليو انضم إليهم اثنان من صيادي الإنويت المعروفين باسمي «جيري» و«جيمي». في 1 أغسطس، شوهدت طبقة الجليد الغطائي الدائمة. وقد قام بارتليت بعدة مُحاولات لاختراق هذه الطبقة؛ إلا أن جميع مُحاولاته باءت بالفشل. في 2 أغسطس، على بعد حوالي 25 ميل (40 كـم) من بوينت بارو، كانت كارلوك تشق طريقها عبر الجليد ولكن سرعان ما علقت، وانجرفت ببطء نحو الشرق على مدى ثلاثة أيام قبل أن تبلغ المياه المفتوحة قُبالة كيب سميث. في هذه الأثناء، غادر ستيفانسون السفينة للسفر فوق الجليد إلى بوينت بارو. وقد عاد إلى السفينة في كيب سميث في 6 أغسطس مُصطحباً معه جاك هادلي؛ وهو صياد مخضرم طلب المرور إلى الشرق. وكان هادلي قد تم تقييده في سجلات السفينة على إنه نجار وذلك بسبب معرفته بستيفانسون منذ فترة طويلة.

    في كيب سميث، انضم إلى البعثة اثنان من صائدي الإنويت، وهما كيرالوك وكاتاكتوفيك، ومعهم أسرة كيرالوك، زوجته كيروك وابنتاهما الصغيرتين هيلين وموغبي. بيد أنه عندما بدأت الرحلة، أصبح بارتليت قلقاً بشكل مُتزايد بسبب تراكم الجليد في المنطقة، وأشار إلى أن الألواح النحاسية عند مُقدمة السفينة قد تضررت بالفعل. وعلى مدى الأيام القليلة التالية، كانت كارلوك بالكاد تشق طريقها، حيث عمد بارتليت إلى توجيه السفينة نحو الشمال بعيداً عن الساحل مُتتبعاً قنوات المياه المفتوحة. بيد أن المهام العلمية الوحيدة التي كان يمكن القيام بها آنذاك لأغراض البعثة هي عمليات التجريف البحري التي قام بها موراي، والتي تمكن من خلالها من جمع العديد من أنواع الكائنات البحرية في القطب الشمالي، فضلاً عن أخذ قياسات العمق بصفة مُنتظمة. في 13 أغسطس، قام بارتليت بحساب موقعهم بأنه على بُعد 235 ميل (378 كـم) إلى الشرق من بوينت بارو، ونفس المسافة للسفر إلى جزيرة هرشل. وقد ثبت أن هذا الموقع كان أبعد نقطة للسفينة في الشرق، حيث أن السفينة أصبحت في هذا الموقع مُحاصرةً في الجليد وبدأت تتحرك ببطء نحو الغرب. وبحلول 10 سبتمبر، تراجعت كارلوك حوالي 100 ميل (160 كـم) إلى بوينت بارو. بعد ذلك بوقت قصير، أبلغ ستيفانسون بارتليت بأن كل الآمال في إحراز مزيد من التقدم في تلك السنة قد ذهبت سُدى، وأن كارلوك ستُضطر إلى قضاء الشتاء في الجليد.

    Source: wikipedia.org