If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
توسَّعت الإدارة العُثمانيَّة في عهد مُراد الأوَّل بِمقدار خمس مرَّات لِما كانت عليه، كما ازداد عدد السُكَّان، بحيثُ أصبح هذا العهد يُعدُّ نُقطة تحوُّلٍ فاصلةٍ في الحلقة التاريخيَّة للانتقال إلى طور الدولة. أدَّى الانتشار العُثماني الواسع في البلقان إلى ظُهُور مناطق حُدوديَّة جديدة كانت هدفًا لِحركة هجرة تُركيَّة وإسلاميَّة واسعة، وعلى الرُغم من المُقاومة التي صادفها العُثمانيُّون فإنَّ هدف الاستيطان والسياسة التي طبَّقوها قد أثبتت لهم أنَّهُ من الصعب إجلاؤهم عن البلقان، والمعروف أنَّ مُمارسة عمليَّات نقل السُكَّان إلى المناطق المفتوحة قد بدأت مُنذُ وقتٍ مُبكرٍ بِهدف تدعيم الجهاد. وفي الوقت الذي استقرَّ فيه الفاتحون في المناطق المفتوحة جرى دمج القادة المحليين شيئًا فشيئًا عن طريق الإقطاع، ما أحدث تغييراتٍ هامَّةٍ في التركيبة السياسيَّة في البلقان، إذ أنَّ تطبيق نظام الإقطاع العسكري الذي سار عليه العُثمانيُّون، في الأراضي المفتوحة، ألحق قسمًا من الأُمراء المحليين بِنظام التيمار، فأُبطلت حُقوق هؤلاء على السُكَّان، وتساوى المُزارعون في البلقان بِالمُزارعين المُسلمين الأناضوليين في الوضعيَّة الحُقوقيَّة، كما حقَّق هذا الربط الأمن والهُدوء وعزَّز قُوَّة الجيش. وبِفعل أنَّ أُسس نظام الإقطاع العسكري منوطة، بِشكلٍ مُباشرٍ، بِتعمير القُرى، فقد عمل العُثمانيُّون على تشجيع الناس على الهجرة من الأناضول، والعمل، من ناحيةٍ أُخرى، على إقرار السُكَّان المحليين في أماكنهم. وهكذا رسَّخت الإدارة العُثمانيَّة أقدامها في الروملِّي، وجرى إحياء عمليَّة الحياة الاقتصاديَّة من واقع تعزيز الوُجود السُكَّاني في القُرى وتعمير الخربة منها. وأدَّى العُلماء، الذين استقطبتهم فُرص المناصب والمُخصَّصات، والدراويش الغُزاة، الذين وجدوا الفُرصة لِمُمارسة عمليَّة الجهاد، دورًا في تطبيع المُمارسات الإداريَّة الإسلاميَّة المُتميزة بِالتسامُح مع غير المُسلمين. والواقع أنَّ الصدر الأعظم قره خليل باشا الجندرلي أدَّى دورًا أساسيًّا في بناء إدارة مركزيَّة، فأنشأ منصب قاضي العسكر، القاضي الأعلى لِلجُيُوش العُثمانيَّة، وهو في واقع الأمر قاضي القُضاة أي رئيس العُلماء وما يقوم مقام وزير العدل المُعاصر، حتَّى إنشاء منصب شيخ الإسلام لاحقًا، ويجمع بِحُكم صلاحيَّاته بين رئاسة الإدارة وقيادة الجيش، وأنشأ خزانة الدولة ونظام الدفاتر، وهُما أساس المُؤسسة التيماريَّة، وكان مُتولِّي نظارة الخزانة يُسمَّى «الخزندار»، ومُتولِّي نظارة الدفاتر يُسمَّى «الدفتردار». وتمَّ، في ظل حُكم مُراد الأوَّل، إنشاء منصب «البكلربك» الذي هو أميرُ الأُمراء.