العربية  

books bashir ii shihabi

If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.

View more

بشير الثاني الشهابي (Info)


الأمير بشير الثاني الشهابي الكبير هو أحد أمراء جبل لبنان من آل شهاب، الذين حكموا المنطقة من سنة 1697 حتى 1842. يُعتبر أحد أشهر الأمراء في تاريخ لبنان وبلاد الشام عمومًا، وأحد أبرز ولاة الشرق العربي في العصور الحديثة، كما أنه آخر الأمراء الفعليين للبنان، إذ أن الأمير الذي تلاه كان مجرد أمير صوري تمّ تعيينه من قبل العثمانيين على عكس الأمراء السابقين الذين كان يختارهم أعيان الشعب. حكم الأمير بشير الثاني جبل لبنان خلال الربع الأخير من القرن الثامن عشر وصولاً حتى منتصف القرن التاسع عشر، وبهذا كان الأمير الثاني الذي حكم لفترة طويلة كهذه، بعد الأمير فخر الدين المعني الثاني.

عاصر بشير الثاني فترة ضعف وعجز الدولة العثمانية وازدياد الأطماع الأوروبية فيها والتدخل في شؤونها. ومن أبرز الأحداث التي شهدها لبنان في عهده: الحملة الفرنسية على مصر وفلسطين خلال عهد الوالي أحمد باشا الجزار، والحملة المصرية على بلاد الشام والمعارك العديدة التي خاضها الجيش المصري مع الجيش التركي للسيطرة على سوريا الكبرى. يُقسم المؤرخون تاريخ الأمير بشير الثاني في الحكم إلى ثلاث مراحل: المرحلة الأولى (1788 - 1804)، الأمير في عهد أحمد باشا الجزار، وقد امتدت ستة عشر عامًا، وكان موقف الأمير فيها مضطربًا، وخاضعًا لوالي عكا؛ المرحلة الثانية (1804 - 1831)، مرحلة القوة والازدهار، وقد امتدت سبعة وعشرين عامًا، وفيها بلغ الأمير ذروة مجده وقوته، وقد عاصره في هذا الدور في عكا الواليان سليمان باشا ثم عبد الله باشا؛ المرحلة الثالثة (1831 - 1840)، عهد الحكم المصري لبلاد الشام، وقد دامت تسع سنوات، وكان الأمير خلالها متحالفًا مع محمد علي باشا والي مصر ضد الدولة العثمانية، وبانهزام المصريين بنهاية المطاف، غادر الأمير لبنان إلى المنفى وكانت تلك نهاية الإمارة اللبنانية "الأصيلة".

نشأته

هو بشير بن قاسم شهاب، يُعرف بالثاني لأن أول أمير من آل شهاب كان يُدعى بشير أيضا، ويُقال له "الكبير" لأنه يعتبر من أكبر وأعظم أمراء لبنان عبر التاريخ، كما يُعرف عند الإنكليز "بالمالطي" لأنه لجأ إلى جزيرة مالطة، المستعمرة البريطانية عندما انهزم المصريون وانهار حكمهم في لبنان.

كان الأمير ملحم بن حيدر الشهابي، الذي حكم لبنان بين سنتيّ 1729 و1754 قد رشّح الأمير قاسم، ابن أخيه عمر، ليخلفه في الإمارة، ولكن الأميرين أحمد ومنصور، عميّ قاسم، تجاهلا هذا الترشيح وانفردا بالإمارة، فنزح قاسم إلى بلدة غزير في كسروان وأقام فيها.

وفي سنة 1767 توفي قاسم بعد أن ترك ولدًا في شهره الرابع، هو بشير الثاني. ولم تلبث والدته أن تزوجت وأقامت في منطقة الحدث، قرب بيروت، أما بشير فاحتضنته امرأة من آل الشعلاني كانت في خدمة أبيه، فنشأ يتيم الأب، بعيدا عن الأم، فقيرا، على الرغم من جذوره النبيلة. فبشير الثاني بالتالي، هو ابن قاسم بن عمر بن حيدر الشهابي، وحيدر هو ثاني أمراء آل شهاب، وبطل معركة عين دارة التي وقعت سنة 1711 وقضي بها على الحزب اليمني وتمّ توزيع الأراضي بعدها على الأسر اللبنانية الكبرى

شجرة العائلة

شجرة عائلة الشهابيين

بشير في حاشية الأمير يوسف

بعد أن أمضى بشير شطرًا من صباه في منطقة برج البراجنة، في بيت مربيته، بالقرب من الحدث حيث كانت تقيم والدته المتزوجة والتي كان يزورها بين الحين والأخر، انتقل إلى دير القمر، عاصمة الإمارة. وهناك قام ببعض الأعمال التي كلفه بها الأمير في ذلك الوقت، يوسف الشهابي، فكان يشرف على أملاكه ويفضّ الخلافات التي كانت تنشأ بين رجال الإقطاع.

وكانت سلطة الأمير يوسف في ذلك الوقت قد أخذت تضعف، فقد كان الجزار والي عكا، الذي كان لبنان يدفع ضرائبه إلى الدولة العثمانية عن طريقه، يلحّ عليه بطلب المال من جهة، ورجال الإقطاع يتبرمون من كثرة الضرائب، ويتلكؤون في تلبية طلبات الأمير يوسف من جهة ثانية. ومالبث بشير الثاني أن لفت انتباه خصوم الأمير يوسف، وأكثرهم من الحزب الجنبلاطي، ورؤوا فيه شخصا مؤهلاً ليحل مكان الأمير حين يكون الوقت مناسبًا، فالتفّوا حوله، ولكنه كان يشعر أنه فقير لا يستطيع النهوض بأعباء الإمارة، وفي مقدمتها توفير الأموال الكافية لإرضاء الجزار.

كان الأمير يوسف قد شعر بتعاظم شخصية بشير والتفاف رجال الإقطاع حوله، فأراد أن يبعده قليلاً عن عاصمة الإمارة، فأوفده في مهمة إلى حاصبيا بجنوب لبنان، حيث كان الأمير يوسف قد قتل أميرًا شهابيًّا من وادي التيم، وكان الأمير القتيل ثريًّا، فأوفد يوسف بشيرًا إلى حاصبيا سنة 1787 لتقدير تركته. وبينما كان بشير يؤدي مهمته التقى بالأميرة "شمس"، أرملة الأمير القتيل، وكانت ثرية مثل زوجها، فاغتنم الأمير بشير الفرصة وتزوج منها، وعاد إلى دير القمر بثروة كبيرة اشترى ببعضها أرض قصر بيت الدين الذي بناه لاحقا، واستعان بالبعض الآخر على تنفيذ خططه السياسية.

تولي مقاليد الحكم

ما كادت سنة 1788 تشرف على نهايتها حتى كان بشير الثاني الشهابي هو الرجل المؤهل لكي يتبوأ إمارة الجبل، فهو الذي كان بوسعه أن يرضي نهم الجزار للمال، ويُرضي الحزب الجنبلاطي وسائر الإقطاعيين الذين كانوا يناوئون الأمير يوسف، ويُرضي الأمير يوسف نفسه الذي شعر بعجزه عن الاستمرار في الحكم، بعد أن دعم انقلابا قام به مماليك الجزار على سيدهم ظنا منه أنه سينجح ويتخلص من سلطان ذلك الوالي عليه، فلما اخفق الانقلاب وجد يوسف نفسه في مأزق، وظن أن وجود الأمير بشير في إمارة الجبل معناه استمرار لحكم الأمير يوسف نفسه واستمرار نفوذه. فتنازل عن الحكم، وانتخب أعيان البلاد بشيرا، وما لبث الأخير أن توجه إلى عكا وعاد منها بعد أن تسلم منصب الولاية رسميّا من الجزار.

كان على الأمير أن يواجه عددا من العقبات، كان في طليعتها مطاردة سلفه الأمير يوسف، هذه المطاردة التي أصر عليها الجزار كي يجعل من الأمير السابق عبرة لمن يُفكر بالتمرد على الولاية، وكان الجزار على دراية بطباع الأمير بشير الشجاعة وقدراته الباكرة، فأعطاه جيشا من المرتزقة الألبان والمغاربة وأمره بطرد الأمير يوسف من الجبل أو القبض عليه واقتياده إلى عكا. كان بشير الثاني عند انتخابه قد وعد قريبه الأمير يوسف بالحماية، ولكنه عاد وأدرك أن سلطته لا يمكن أن تقوى أو تستقر بوجود يوسف إلى جانبه، فقد سبق واعتزل الأخير الحكم عددا من المرّات ثم عاد بعد أن راضى الجزار، وليس هناك ما يمنع أن يعاود الكرّة، ويغتنم أية اضطرابات تحصل ليفعل بقريبه بشير ما فعله بإخوته، أي قتله كي لا ينازعه على الحكم. انطلاقا من هذا انقلب الأمير بشير على وعده وقامت بينه وبين سلفه بضعة مناوشات هرب بنتيجتها الأمير يوسف إلى حوران، وعقد العزم على الانتقام، فاتجه إلى عكا بغض النظر عن الخطر المحدق به، وظهر أمام الوالي مع حبل معقود في رقبته كاستعداد لأن يُشنق، وبدون مقدمات عرض على الجزار أن يُرجعه حاكما على لبنان على أن يقدم جزية سنوية قيمتها 600 ألف قرش، فأعجب الجزار بالاقتراح وكاد أن يوافق ويعفي عن الأمير يوسف.

علم الأمير بشير بالمساومات التي كانت تجري في عكا، فأسرع بنفسه وعرض على الجزار أن يدفع له في السنة الأولى ضعفي ما يقترحه الأمير يوسف، مشترطا أن يُشنق الأخير مع مستشاره "غندور"، فوافق الجزار على هذا الاقتراح ونفذ حكم الإعدام بالأمير يوسف. وبهذا أصبح بشير الثاني الشهابي حاكم لبنان الأوحد ولم يبق له منافس فعلي آخر، وضمن والي عكا إلى جانبه لفترة من الوقت على الأقل.

تمرد وعصيان الشعب

أثارت حادثة شنق الأمير يوسف بعض اللبنانيين في المتن على الأمير بشير، وانتشرت الثورة ضده في مقاطعات الغرب، والجرد والشحّار، وسرعان ما تحول هذا إلى عصيان عام في لبنان سنة 1790، أي في العام الثاني لحكمه. لم يبق إلى جانب الأمير آنذاك سوى حراس الجزار، الذين كانوا قد ألحقوا به لجمع كمية الأموال الموعودة، ولكن الجزار ما لبث أن استرد حراسه، بعد أن أعطي بشليك دمشق فتسمى وقتها أميرا للحج وقرر الذهاب إلى مكة المكرمة على رأس قافلة الحجاج، فاضطر الأمير بشير، والحال هذه، إلى الهرب واللجوء إلى "متسلّم" صيدا التركي، فانتخب أعيان الجبل مكانه أميرين من أقربائه هما حيدر وقعدان الشهابيين.

بعد عودته من مكة، أرسل الجزار جيوشه لمساعدة الأمير بشير، ولكن سكان الجبل وقفوا وقفة واحدة في وجه إعادة بشير إلى الحكم، فدارت بينهم وبين جيش الأمير والجزار معارك لمدة سنتين بقي لبنان خلالها منيعا أمامهم. لكن القدر سمح لوالي عكا أن ينتقم من الجبليين بقسوة ويُعيد الأمير إلى منصبه عنوة، ففي سنة 1793 عمّ القحط بلاد الشام، وكانت المراكب المحملة بالقمح تفرغ حمولتها في بيروت وبالرغم من أن بعض القرى كانت تعاني من الجوع، إلا أن الباشا منع وصول القمح إلى الجبل، وعندها فقط استوفى الجزار كل ديونه. ولتهدئة الشعب التعيس المعذب والجائع، والذي فقد كل إمكاناته في دفع الجزية والفدية، طلب الجزار من الأمير بشير بأن يغرب عن جبل لبنان لفترة، فالتحق الأخير بقبائل الأنصاريين في شمال لبنان، حيث استطاع من هناك أن يجتذب إلى جانبه حزب الجنبلاطيين. وكان الجزار في هذه الفترة يُغذي الانقسامات بين الأمراء الشهابيين ويثير النزاع بين الإقطاعيين، فيبتز المال من كل راغب بمنصب الإمارة ويؤلب بعضهم على بعضهم الآخر، واستمر في خطته هذه حتى سنة 1798 عندما أصدر أمرا بإعادة بشير إلى الحكم، فعاد الأمير بشير إلى منصبه بتأييد من الجزار، الذي افسح له المجال للتخلص بنفسه من منافسيه، وبدعم من الجنبلاطيين.

الأمير يبطش بخصومه

أراد الأمير بشير أن ينتقم من الذين ثاروا عليه، أو ساعدوا خصومه خلال تخليه عن الحكم، فبطش بهم وفي طليعة هؤلاء كان آل نكد، وطارد أبناء الأمير يوسف ونكّل بكل من وقع بين يديه وأنزل بهم ألوان العذاب والإذلال. ولمّا أيقن أبناء الأمير يوسف أن نهايتهم ستكون على يد الأمير بشير، جمعوا أموالا كثيرة، وتوجهوا إلى الجزار راغبين في "شراء" إمارة الجبل.

وأغرت هذه الأموال الجزار، فنسي وعده ودعمه للأمير بشير، وانقلب عليه علنا، وأنعم على أبناء الأمير يوسف بإمارة الجبل من جديد. وما كاد الجزار يفعل ذلك، حتى بلغته أنباء الجيش الفرنسي بقيادة نابليون بونابرت، الذي نزل أرض مصر، فجزع الجزار جزعا شديدا، وتريث في عزل الأمير بشير، فاستبقى أبناء الأمير يوسف في عكا ريثما تنجلي نتائج الحملة الفرنسية. وارتاح الأمير بشير، بعض الوقت، من تقلبات مزاج الجزار.

الحملة الفرنسية على مصر وفلسطين

    بعد أن كان محمد علي باشا قد أنجد قوات الدولة العثمانية في اليونان، وتغلب على الوهابيين في شبه الجزيرة العربية، غدا أقوى ولاة السلطان العثماني في الشرق العربي، وكان أخرهم علي بك الكبير، فهو والي مصر، وهو يملك جيشا مدربا وأسطولا مستعدا. ولما كان طامعا في توسيع رقعة نفوذه، فقد طمع بالاستيلاء على بلاد الشام، كما سبق لولاة مصر الذين سبقوه أن طمعوا بضمها إليهم، وذلك لأهمية مركزها الاستراتيجي على طريق الحج، ولغناها بالرجال والمال، ولثروتها الزراعية. وكان السلطان محمود الثاني قد وعد محمد علي بأن يوليه عليها، ولكن عاد وأخلف وعده، إذ شعر أن وجود محمد علي في سوريا ولبنان خطرٌ على كيان السلطنة نفسها.

    مهّد محمد علي لتنفيذ خطته بأن أخذ يوطد علاقته بأقوى شخصين في المنطقة وهما بشير الثاني أمير لبنان وعبد الله باشا والي عكا، وكلاهما مدين لمحمد علي في البقاء بمنصبه. أما الأمير بشير فقد عاد إلى إمارته صديقا لمحمد علي وحليفا، وأما عبد الله باشا فكان محمد علي قد ساعده لدى السلطان، إثر خلافه مع والي دمشق، فرضي عنه السلطان وأقره على ولاية عكا، كما كان محمد علي قد أمده بالمال في معركته ضد والي دمشق. فلما اطمأن محمد علي إلى قوته، وأدرك أن الدولة العثمانية تجتاز مرحلة صعبة من الضعف والعجز، قرر أن يجتاح بلاد الشام بالقوة، ومن أجل أن يبرر عمله افتعل خلافا بينه وبين عبد الله باشا والي عكا.

    طالب محمد علي عبد الله باشا بإعادة المال الذي كان قد قدمه إليه، وإعادة الفلاحين المصريين الفارّين من دفع الضرائب ومن الخدمة في الزراعة، ولما ماطل عبد الله باشا في تلبية طلب محمد علي، اتخذ هذه المماطلة ذريعة لاحتلال أراضي فلسطين ولبنان وسوريا.

    في خريف سنة 1831 وجّه محمد علي جيشا بقيادة ابنه إبراهيم إلى فلسطين، فأخضعها بمساعدة الأمير بشير. ثم حاصر عكا وواليها عبد الله باشا، وبينما كانت تقاوم حصار إبراهيم باشا، كان أبناء الأمير بشير ومعهم جنود مصريون، يسيطرون على صور وصيدا وبيروت وجبيل، ولما استعصت عليهم طرابلس أسرع إبراهيم باشا لنجدة حلفائه، ولم تلبث أن سقطت في أيديهم. وبعد سبعة أشهر من الحصار سقطت عكا واستسلم واليها عبد الله باشا، فأرسله إبراهيم باشا أسيرا إلى والده في مصر. وكانت المرحلة الثانية بعد فتح عكا، الاستيلاء على سوريا الوسطى والشمالية، فتابع الفاتح المصري زحفه نحو دمشق ومعه الأمير بشير وجيشه، فاحتلها. ثم تقدم نحو حمص حيث كان الجيش العثماني يستعد لمجابهته، فاشتبك الفريقان في قتال شديد أسفر عن نصر ساحق لإبراهيم باشا، وسار القائد المصري شمالا فاحتل اللاذقية وأنطاكية وحلب، ثم تابع الزحف حتى بلغ ممر بيلان، بين حلب والإسكندرونة، فدارت معركة أخرى انتصر فيها إبراهيم باشا وحلفاؤه اللبنانيون. وهكذا دانت سوريا الكبرى كلها للفاتح المصري.

    بشير في ظل الحكم المصري

    استقبل سكان سوريا ولبنان إبراهيم باشا استقبال المحرر المنقذ من الولاة العثمانيين وظلمهم، واستقبله أنصار الأمير بشير بحماسة وانضموا إلى جيشه، فزودهم بالسلاح، وقد حاربوا تحت لوائه وخاضوا المعارك التي خاضها. أما الحزب الجنبلاطي وبعض الإقطاعيين الذين كانوا يخاصمون الأمير بشير فقد رؤوا فيه خطرا عليهم، إذ أن والده محمد علي كان قد تدخل في مقتل زعيمهم بشير جنبلاط الذي كان والي عكا قد شنقه، لذلك آثر هؤلاء الانضمام إلى العثمانيين، ولما اكتسح إبراهيم باشا بلاد الشام التجأ بعضهم إلى إسطنبول، وبعضهم الآخر إلى قبرص.

    وكافأ إبراهيم باشا حليفه بشيرا الثاني على المساعدات التي قدمها إليه أنصاره، فأعاد إليه مكانته السابقة وترك له حرية التصرف في إمارته، فانصرف الأمير بشير إلى إنجاز ما كان قد بدأه، فتابع ملاحقة خصومه من الإقطاعيين وقضى على نفوذهم وصادر أملاكهم وشرّدهم، وأقام على إقطاعاتهم بعض أنصاره وأقاربه. وفي فترة لاحقة، خلال هذا العهد المزدهر، عمم الأمير بشير التلقيح ضد الجدري، بعد أن عني القائد المصري بالناحية الصحية للبلاد.

    بعد استقرار الحكم المصري في لبنان، أخذ إبراهيم باشا يفرض قيودا جديدة وزيادة في الضرائب لم يعهدها الناس من قبل، كذلك أنشأ نظام السخرة لاستخراج المعادن من قرنايل وصليما، وفرض التجنيد الإجباري خوفا من عودة الأتراك لاسترجاع بلاد الشام. ولم يكن للبنانيون عهد بمثل هذه الإجراءات الإجبارية، فنفروا ونقموا على إبراهيم باشا وأعوانه، وطالبوا الأمير بشير بالتدخل لوقف هذه الأعمال، ولكن بشير لم يكن في وسعه أن يفعل شيئا، فقد أصبح أداة طيعة في يد إبراهيم باشا يُنفذ سياسته من غير اعتراض. لذلك أصبح الأمير بشير في نظر الشعب مساعدا للباشا في طغيانه.

    وفي منتصف سنة 1840 طالب المصريون من الأمير بأن يسترجع من اللبنانيين 16 ألف بندقية كانوا قد تسلموها من المصريين أبان دخولهم بلاد الشام، وذلك لأن إبراهيم باشا كان قد بدأ إعداد الفرق العسكرية تحسبا لمقاومة أي هجوم خارجي أو ثورة داخلية، بعد أن نشط عملاء العثمانيين والأوروبيين في تغذية النقمة ضد الوجود المصري في الشام. وفي مايو 1840 دعا الأمير بشير أهالي دير القمر إلى تسليم سلاحهم تنفيذا لأوامر محمد علي، وكان هؤلاء أوفر أهل الشوف سلاحا؛ لذلك كان البدء بتطبيق هذا الأمر عليهم، يُسهل تطبيقه على سائر المناطق. غير أن أهالي دير القمر رفضوا الإذعان لهذه المطالب وقرروا المقاومة المسلحة، التي ما لبثت أن انتشرت من دير القمر إلى أنحاء لبنان.

    وساءت العلاقات بين الأمير بشير وإبراهيم باشا، وكان الأخير يكره الأمير بشير، على العكس من والده محمد علي. فقد تجاهل الأمير أول الأمر هذه الثورة ظنّا منه أنه يستطيع إخمادها متى شاء، وذلك ليُشعر إبراهيم باشا أنه بحاجة إلى الاستعانة به دائما، ولكن ظن الأمير كان في غير محله، فقد أفلت زمام الأمر من يده، بعد أن تعهد عملاء الدول الأوروبية وعملاء العثمانيين هذه الثورة بالتشجيع، والمال والسلاح والمؤن. ولما طالب الأمير الثوار بالتريث والهدوء طالبوه بتحقيق 6 شروط لا يتنازلون عن أي واحد منها، ومن ضمنها إلغاء قرار تجنيدهم في الجيش المصري، وإلغاء السخرة، والعودة إلى نظام الضرائب القديم.

    لم يحفل الأمير بشير بمطالب الشعب هذه، فاتهمه اللبنانيون بالأنانية وبخضوعه لسياسة إبراهيم باشا وتخليه عن مصلحة لبنان. والواقع أن الأمير العجوز، الذي كان قد بلغ الثالثة والسبعين، لم يعد يستطع أن يخالف إبراهيم باشا أو يقاومه، فاتخذت الثورة اتجاها جديدا، فأصبح الأمير هدفا من أهدافها. وهنا لجأ إبراهيم باشا إلى اللين، فطلب من الأمير أن يفاوض الثوار، ولكن هؤلاء أصروا على تحقيق مطالبهم كاملة، واجتمعوا في أنطلياس، وكانوا يمثلون جميع الطوائف، وتعاهدوا على أن ي

    Source: wikipedia.org