If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
كان اندلاع ثورة التحرير الجزائرية في 1 نوفمبر 1954م تتويجا وتكليلا لجهود رواد الإصلاح من أمثال العريف "عبد الرحمان بوسحاقي" من أجل استنهاض الهمم لإنهاء الاحتلال الفرنسي للجزائر، وكان ابنه يحي بوسحاقي متوثبا مع أبناء عمومته من أجل الانخراط في الجهاد التحرري ضد الاحتلال الفرنسي.
ذلك أن الزوايا في الجزائر مع جمعية العلماء المسلمين الجزائريين تأبطت خيرا حينما كرست جهودها بعد انتكاسة مقاومة الشيخ المقراني في 1871م ليتم انتظار 83 عاما قبل استجماع العناصر الموضوعية الثقافية والحركية الكفيلة بإشعال ثورة عارمة لتحرير البلاد الجزائرية.
وكان تأطير الطريقة الرحمانية روحيا وتربويا واجتماعيا لمنطقة القبائل وما حولها كفيلا بدعم الجهد التحرري بعد 1000 شهر من الانتظار الصبور والدؤوب منذ 1871م.
فتم الزج بكل العدد والعدة والعتاد لدى قرى جبال الخشنة في أتون الحرب التحريرية، ولم تتخلف قرى "تيزي نايث عيشة" عن الركب، أين كان حُفَّاظُ القرآن والأئمة المجازون في طليعة الضبط الشرعي للثورة حفاظا على نقاوتها الفكرية والأخلاقية وعدم انحرافها وشططها.
وإذا كان العريف "عبد الرحمان بوسحاقي" متقدما في السن عند اندلاع شرارة التحرير بعمر ناهز 71 عاما، إلا أن ابنه يحي بوسحاقي وعشيرته كانوا عناصر محورية في الهيكل التنظيمي والتنفيذي للثورة إلى غاية الاستقلال الوطني.
فكان ابنه "المجاهد يحي بوسحاقي" (1935-1960) أحد القادة البارزين في "الولاية الرابعة التاريخية " قبل استشهاده في يوم 28 ديسمبر 1960م مع جنود كتيبته في "قرية السواكرية" قرب مفتاح في متيجة، أين كانت هذه الكتيبة تحضر لهجوم مباغت ومتزامن مع احتفالات الأوروبيين ببداية السنة الميلادية.
وكان أخوه "الإمام إبراهيم بوسحاقي" (1908-1996)، مع ثلة من أئمة مدينة الجزائر، ذا دور مهم أثناء معركة الجزائر التي اندلعت مباشرة بعد انعقاد مؤتمر الصومام.
أما أبناء أخيه الأكبر "الإمام محمد بوسحاقي" (1876-1950) الذي كان مشرفا على "زاوية آيت حمادوش" في جبال سوق الحد، فقد كانوا قضاة شرعيين في صفوف المجاهدين وتأطير الثوار في الجبال والمدن.
فكان "الإمام الطيب بوسحاقي" (1925-1997) قاضيا شرعيا في جبال سوق الحد، في حين كان أخوه "الإمام محمد بوسحاقي" (1931-2003) قاضيا شرعيا في جبال تيجلابين، في حين توزع أخواهم الإمامان "عمر بوسحاقي" و"أحمد بوسحاقي" في مناطق أخرى.
وبالتزامن مع معركة الجزائر، اكتسح الجيش الفرنسي مرتفعات "قرى بني عائشة" وقام بتدميرها وتهجير سكانها إلى المحتشدات حول المستوطنات الأوروبية ابتداء من خريف 1956م مع تكثيف البطش خلال شتاء 1957م حيث صعدت المدفعية الفرنسية إلى غاية "قرية ثالة أوفلا (الصومعة)" ودمرت هناك "زاوية سيدي بوسحاقي" مما أدى إلى استشهاد مجاهدين ردما تحت الأنقاض، كانوا مختبئين داخل قبوها في "الجب" قرب "البئر".
وتم اقتياد الشيخ "عبد الرحمان بوسحاقي" (1883-1985)، الذي كان بطلا في الحرب العالمية الأولى، بطريقة مهينة من طرف جنود الاحتلال الفرنسي، مع إخلاء كل القرية من شيوخها ونسائها وأطفالها نحو المحتشدات.
فتم إيواء "الحاج المقدم علي بوسحاقي" لدى أحد أقاربه في الثنية في ظروف مزرية، وتم غلق مقهى أخيه محمد الصغير بوسحاقي بعد قيام "المجاهد بوزيد بوسحاقي" بتفجير مقر "بريد ثنية بني عائشة" مع خليته الثورية، واضطر "المجاهد بوعلام بوسحاقي" إلى تغيير منطقة النشاط نحو مدينة الجزائر ثم مناطق أخرى إلى غاية الاستقلال الوطني.
وما لبث أخوه الحاج محمد الصغير بوسحاقي أن توفي في ظروف مأساوية خلال سنة 1959م عن عمر ناهز 90 عاما في ظل انتقام "إدارة الاحتلال الفرنسي" من "عائلة بوسحاقي" وعشيرتها وفضائها العيشاوي في جبال الخشنة.
وبعد أن تم تدمير قرى "ثالة أوفلا (الصومعة)" و"أمغلدن" و"ثابراهيمث" و"إيقدارن" مع القرى الأخرى في جبال الثنية وسوق الحد، ارتفع عدد الشهداء إلى حوالي 1 000 شهيد بما مثل آنذاك جريمة ضد الإنسانية وإبادة جماعية بأتم معنى الكلمات.
فتشردت العائلات والعشائر العيشاوية في مدن سهل متيجة إلى غاية الاستقلال الوطني حيث عاد البعض منها إلى الثنية وسوق الحد، إلا أن الأغلبية استوطنت المدن الكبرى وعلى رأسها مدينة الجزائر العاصمة.
ولقد أطال الله -عز وجل- في عمر "عبد الرحمان بوسحاقي" إلى غاية انعقاد اتفاقيات إيفيان التي انجر عنها وقف إطلاق النار في 19 مارس 1962م، فسارع أعيان عائلة "بوسحاقي" إلى إعطاء التزكية لـدحمان دريش ليكون ممثلا عن منطقة "جبال الخشنة" في الهيئة التنفيذية المؤقتة برئاسة عبد الرحمان فارس في مدينة بومرداس.
وتوجه أبوه "الحاج علي بوسحاقي" في صبيحة يوم 1 جويلية 1962م إلى مركز الاقتراع في مدينة ثنية بني عائشة بصحبة ابنه "الحاج رابح بوسحاقي" من أجل الإدلاء بصوته في استفتاء تقرير مصير الجزائر عن عمر ناهز 107 أعوام.
وخرجت الصحف في اليوم الموالي بمقالات تتحدث عن "عميد المنتخِبين الجزائريين" (بالفرنسية: Doyen des votants Algériens) المتمثل في "الشيخ علي بوسحاقي" الذي عايش وهو شاب يافع قدومَ المستوطنين الفرنسيين لاحتلال منطقته الزواوية في 1872م، وعاين وهو شيخ مغادرتَهم بعد 90 سنة من الاحتلال الظالم.