If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
من الجدير بالذكر أن اللغة العربية المعيارية الحديثة، وعلى الرغم من كونها لغة الإعلام العربي اليوم، إلا أنها تختلف عن اللغة العربية المحكية في المجتمعات الناطقة بالعربية. يعود ذلك إلى ظاهرة ازدواجية اللسان (ازدواجية لغوية)، حيث تتحدث المجتمعات الناطقة باللغة العربية بلهجاتها المحلية، في حين تكتب وتقرأ باستخدام اللغة العربية المعيارية الحديثة. ومن هذا المنطلق، فإنه وعلى الرغم من تعدد اللهجات المحكية واختلافها بين مكان وآخر، إلا أن اللغة العربية المعيارية الحديثة هي نوع لغوي موحد بين مختلف المناطق الجغرافية الناطقة باللغة العربية. ولم يكن العرب بلغتهم وثقافتهم وحضارتهم منعزلين عن مسيرة التطوّر البشري بل واكبوها منذ خطواتها الأولى إلى أن وصلوا إلى مفترق الطرق اللغوي في تاريخهم الحديث الذي أدى لظهور ازدواجية اللسان. ولعلنا لا ننكر أن أبناء ذلك العصر قد أصابوا وأخطؤوا حين قرروا العودة بلغتهم إلى جذورها، فهم شعروا بالخطر المحدق الذي يتربص لغتهم وثقافتهم ولتحقيق ذلك ما كان لهم إلا أن يتمسكوا بجذور لغتهم ويهذبوها من كل دخيل. ولكن الاستمرار في هذا النهج اللغوي في أواسط القرن التاسع عشر أثر سلباً على مرونة اللغة وقدرتها على التأقلم مع العصر، إذ دخلنا القرن العشرين وبين أيدينا إرث لغوي كلاسيكي لا يمكن التفريط به، فيما انفصل الشارع عن هذا الإرث ليطوّر أشكالاً لغوية لا يخفى على أي عربي تنوعها.
وبرزت خطورة هذا الانفصال بين شكلي اللغة مع الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي وقنوات الإعلام الرقمي، حيث انتقلت اللهجات العامية بشكلٍ عشوائي غير مضبوط لتدخل المحتوى العربي، فيما غفل الكثيرون عن أهمية العمل على التطوير اللغوي، علماً أننا نمتلك نموذجاً أولياً يمكن البناء عليه لتطوير لغة عربية حديثة مبنية على معايير منهجية، وهو الشكل اللغوي الذي بات يُعرف باسم اللغة العربية المعيارية الحديثة. ولعل أول الجهود الواجب القيام بها في هذا السياق هي تعريف العاملين في قطاع المحتوى العربي وتعزيز الوعي حيال المعنى المقصود باللغة العربية المعيارية الحديثة، نظراً لأن بعض الآراء المتخوفة ترى فيها محاولةً لتحويل اللهجات العامية إلى لغة عربية معتمدة، في حين أن المعيارية الحديثة ما هي إلا شكلُ محدّث عن اللغة العربية الكلاسيكية، إذ تأخذ بالإرث اللغوي القيّم الموجود في أمهات الكتب وتنطلق منه لتطوير اللغة العربية في النحو والاصطلاح واللفظ وعلامات الترقيم وأسلوب الكتابة