If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
كانت مسألة توسعة المسعى بين الصفا والمروة من الأعمال التي اهتم بها الخلفاء والأمراء المسلمين، وارتبطت ارتباطًا وثيقًا بتوسعة المسجد الحرام. لم يكن بين الصفا والمروة في العصور الإسلامية المتلاحقة بيوت ولا عمائر اللهم سوى الجبال والصخور. لم تبدأ مظاهر الحياة في الظهور بين الجبلين إلا عندما أسكن نبي الله إبراهيم زوجته هاجر وابنه إسماعيل، وجاورتهم قبيلة جرهم فأخذت ملامح الحياة تظهر وتنمو. بعد أن رفع إبراهيم وإسماعيل القواعد من البيت، جرت إصلاحات بسيطة في مواضع سكنى الناس. في العصر الجاهلي أمر قصي بن كلاب قومه أن يبنوا بيوتهم حول الكعبة وبنى هو دار الندوة في الجانب الشمالي. في عهد النبي محمد لم يكن في المسعى دور كثيرة قد بنيت في عرضه، وأن بعض الدور التي بنيت في عرضه إنما بناها الناس فيما بعد. ثم بدأ بعض كبار الصحابة في توسعة المسجد الحرام، وأول من أمر بتجديد وتوسعة المسجد الحرام كان الخليفة عمر بن الخطاب، وفي عهد التابعين ازداد عدد سكان مكة والقادمين إليها، فبدأت توسعة المسجد الحرام في ذلك العهد. في عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان تمت إضاءة ما بين الصفا والمروة بالقناديل ليلًا.
تعرض جبلا الصفا والمروة بمرور الزمن إلى التكسير، بسبب بناء البيوت والدكاكين والحوانيت، أو بسبب شق الطرق، كما انجرفت تربته بسبب السيول على جانبيهما. لم تتطرق المصادر التاريخية لمكة وحرمها لذكر أول من قام بعملية تسوية أرض المسعى الواقعة بين جبلي الصفا والمروة، وتمهيدهما وإزالة الأحجار والعقبات منها، لأن أرض المسعى كانت واديًا فيه ارتفاع وانخفاض واعوجاج، كما تعرض كثيرًا للسيول والأمطار، وكانت توسعة الخليفة العباسي أبو عبد الله محمد المهدي من أعظم وأكبر توسعات الحرم المكي، واستنتج بعض المؤرخين أن تكون هذه التوسعة قد شملت جزءًا من أرض المسعى بعد أن تمت إزالة بعض الدور والدكاكين. ثم توالت من بعده أعمال التوسعة والاهتمام من قبل الخلفاء والملوك.
في عام 1335 هـ هـ قام الشريف حسين بن علي بفرش المسعى بالبلاط (بالحجارة الجبلية) بغرض إصلاحات وترميم أرض المسعى، وكانت أرضها من قبل ترابًا، فإذا كثر الحجيج تصاعد منها الغبار. لم يكتفي الشريف حسين بذلك بل قام بسقف المسعى حيث كان أول من قام بسقفه منذ تاريخ بناء المسجد الحرام، وكان هذا في شهر شوال سنة 1335 هـ، وامتد السقف من المروة إلى باب العباس فقط، ولم يكمل لقصر المسافة المتبقية، قال محمد طاهر الكردي: «أنشأ الشريف حسين بن علي مظلة على المسعى من ناحية المروة حتى باب العباس (باب علي)، وظل الجزء الآخر الممتد من باب علي إلى الصفا بدون مظلة». وحتى قبل التوسعة السعودية للمسعى عام 1375 هـ كان بيت الصفا والمروة مسيل فيه سوق كبيرة تباع فيها الحبوب واللحم والتمر والسمن وغيرها، ولم تكن في مكة سوق منظمة سوى هذا السوق الذي يقع في المسعى. كما كان المسعى به التواء واضح ولم يكن على استقامة واحدة.
في العهد السعودي قام الملك عبد العزيز عام 1345 هـ بفرش المسعى بالحجارة منعًا لإثارة التراب والغبار، وفي عام 1366 هـ قام الملك عبد العزيز بسقف المسعى، حيث بلغ عرض السقيفة التي أمر بإنشائها 20 مترًا وبطول 350 مترًا من الصفا حتى المروة. في عام 1368 هـ قام الملك سعود بالبدء في توسعة شاملة للمسجد الحرام وعمارته في ثلاث مراحل شملت إزالة المنشآت السكنية والتجارية التي كانت قائمة في الجهة المقابلة للمسجد شرق المسعى، ثم بدء في بناء الدور الأرضي من المسعى وإدخاله داخل المسجد الحرام، ومن ثم تم بناء الطابقين في المسعى لاستيعاب أعداد الساعين المتزايدة، حيث بلغ طول المسعى 395 مترًا وبعرض 20 مترًا وبلغ ارتفاع الدور الأرضي للمسعى 11.75 مترًا والدور الثاني 8.5 مترًا مع إقامة حائط طولي ذو اتجاهين، وتخصيص مسار مزدوج يستخدمه العجزة، وإقامة حاجز في وسط المسعى يقسمه إلى قسمين أحدهما مخصص للسعي من الصفا إلى المروة والثاني من المروة إلى الصفا، وبهذه التوسعة دمج المسعى داخل المسجد الحرام، وأنشئ للحرم 16 بابًا في الجهة الشرقية من ناحية المسعى.
في عام 1384 هـ قام الملك فيصل بن عبد العزيز بتشييد قبة الصفا المقببة، وكسوة واجهات الدور الأول من المسعى وأعمدته وأرضيته بالرخام، وتغطية سقفه بالزخارف المصنوعة من الحجر الصناعي الملون، وبعد هذا العمارة أصبحت مساحة المسعى 16.700 مترًا مربعًا للطابقين. في عهد الملك خالد تم تركيب مكيفات ومراوح في المسعى، وتركيب حواجز معدنية على جانبي الحاجز الأوسط بطول ممر المسعى بالدور الأرضي بعرض متر واحد في كل اتجاه لتكون ممرًا لعربات العجزة والمعاقين. في عهد الملك فهد شهد الحرم المكي أكبر توسعة في تاريخه وذلك عام 1415 هـ، ولقي المسعى حظه من التوسعة فتم توسعة منطقة الصفا في الطابق الأول، وذلك بتضييق دائرة فتحة الصفا الواقعة تحت قبة الصفا. وفي عام 1417 هـ تم إعادة تهيئة منطقة المروة لغرض القضاء على الزحام، حتى صارت مساحة المنطقة 375 متر مربع بدلًا من المساحة السابقة 245 متر مربع، وفي نفس العام حصلت توسعة الممر الداخل من جهة المروة إلى المسعى في الطابق الأول، وأنشأت أبواب جديدة في الطابق الأرضي والأول للدخول والخروج من جهة المروة. في عام 1420 هـ جرى فتح ثلاثة أبواب كل باب يحوي فتحتين عند المروة: باب في الجهة الشرقية وباب شمالي صدر المشعر وباب في الجهة الغربية، وجرى فتح ثلاثة أبواب في الدور الأول من المسعى عند المروة على نفس ترتيب الدور الأرضي. وجُعل عند نهاية المسعى من جهة الصفا شرفة مستديرة كبيرة وأخرى صغيرة عند نهايته من جهة المروة، كي يرى الحجاج الساعون في الدور الأول جبلي الصفا والمروة. في الدور الأرضي ترك جزء من جبل الصفا عاريًا على الطبيعة وكذلك جبل المرة، ثم بلطت منحدرات الصفا والمروة بالرخام على شكل مربعات بارزة وبينهما فراغات. ترتفع على جبل الصفا مئذنة من مآذن المسجد الحرام التسعة، وبجوارها قبة كبيرة ترتفع على أربعة أعمدة أسطوانية كبيرة. أما فوق جبل المروة فقد أنشأت قبة صغيرة مزخرفة من الداخل.
تميزت التوسعة السعودية فيما يخص جبل الصفا، بقطعه عن أصله جبل أبي قبيس، وأبقت على بعض الصخرات في نهايته علامة على موضع المشعر، وكذلك فعلت بالنسبة لجبل المروة، ولكن لوجود مستويين للحرم في جهة المروة أُحدث مدخلان: مدخل أعلى للدور الأعلى وهو مساو لارتفاع جبل المروة في اتجاه الصاعد، ومدخل في الأسفل بقي لاتصال المروة بأصله جبل قعيقعان، وقد نال حظه من القطع والتكسير والاختزال من جانبه الشرقي والغربي وفي أعلاه.
في عام 1428 هـ الموافق 2008 في عهد الملك عبد الله بن عبد العزيز بُدأ بهدم بناء المسعى القديم، واستبدل بمبنى جديد، حيث وسع المسعى من ناحية الساحة الشرقية بزيادة قدرها عشرون متر، ليصبح عرض المسعى الكلي أربعون مترًا، وزيادة طابق علوي ثالث للمسعى، ليصبح عدد الطوابق الكلي للمسعى أربعة طوابق، طابقان بالإضافة للبدروم والدور الأرضي. بذلك أصبحت مساحة التوسعة الإجمالية الجديدة تجاوزت 87 ألف متر مربع، بعد أن كانت المساحة الإجمالية تقارب 29 ألف متر مربع، بزيادة تجاوزت 43 ألف متر مربع، فيما تبلغ مسطحات البناء الإجمالية بكافة الأدوار لمناطق السعي والخدمات حوالى 125 ألف متر مربع، وأنشأت مئذنة جديدة بارتفاع 95 مترا ليتناسب عدد المآذن وشكلها مع مساحة التوسعة الجديدة للمسعى. يتكون مشروع التوسعة من أربعة أدوار: بدروم للعربات ودور أرضي ودوران أول وثاني، بطول 350 متر.
أثارت توسعة الملك عبد الله جدل فقهي كبير بين علماء المسلمين في جواز السعي في المسعى الجديد من عدمه، وكان أساس الاختلاف بين العلماء في زيادة عرض المسعى من 20 متر في التوسعة القديمة، إلى مضاعفة المساحة بعرض 40 متر.
يقول من أيد التوسعة من العلماء أن مسألة التوسعة هي مسألة اجتهادية خلافية لا تستند إلى نص، ويكفي لحسم الجدل الدائر حولها اختيار ولي الأمر. واستند العلماء إلى عدة نقاط في الجواز أهمها: أن المعتبر في السعي هو الصفا والمروة، وأن النبي لم يحدد عرض المسعى وأن تحديده غير مقصود شرعًا، وإلا لكان أولى بالتحديد من عرفات ومزدلفة ومنى. أن جبلي الصفا والمروة قد تعرضا عبر الأزمان لتغيرات وهذه التغيرات قد أدت إلى تغير حجم الجبل عما كان في عهد النبي وأن الحكومة السعودية لما همت بالتوسعة استكتبت غير واحد من العلماء ومنهم من عاش في مكة ورآها على طبيعتها لم تتغير معالمها قبل حدوث توسعة الحرم المكي، كما استدعت مجموعة من كبار السن وأدلوا بشهاداتهم أمام القضاء في مكة وسجلت شهاداتهم وهذه الشهادات والنقول كافية في باب الإثبات، كما قامت هيئة المساحة الجيولوجية السعودية باختبار عينات جبل الصفا والمنطقة التي شملتها توسعة المسعى من الجهة الشرقية، فأثبتت في تقريرها أن جبل الصفا لسان من جبل أبي قبيس لديه امتداد سطحي بالناحية الشرقية مسامت للمشعر بما يقارب ثلاثين مترًا، ومن المقرر في قواعد الشريعة أن الزيادة المتصلة تتبع أصلها، وأن الزيادة لها حكم المزيد فيه، وأن ما جاور الشيء أخذ حكمه، وهذه القواعد كلها تنطبق على المسعى الجديد من حيث اتصاله بمكان المسعى القديم. من أهم من أيد توسعة المسعى وأجاز السعي فيه أقلية من أعضاء هيئة كبار العلماء السعودية ودار الإفتاء المصرية والشيخ يوسف القرضاوي وغيرهم.
استدل المعارضون للتوسعة الجديدة إلى فتاوى قديمة تحذر من الزيادة في التوسع في عرض المسعى، ومنها فتوى هيئة كبار العلماء عام 1393 هـ التي نصت: «بخصوص الرغبة في إبداء الحكـم الشرعي في حكم السعي فوق سقف المسعى... وبعد تداول الرأي والمناقشة انتهى المجلس بالأكثرية إلى الإفتاء بجواز السعي فوق سقف المسعى عند الحاجة، بشرط استيعاب ما بين الصفا والمروة وأن لا يخرج عن مسامتة المسعى عرضا». واستند المعارضون على عدة نقاط: أن توسعة المسجد من الجهة الشرقية لا وجه لها ولا دليل عليها، وقد اتفق العلماء على عدم جواز السعي خارج المسعى، وجاء عن الشافعي: «لو التوى الساعي إلى زُقاق العطارين لم يصح سعيه». أما مسألة قياس توسعة المسعى على توسعة المسجد وأن الزيادة في المسجد لها حكم المزيد فكذلك الزيادة في المسعى، فقياس غير صحيح لأن المساجد يجوز توسيعها، والزيادة فيها لها حكم المزيد، وأما المسعى فهو مشعر يُتقيد فيه بما كان بين الصفا والمروة ولا تجوز الزيادة عليه. كان الأجدى التوسع الرأسي وزيادة عدد أدوار المسعى بدلًا من التوسع الأفقي. في مسألة أن جذر جبلي الصفا والمروة ذاهب في الأرض شرقاً وغرباً، وعليه فالسعي بين ما يوازي هذا الامتداد لجذر الصفا والمروة سعي بين الصفا والمروة، وقد أجاب العلماء عن ذلك بأن مناط الحكم هو الجبل الظاهر، وامتداد أصل الجبل ليس له حكم الجبل لا شرعًا ولا عرفًا. من أبرز من أفتى بعدم جواز السعي في الزيادة المحدثة في المسعى عدد من كبار العلماء منهم: صالح اللحيدان وعبد الرحمن البراك وصالح الفوزان وعبد المحسن العباد وغيرهم، بالإضافة لأكثرية أعضاء هيئة كبار العلماء السعودية التي اجتمعت بمدينة الرياض عام 1427 هـ وقرروا فيه بالأكثرية عدم الموافق على زيادة المسعى.