If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
قام مسلمة بن عبد الملك خلال أطوار حياته المختلفة ببناء الكثير من القصور والمساجد والحصون، في أماكن شتى ومختلفة. منها؛ قصر بناه مسلمة لنفسه في دار الإمارة، في منطقة الناعورة في حلب أثناء ولايته عليها عام 90 هـ-709، ومع مرور الزمن خُرب هذا القصر، وبقي منه برجاً وأثار لعدة أبراج، وكانت أثار القصر هذه لا زالت موجودة حتى القرن السابع الهجري، حيثُ ذكر المؤرخ عز الدين بن شداد الذي عاصر ذلك القرن أنه شاهد أثار القصر بنفسه، ومن حجارة قصر مسلمة هذا بُنِي باب قنسرين المشهور.
ومن القصور التي بناها مسلمة أيضاً، قصر آخر في حلب يُسمى "قصر الناعورة"، وهذا القصر هو الذي كان مسلمة يقيم فيه أغلب وقته عندما كان بتوقف عن الغزو وأمضى أواخر حياته بهذا القصر في حلب، ويقع في نقرة بني أسد بالناعورة في حلب، وقد بناه مسلمة بالحجر الصلد الأسود الكبير المنحوت، وقد اجرى مسلمة ماء العيون في قنوات خاصة إلى قصره، وذلك من العيون القريبة منه، وقد ذكر المؤرخ ابن العديم - المتوفى عام 660 هـ - إن القصر لا زال موجوداً حتى زمانه، وأن برجاً منه انهدم فأخذ الناس حجارته واستخدموها لبناء مباني أُخرى، وذكر أيضاً أن ذرية مسلمة ظلوا يعيشون في هذا القصر حتى عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد، وأن هارون زار القصر مرة فأكرم ذرية مسلمة وأعطاهم كثيراً من الأموال، لأجل مجازاة وإكرام مسلمة ورد الجميل له بسبب أنه كان يُحسن لبني هاشم كثيراً ويكرمهم.
ولمسلمة أيضاً قصراً بناه في دمشق كان يعيش فيه عندما يأتي لدمشق، وذكر ابن عساكر أنه في محلة القباب أمام باب الجامع الأموي الدمشقي، ووصف المورخ النعيمي - المتوفى عام 927 هـ - موقع دار مسلمة بدقة أكبر، إذ قال أنها تقع شرقي مدرسة الجهادية جوار قاسارية القواسين، بظهر سوق السلاح وكان به الباب، أمام باب الزيادة - أحد أبواب الجامع الأموي الدمشقي -، وذكر أنّه تمَّ بناء مدرسة اسمها "الأمينية" مكانه. وأيضاً بنى مسلمة إيوان لنفسه يستخدمه للضيافة، ويستقبل به وفود الناس، وأصبح الإيوان فيما بعد لهارون الرشيد، وكان هارون يُفاخر الناس إذا استضافهم فيه لأنه إيوان مسلمة. ومن المساجد التي بناها مسلمة بن عبد الملك مسجده المشهور في القسطنطينية أثناء حصارها، الذي بعد أن فُتِحت القسطنطينية حدد العثمانيون موقعه وقالوا أن مسجده هو جامع العرب. وأيضاً من المساجد التي بناها مسلمة مسجداً بناه في مدينة أَنْدُسُ أثناء أحد غزواته للروم، وأندس مدينة رومية تقع غرب خليج القسطنطينية، وبينها وبين القسطنطينية ميل واحد فقط.
ولعل أشهر ما بناه مسلمة بعد جامع العرب، هو الحصن الذي عُرِف بـ "حصن مسلمة"، بناه مسلمة في الجزيرة الفراتية بديار مضر في موضع بين رأس عين والرقة، بينه وبين نهر البليخ مسافة ميل ونصف فقط، وبينه وبين مدينة حران مسافة تسعة فراسخ، وقد أصلحه مسلمة، وبنى فيه مصنع لشرب الماء طوله 200 ذراع، وعرضه أيضاً 200 ذراع، وعمقه يقدر بنحو 20 ذراعاً، ومعقود بالحجارة، والماء يجري في المصنع من نهر البليخ في نهر مفرد، في كل سنة يجري الماء مرة واحدة حتى يمتلئ المصنع، ويكفي بهذه المرة سكان الحصن بقية العام، ويسقي هذا النهر المُفرد بساتين حصن مسلمة وفوهته من البليخ على خمسة أميال. وفي عام 1986 بدأت بعثة ألمانية-سورية في التنقيب بالحصن واستكشافه، وفي العصر الحديث يُطلق عليه مدينة الفار إضافة إلى - حصن مسلمة -، واستكشافات البعثة تمت على مدى عشرات السنين بسبب الانقطاع لفترة طويلة، وكشفت مشابه تماماً لمدينة الرصافة، وأنه يقع على الضفة اليسرى لنهر البليخ بالقرب من الرقة على بعد 70 كم شمالاً، وتقدر مساحة هذا الحصن بحوالي 96 هكتاراً، ويبلغ طول الحصن من الشمال إلى الجنوب حوالي 1400 م، ومن الشرق إلى الغرب بحدود 900 م ويخترقه نهر يطلق عليه نهر "سلوك"، تسيل فيه المياه في السنوات الماطرة ويجف في فصل الصيف، ولكون هذا الحصن يقع بالقرب من مجرى نهر البليخ من جهة الشمال الشرقي، فقد عمل مسلمة في فترة بناء هذا الحصن وتوليه مهمة الدفاع عن الأراضي العربية في فترة التحرير العربي، على شق قناة من نهر البليخ لإرواء الأراضي الزراعية المحيطة بالحصن. وكانت مهمة التي بنى بسببها مسلمة هذا الحصن هي الدفاع عن حدود أراضي الخلافة الأموية، وبالوقت نفسه كان يشكل قاعدة عسكرية متقدمة عند خط الثغور والحدود، ومنطلق لكل الغزوات التي كانت تشنها الدولة الأموية ضد معاقل الروم في عقر ديارهم. واكتُشف بالحصن عشرات البيوت والقصور و12 برجاً ومسجداً، وأيضاً اكتشفت خزانات وأحواض تجميع المياه، وقنوات صغيرة تحيط بالأبنية الأصلية في التجمع البنائي الشمالي، وأيضاً اكتشف عشرات اللقى والأثار والأواني والعملات والحُلي وغيره، وكانت هناك أهمية تجارية بالغةً للحصن إذ أنه مسيطراً على الطرق القديمة الواصلة والقادمة من وإلى الرقة، والرها، والجزيرة السورية، حتى أرمينيا، وأذربيجان، وتكاد تتوسط الطرق بين الرافقة وحرَّان. بعد وفاة مسلمة ورثت ذريته منه الحصن فبقوا يعيشون فيه عدة قرون وسنين طويلة، وفي فترة غير معلومة من العصر العباسي خُرِب الحصن ودُمِر لحدٍ كبير، ولا يُعرف بقية تاريخه.
لقد كان مسلمة أيضاً محباً للزراعة ويُشجع عليها - وهي تمثل ركن الاقتصاد الأساسي للدولة وبُني عليها نظام الخراج في الإسلام -، وكان مخططاً ومنتجاً ومشجعاً على الإنتاج، وكان له باعٌ طويل في مجال الزراعة والاستثمار فيه، ومن حيثُ الأراضي الفلاحية والزراعية فقد كان مسلمة غنياً بسبب حروبه الكثيرة فتمكن من شراء الكثير من الأراضي الزراعية، ومن ضمنها الكثير من القرى والمزارع في حلب اشتراها أثناء إقامته فيها، ومن ضمن هذه الأراضي منطقة الحانوت التي توفي فيها. وأيضاً كان يملك عدة أراضي فلاحية وزراعية في مناطق أخرى، مثل؛ قرية باجدا الواقعة في الجزيرة الفراتية بين رأس عين والرقة بجانب حصنه الذي كان يعيش به أحياناً، وهذه القرية أقطعها مسلمة لصديقه أسيد السلمي فبناها ورممها، وأقام عليها سوراً. وأغلبية أراضي مسلمة وقراه الفلاحية تقع بين منطقة الناعورة، ومنطقة بالس - الاسم القديم لبلدة مسكنة، وفي الناعورة كان لمسلمة الكثير من الأراضي الفلاحية، خصوصاً في دير إسحاق، وقد اختلف مسلمة مع سكان دير إسحاق حول ملكية الأراضي فرفعوا قضيتهم لعمر بن عبد العزيز أثناء خلافته فحكم لصالح مسلمة وأعطاه الناعورة. وأيضاً يملك في أنطاكية؛ أراضي عين السلور، وبغراس، والإسكندرونة، وبحيرة عين السلور، وهذه المناطق في أنطاكية تصدق بهن مسلمة وأوقفهن جميعهن في سبيل البر، وفي العهد العباسي قام الخليفة المهدي بإعطائها لمولاه رجاء. وكان له مزارع خاصة أقام فيها القنوات تُسمى المصانع، وكان مسلمة شديد الاهتمام بالناحية الزراعية، ويُقدم أموالاً كثيرة من أجل إصلاح أراضي زراعية يستفيد منها الناس، وكانت له همة عالية في استصلاح الأراضي لجعلها صالحة للزراعة. وفي عهد أخيه الوليد انبثقت بثوق نهر الفرات، فأرسل الحجاج بن يوسف الثقفي للوليد يخبره أن قد قدر من المال الكافي لإصلاح النهر وسد بثوقه ما يقدر بـ 3 آلاف ألف درهم، فاستكثر أن يدفعها الوليد من بيت المال بسبب قيمة المبلغ العالية، فقال مسلمة للوليد: «أنا أنفق عليها على أن تقطعني الأرضين المنخفضة التي يبقى فيها الماء، بعد انفاق ثلاثة آلاف ألف درهم يتولى إنفاقها ثقتك ونصيحك الحجاج»، فقبل الوليد وأصلح مسلمة البثوق من ماله الخاص، فأعطاه الوليد تلك الأراضي التي أرادها، وكانت مجرد مستنقعات في سواد الكوفة على نهر الفرات الأوسط، فقام مسلمة بحفر اليابس في هذه المستنقعات، وأنشأ المزارع، وعمر تلك الأراضي، وأسكنها بالناس في ضياع وقرى كثيرة، فحصلت له أرضون من طساسيج متصلة فخفر السيبين وتألف الاكره والمزارعين، وعمر تلك الأرضين، وألجأ الناس إليها ضياعًا كثيرة للتعزز به، وكان أولئك الناس يعتاشون من هذه المزارع وهي مصدر رزقهم حتى أتى العباسيون ونهبوا أموال بني أمية، فانتزعوا هذه الأراضي من أولئك الناس وأخرجوهم، وأعطوها للأمير العباسي دواد بن علي بن عبد الله - عم الخلفاء العباسيون -. وفي أحد المرات ذهب مسلمة يريد غزو الروم من ناحية الثغور الجزرية، فعسكر ببالس أو مسكنة، فأتاه أهلها وأهل بوبلس وقاصرين وعابدين وصفين وأهل الحد الأعلى، فطلبوا منه أن يحفر لهم نهراً من الفرات يسقي أراضيهم من ماله الخاص مقابل أن يجعلوا له الثلُث من غلاتهم بعد عشر السلطان الذي كان يأخذه، فواقف وحفر لهم النهر المعروف بـ "نهر مسلمة" ووفوا له بالشرط، وقام مسلمة أيضاً آنذاك بترميم سور المدينة وأحكمه، فصارت بالس وقراها ملكاً لمسلمة وورثها أولاده وذريته بعده، فلما أتت الدولة العباسية نهبوا أموال بني أمية، وأخذوها لأنفسهم فأخذ بالس الأمير العباسي سليمان بن علي بن عبد الله - عم الخلفاء العباسيون -، وكان من عادة مسلمة خلال سيره للحروب أن يشق قنوات المياه في طريقه، ويوزع الأراضي على الناس، ويوفر لهم فرص العمل، وبقيت هذه الأراضي لهم يعملون على فلاحتها ويترزقون منها حتى جاء العباسيون فانتزعوها منهم، وأخذوها لهم وأعطوها لأقاربهم ومواليهم.