If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
ورد في أقدم الوثائق المتاحة عن العرب، وهي آشورية، أن الملك شلمنصر الثالث انتصر على العرب في معركة قرقر قرب حماة، وأن قائد العرب في تلك المعركة كان اسمه جندب عام 853 قبل الميلاد، وهذه لا أقدم إشارة إلى العرب في سوريا فحسب، بل أقدم إشارة إلى مصطلح عرب على وجه العموم.
في سوريا الرومانية، كان اسم العرب يطلق على مجموع القبائل المنتشرة في الصحراء السورية، وشرقًا نحو الصحراء العراقية في المنطقة الممتدة من جنوب البحر الميت المسماة في التوراة باسم "وادي عربة" وحتى نهر الفرات، والتي كان تسيير القوافل التجارية عبر الصحراء، السبب الرئيس لوجودها، وهو ما يشمل تقديم الجمال، والأدلاء، والسلاح، والخفارة العسكرية "التي يستحيل بدونها عبور الصحراء"؛ أما العمل الثاني للعرب، فكان تربية الماشية سيّما الجياد والجمل الوحيد السنام، وفي الواقع من لم يشتغل من العرب في تجارة المسافات الطويلة، اعتمد حكمًا على تربية الماشية. وتدل المكتشفات الأثرية في مناطق شرق حوران على سهوب جبل الدروز، في محافظتي درعا والسويداء، أنه حتى القرن الأول للميلاد، كانت القبائل تقصد هاتين المنطقتين لترعى قطعانها فيها، تاركة آثارًا أو تسجيلات على صخور المنطقة؛ أما قبل هذه المرحلة، أي مرحلة اشتغال العرب بالتجارة، فكما يشير سترابون في القرن الأول قبل الميلاد فإن القبائل كانت تعتمد على تربية الجمال، ونهب القوافل.
العمل في التجارة خلق اتصالاً بين العرب وبين الحواضر والمدن السورية الواقعة على هواش الصحراء، مثل دورا أوربوس، وتدمر، والبتراء، وقد احتفظت هذه الحواضر بعلاقات جيدة مع القبائل الرّحل في المنطقة؛ ويبدو ذلك واضحًا من انتشار آلهة عربية في تدمر وبعض مناطق الفرات، لاسيّما اللات، ونجمة الصبح أي الزهرة أو العزى، وذو الشرى إله سلالة الأنباط؛ كذلك الأمر فقد كرّس معبد بصرى الشام لعبادة اللات ومناة وذو الشرى، وقد شبهت اللات العربية، بالإلهة آثنيا الإغريقية، وعشتار السريانية على أنّ التوفيق بين الآلهة كان شائعًا في سوريا ومعظم مناطق العالم القديم الأخرى.
بعد اندراس دولة الأنباط عام 106، استحدث الرومان ولاية العربية وعاصمتها بصرى، كبديل عن حكم الأنباط الذاتي؛ علمًا أن الأنباط ومعظم سكان العربية، استعملوا الأبجدية الآرامية في كتاباتهم. بعد سقطوط تدمر عام 272 ظهرت في منطقة الصحراء السورية - العراقية، حركات قبلية كبرى أثرت بشكل مباشر على سوريا الرومانية، إذ أعلن عمرو بن عدي تأسيس إمارة في الحيرة، وإذ ناصر الساسانيين، تأثرت طرق التجارة عبر الصحراء في الإمبراطورية سلبًا. أما خليفته إمرؤ القيس فبسط سيطرته على معظم القبائل الرحل، فلا في الصحراء السورية فحسب، بل حتى شبه الجزيرة العربية أيضًا، ودعا نفسه ملك كل العرب، وهو اللقب الذي يظهر للمرة الأولى في التاريخ على شاهدة قبره المكتشفة في النمارة في جبل الدروز ضمن محافظة السويداء الحالية في سوريا. حاول الرومان من جديد كسب قبائل الصحراء السورية لصالحهم، لاسيّما بعد انتشار المسيحية فيما بينهم، وتمكنت الإمبراطورية بالفعل من التعاون مع تنوخ وصالح ومجموعة من القبائل الصغرى والأقل نفوذًا، غير أن أهم قبيلة بكل تأكيد كانت غسّان، إذ أسس الغساسنة منطقة حكم ذاتي شملت الأردن وجنوب سوريا الحالية حتى حدود دمشق؛ وتمكنت عدة شخصيات غربية بارزة في سوريا من استحواذ مراتب شرفية في البلاط الإمبراطوري لدورها كشرطة حماية حدود الإمبراطورية؛ وهذا ما يظهر بشكل واضح على سبيل المثال من خلال قصر ابن وردان، العسكري والإداري، الذي شيّد عام 564 على حدود الصحراء إلى الشرق من حماه، لضبط حركة القوافل وحمايتها من قطاع الطرق، فضلاً عن كونه حامية في حال هجم الفرس على الإمبراطورية، وقد ألحقت بالقصر ثكنة كبيرة وكنيسة ضمت ثلاثة صحون ورواق. هذا الدور السياسي والاجتماعي لقبائل العرب في سوريا، لم يمنع بعضها من الاستقرار وترك التنقل لمصلحة العمل في الأرض، فاستقرت على حواف غوطة دمشق وحمص، وكذلك في الجزيرة السورية، بعض القبائل العاملة بالزراعة؛ ومن الواجب التنبيه في هذا الخصوص أنّ التواجد العربي في سوريا الرومانية كان هامشيًا بالنسبة للداخل السوري، وشكّل أقلية أمام الكتلة الرئيسية من السكان الناطقة بالسريانية والعاملة بالزراعة، والمنفتحة على حضارة البحر المتوسط الإغريقية الرومانية، يقول موريس سارتر على سبيل المثال: "أيًا كانت أهمية العرب في اقتصاد سوريا الزراعي، فإن البلد بقي أولاً بلدًا حضريًا، وبالتالي بلد قرى،....، أكثر من سبعمائة بلدة، كانت مزدهرة في الكتلة الكلسية الشمالية من أفاميا وحتى أنطاكية وحدها.