If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
عبد الحميد الثاني (بالتركية العثمانية: عبد حميد ثانی؛ وبالتركية الحديثة: Sultan Abdülhamid II أو II. Abdülhamid). هو خليفة المسلمين الثاني بعد المائة والسلطان الرابع والثلاثون من سلاطين الدولة العثمانية، والسادس والعشرون من سلاطين آل عثمان الذين جمعوا بين الخلافة والسلطنة، وآخر من امتلك سلطة فعلية منهم، تقسم فترة حكمه إلى قسمين: الدور الأول وقد دام مدة سنة ونصف ولم تكن له سلطة فعلية، والدور الثاني وحكم خلاله حكماً فردياً، يسميه معارضوه "دور الاستبداد" وقد دام قرابة ثلاثين سنة. تولى السلطان عبد الحميد الحكم في (10 شعبان 1293 هـ - 31 أغسطس 1876)، وخُلع بانقلابٍ في (6 ربيع الآخر 1327 هـ - 27 أبريل 1909)، فوُضع رهن الإقامة الجبريَّة حتّى وفاته في 10 فبراير 1918م. وخلفه أخوه السلطان محمد الخامس. أطلقت عليه عدة ألقاب منها "السُلطان المظلوم"، بينما أطلق عليه معارضوه لقب "السُلطان الأحمر"، ويضاف إلى اسمه أحياناً لقب الـ "غازي". وهو شقيق كلٍ من: السلطان مراد الخامس والسلطان محمد الخامس والسلطان محمد السادس.
وصل عبد الحميد إلى تخت المُلك خلفاً لأخيه السلطان مراد الخامس الذي مكث في السلطة ثلاثة أشهر فقط وأنزله وزراؤه بعد أن أصيب بالجنون. شهدت خلافته عدداً من الأحداث الهامة، مثل مد خط حديد الحجاز الذي ربط دمشق بالمدينة المنورة، وسكة حديد بغداد وسكة حديد الروملي، كما فقدت الدولة أجزاءً من أراضيها خلال حكمه، وكذلك مصر وتونس والبوسنة والهرسك، وانفصلت بلغاريا في 1908م.
ولد عبد الحميد الثاني يوم الأربعاء في شعبان 1258 هـ/21 سبتمبر 1842 في "قصر جراغان" في إسطنبول ابناً للسلطان عبد المجيد الأول والسلطانة "تيرمُجگان" الشركسية الأصل التي ماتت وهو في العاشرة من عمره، فاحتضنته (كبيرة المحظيات) "برستو هانم" وتعهدت بتربيته، فصارت أمه معنوياً وتقلدت مقام السلطانة الأم لمدة ثمان وعشرين سنة عند حكمه. درس الموسيقى في شبابه ودرس الخط وتعلم اللغتين العربية والفارسية بالإضافة إلى الفرنسية والأدب العثماني والعلوم الإسلامية وتعمق في التصوف ، ونظم بعض الأشعار باللغة التركية العثمانية ودرس على يد علماء عصره بدءًا من عام 1266 هـ/1850 م، وأتم دراسة صحيح البخاري في علم الحديث، وتعلم السياسة والاقتصاد على يد وزير المعارف. وذهب عبد الحميد في فترة تولي السلطان عبد العزيز الأول العرش مع وفد عثماني في زيارة إلى مصر ثم إلى أوروبا استغرقت رحلة أوروبا من 21 يونيو إلى 7 أغسطس عام 1867 زار فيها فرنسا وإنكلترا وبلجيكا والإمبراطورية النمساوية المجرية وألمانيا.
امتهن عبد الحميد النجارة وقد بدأ شغفه بها على أيام والده السلطان عبد المجيد الأول الذي كان أيضاً محبا لها أيضاً وكان إلى جانب والده رجل اسمه خليل أفندي تعلم على يده. ومحباً للرياضة والفروسية. عرف السلطان بتدينه وتقول ابنته عائشة بخصوص هذا الموضوع « كان والدي يؤدي الصلوات الخمس في أوقاتها، ويقرأ القرآن الكريم، وفي شبابه سلك مسلك الشاذلية، وكان كثير الارتياد للجوامع لا سيما في شهر رمضان.» انتسب إلى جمعية العثمانيين الجدد في بداية تأسيسها لكنه تركها بعد أن أكتشف نواياهم المضرة بالدولة. وبعد مذابح الأرمن في عهده أطلق عليه معادوه لقب "السلطان الأحمر" و"قاتل الأرمن".
تولى عبد الحميد الحكم في 11 شعبان 1293 هـ/31 أغسطس 1876م خلفاً لأخيه السلطان مراد الخامس،. وتوجه في الموكب الملكي إلى ضريح أبو أيوب الأنصاري، وهناك تقلد السيف السلطاني وفق العادة المتوارثة مذ أن فتح العثمانيون القسطنطينية، ومنه سار لزيارة قبر والده السلطان عبد المجيد الأول، ثم ضريح محمد الثاني فاتح إسطنبول، ثم قبر جده محمود الثاني مبيد الانكشارية، ثم قبر عمه عبد العزيز الأول.
بويع عبد الحميد الثاني بالخلافة وعرش السلطنة، عندما كانت البلاد تمر في أزمات حادة ومصاعب مالية كبيرة، وتشهد ثورات عاتية في البلقان تقوم بها عناصر قومية تتوثبّ لتحقيق انفصالها، وتتعرض لمؤامرات سياسية بهدف اقتسام تركة "الرجل المريض". ومنذ اليوم الأول لارتقائه العرش، واجه السلطان عبد الحميد موقفًا دقيقًا وعصيبًا، فقد كانت الأزمات تهدد كيان الدولة، وازدادت سرعة انتشار الأفكار الانفصالية، وأصبح للوطنية معنى جديد أخذت فكرته تنمو وتترعرع في الولايات العثمانية، ووجد السلطان نفسه مشبع بالثورة والاضطراب.
تنص المصادر العثمانية والإسلامية أو المؤيدة للعثمانيين على أن الأرمن تجرأوا بعد معاهدة برلين حيث تضمنت المادة 61 من المعاهدة إصلاح أوضاع الأرمن في الولايات الست الموجودين فيها وهي: أرضروم وديار بكر وسيواس وخربوط ووان وبدليس ولم يطيق العثمانيون هذه المادة، فأمنت الدول الأوروبية وروسيا الأسلحة لهؤلاء الأرمن فبدأوا بالذبح والتقتيل في شرق الأناضول منادين باستقلالهم وتشكيل "أرمينيا" مستقلة، فقاموا بمهاجمة القرى المسلمة التي يتحدث سكانها اللغة الكردية فبدأوا بالإرهاب فيها، وقام العثمانيون بالرد على هذه الثورة والمجازر التي فعلوها بتشكيل الخيالة الحميدية المشكلة من الأكراد أنفسهم إلى مناطق الثورة حيث دمّروا العديد من القرى الأرمنية وقتلوا كثيرًا من الثوّار ومن ساندهم، فيما أصبحت هذه الحادثة تُعرف باسم "المجازر الحميدية". وبعد هذا الحادث الأخير قام الأرمن بعصيان في ديار بكر قتل فيه منهم 1190. وقام لاحقاً أمام الكل في عاصمة الدولة إسطنبول بطريق الأرمن أزميرليان بتسليح بضع مئات من الأرمن وكان قصدهم الذهاب إلى الباب العالي والقيام بمظاهرات معادية للحكومة ولكن قُطع طريقهم، فأنسحبوا إلى منطقة يكثر فيها الأرمن في إسطنبول وهي "قادرغة". وأما شغبهم الثاني في العاصمة في تاريخ 26 أغسطس 1896 م فقد كانوا قد عزموا على تفجير المصرف العثماني ولكن اكتشفوا من قبل الأمن السري، واعترفوا بعزمهم على التفجير المصرف وكذلك الباب العالي، وعُزل أزميرليان ونفي إلى مدينة القدس.
بالمقابل تنص المصادر المؤيدة للأرمن والمصادر الأرمنية على أن الأرمن بدأوا بالمطالبة بتفعيل الإصلاحات السياسية في الدولة العثمانية والتي نص عليها مؤتمر برلين، وقاموا بمظاهرات داعية إلى مزيد من الحرية والإصلاح، غير أنها جوبهت بعنف من قبل السلطان عبد الحميد، وحدثت سلسلة من المجازر وإبادة شبه جماعية بحق الأرمن القاطنين شرق الأناضول بين عامي (1894م - 1896م). وكانت قد ابتدأت باندلاع صراع وقع في صيف عام 1894م في مدينة ساسون فيما سمي بمقاومة ساسون 1894، وواجه الأرمنيون في ساسون الجيش العثماني وأدى انضمام القوات غير النظامية الكردية "الخيالة الحميدية" إلى جانب الجيش لاستسلام أعداد كبيرة من المقاومة الأرمنية. كما قام السلطان بتحريض سكان بعض المدن من الأكراد والأتراك بالقيام بعمليات إبادة شملت قرى بأكملها في جنوب وغرب الأناضول. وأسفر الحادث السابق عن احتجاجات أرمنية قوية ضد سياسات السلطان الوحشية، وتدخلت الدول الأوروبية لإقناع الحكومة العثمانية إلى تبني إصلاحات للمحافظات التي يسكنها الأرمن. في بداية شهر أكتوبر 1895م تجمع ألفين من الأرمن متظاهرين في العاصمة إسطنبول لتنفيذ إصلاحات بخصوصهم، ولكن الشرطة العثمانية قمعتهم بعنف. وبعد فترة قصيرة، اندلعت مذابح الأرمن في العاصمة وتلتها بقية الولايات العثمانية التي يسكنها الأرمن ولاية بدليس وولاية ديار بكر وولاية أرضروم، وولاية معمورة العزيز وولاية سيواس وولاية طرابزون وولاية فان، وقتل الآلاف على أيدي جيرانهم المسلمين والجنود العثمانيين، ولقي الكثير مصرعهم خلال فصل الشتاء البارد من (1895م - 1896). ولم يكن ضحايا "المجازر الحميدية" الأرمن فقط بل شملت الآشوريون/السريان/الكلدان. وقد راح ضحية هذه المجازر حسب المصادر الغربية والأرمنية 80,000 - 300,000 من الأرمن و25،000 من الآشوريون/السريان/الكلدان.
نشط اليهود منذ ثمانينات القرن التاسع عشر إلى تهجير اليهود المتشتتين في أنحاء العالم وطالبوا بإنشاء دولة لهم في فلسطين. وكانت أول محاولاتهم في عام 1293 هـ/1876م إذ عرض "حاييم گوديلا" على السلطان شراء مساحات من الأراضي في فلسطين لإسكان المهاجرين اليهود فيها إلا أنه رفض عرضه. واستعان اليهود الروس بالسفير الأمريكي في إسطنبول أيضاً ولم ينجح بذلك. ولم تنقطع الهجرات الفردية، وكانت هناك هجرات جماعية بين (1285 هـ - 1298 هـ/1868م - 1881م) و(1299 هـ - 1314 هـ/1882م - 1896م) وكانت هذه الأكثر فعالية. وعلى أثر اغتيال القيصر الروسي ألكسندر الثاني وأتهام منظمة "أحباء صهيون" في 1298 هـ/1881م تعرض اليهود إلى لحملة مذابح واضطهادات، فطلبوا من القنصل العثماني في أوديا منحهم تصريحات لدخول فلسطين إلا أن الحكومة رفضت هذا، ورحبت بهم في أي إقليم من أقاليم الدولة. ونتيجة لازدياد شعور السلطان بالتحرك اليهودي، أبلغ المبعوث اليهودي "أوليڤانت" أن باستطاعة اليهود العيش بسلام في أية بقعة من أراضي الدولة العثمانية إلا فلسطين، وأن الدولة تُرحب بالمضطهدين، ولكنها لا تُرحب بإقامة دولة دينية يهودية فيها. وقد حاول بعض اليهود تحدي قرار الباب العالي بالنزول في يافا، لكن السلطات العثمانية منعت دخولهم إلى مدينة القدس. لكن هجرتهم استمرت بشكل بطيء وبشكل غير رسمي عن طريق التحايل على القانون، ورشوة الموظفين، وبمساعدة قناصل الدول الأجنبية، وأرسلت الحكومة إلى متصرف القدس "رؤوف باشا" أن يمنع دخول اليهود من الجنسيات الروسية والرومانية والبلغارية من دخول القدس، والروس بشكل خاص. تدخلت الدول الأوروبية بعد إلحاح اليهود عليها، فأصدرت الحكومة العثمانية تعليمات جديدة سمحت لليهود بسكن القدس لمدة شهر واحد فقط. في 1305 هـ/1888م وبعد مرور ثلاثة أعوام، تدخلت بريطانيا وبذلت جهودها للتخفيف من شرط الإقامة الزمني، فرضخ السُلطان لتلك الضغوط وخفف المدة إلى ثلاثة أشهر. واتخذ الباب العالي قراراً بتحويل سنجق القدس التابع لوالي دمشق إلى متصرفية حيث أن المتصرفيات تتبع الباب العالي مباشرة وذلك لتشديد المراقبة. وأرسل أعيان مدينة القدس إلى السلطان شكوى يطلبون فيها إجراء فعال يمنع دخول اليهود ويمنعهم من شراء الأراضي، فأصدر فرماناً في (10 جمادى الآخرة 1310 هـ/30 ديسمبر 1892م) يحرم فيه بيع الأراضي الحكومية لليهود حتى لو كانوا عثمانيين من رعايا الدولة.
في أواخر القرن التاسع عشر برز "تيودور هرتزل" وهو صحفي يهودي نمساوي استطاع قيادة الحركة الصهيونية وسعى إلى إيجاد وطن قومي لليهود، وحاول هرتزل بكل الطرق لمحاولة إقناع السُلطان عبد الحميد، فاستغل "القضية الأرمنية" وعرض عليه بذل الجهود من أجل تسوية المشكلة ولقيت فكرته ترحيباً من السلطان، وعهد إليه وإلى صديقه الصحفي النمساوي "نيولنسكي" بمطالبة لجان الأرمن في أوروبا بالطاعة لأن السلطان سيحقق مطالبهم التي رفض تحقيقها تحت الضغوطات، وبذلا جهودهما في أقناع الأرمن والطلب من بريطانيا لوقف تحركاتهم، إلا أنهم فشلوا فيما يسعون إليه. عندها قرر تيودور هرتزل بالسفر إلى إسطنبول ولقاء السلطان، إلا أنه لم يتمكن من ذلك وتركها بعد عشرة أيام في 1314 هـ/1896م، وبعد حوالي الشهرين اتصل بالأوساط العثمانية محاولاً إعطاء الدولة مساعدات مالية وغيرها وقوبل بالرفض.
عقد اليهود مؤتمرهم الصهيوني الأول في مدينة بال السويسرية برئاسة تيودور هرتزل مابين (29-30 ربيع الآخرى و1 جمادى الأولى 1315 هـ/29-31 أغسطس 1897م)، واتخذوا عدة قرارات أطلق عليها "برنامج بال" أو "البرنامج الصهيوني"، وكان أهم قرار اتفقوا عليه تأسيس وطن قومي في فلسطين، وبعد أن كانوا يطمحون أن يكونوا فيها تحت سيادة الدولة العثمانية أصبحوا بعد هذا المؤتمر يطمعون بالسيطرة على فلسطين. راقب السُلطان عبد الحميد المؤتمر ومقرراته عن قرب، واتخذ قراراً جديداً هو منع اليهود من السكن في فلسطين ومنع اليهود الأجانب من دخول مدينة القدس. ولم تتوقف المؤتمرات الصهيونية عن الانعقاد وكانت في كل مرة تزيد عدداً وقوة، ولم تتوقف جهود "تيودور هرتزل" للاجتماع بالسُلطان عبد الحميد الثاني وسافر للعاصمة إسطنبول في (24 محرم 1319 هـ/13 مايو 1901م) وقابل السلطان بعد أربعة أيام ثم قابله مرتين أخريين وعرض عليه إصدار فرمان يجيز لليهود الأجانب الهجرة إلى فلسطين ومنحهم حكماً ذاتياً، مقابل دفعهم ثلاثة ملايين جنيه وفي بعض المصادر مليوني جنيه، وبعدها بدفع الجزية، لكن السلطان كان على موقفه رافضاً إلا أنه وافق على هجرتهم إلى آسيا الصغرى والعراق لقاء دفع الديون المترتبة على الدولة ولم يكن هرتزل راضياً عن هذا، عندها حاول عرض رشوة كبيرة على عبد الحميد تقدر بمليون جنيه مقابل حصولهم على فلسطين. عندها قال السلطان كلمته الشهيرة للصدر الأعظم «انصحوا الدكتور هرتزل بألا يتخذ خطوات جدية في هذا الموضوع، فإني لا أستطيع أن أتخلى عن شبر واحد من الأرض، فهي ليست ملك يميني، بل ملك الأمة الإسلامية التي جاهدت في سبيلها وروتها بدمائها، فليحتفظ اليهود بملايينهم، وإذا مزقت دولة الخلافة يوماً فإنهم يستطيعون آنذاك أن يأخذوا فلسطين بلا ثمن، أما وأنا حيّ، فإن عمل المبضع في بدني لأهون علي من أن أرى فلسطين قد بترت من الدولة الإسلامية، وهذا أمر لا يكون. إني لا أستطيع الموافقة على تشريح أجسادنا ونحن على قيد الحياة.» على الرغم من جهود السلطان في حد دون هجرة اليهود فقد استمرت الحركة الصهيونية بإنشاء أجهزة تشرف على شراء الأراضي وتنظيم عملية الاستيطان وطلب هرتزل من السلطان في (محرم 1320 هـ/مايو 1902م) الأذن لإنشاء جامعة عبرية في مدينة القدس للشبان الأتراك، إلا أن السلطان رده بعكس ما يريد. وفي (1321 هـ/1903م) حاول اليهود عقد أول مؤتمر صهيوني في فلسطين، فحظر السُلطان نشاطهم السياسي الدولي. وفي (1322 هـ/1904م) توفي تيودور هرتزل ولم يتخلف أتباعه من تحقيق ما يريدون، في (1336 هـ/1917م) وافقت بريطانيا بعد وعد بلفور على تأسيس وطن قومي يهودي.
اعتلى عبد الحميد عرش السلطنة والعالم العربي يشهد قيام فكرتين كانتا ردة فعل ضد الاستعمار والسيطرة الأجنبية، إحداهما فكرة "الجامعة الإسلامية"، والثانية "القومية العربية" والوحدة العربية وكانت قد انتشرت في البلدان العربية وخاصة بين نصارى الشام. وعندما أصبح العالم الإسلامي هدفاً للدول الاستعمارية، استيقظت فكرة إحياء الوحدة الإسلامية لتوحيد الجهود ضد هذه الدول. فتزعم السلطان عبد الحميد إبان حكمه هذه السياسة نظراً للظروف الداخلية والخارجية، لأنه وجدها علاج دولته، ولم ير أن الوحدة الداخلية وحدها كافية بل أن يمتد تأثيرها نحو كل مسلمي العالم. بدأ السلطان بتطبيق هذه السياسة، وأخذ ينفذها، وأخذ من نامق كمال في البيئة العثمانية، وجمال الدين الأفغاني في البيئة الإسلامية والعربية، لتنفيذ سياسته في الداخل وفي الخارج، ففي الداخل كان تنفيذ مبادئ الحركة يعني الالتزام بحدود الشريعة الإسلامية، وفي الخارج يعني التفاف المسلمين حول الخلافة. بعد أن بدأ بتطبيق "حركة الجامعة الإسلامية" استطاع أن يحتفظ بولاء الأقوام غير التركية في الدولة، وكسب جميع المسلمين إلى جانبه. وللمحافظة على ما تبقى من الأقاليم العربية بعد ضياع تونس ومصر أخذ يقرب عدداً من الشخصيات العربية كعزت باشا العابد وأبو الهدى الصيادي وغيرهم، وكون فرقة عسكرية أدخلها في حرسه الخاص، واهتم بالمقدسات الإسلامية الثلاث التي جميعها بحوزة العرب وخصص لها الأموال، وعمد إلى مصاهرتهم فزوج أميرتين من آل عثمان بشابين عربيين. وعمد إلى دعوة الزعماء والمفكرين من غير العرب ليظهر اهتمامه برعاية العلم والعلماء فقام بدعوة جمال الدين الأفغاني إلى إسطنبول، مما يذكر أن السلطان استعان بجملة من العلماء على رأسهم جمال الدين الأفغاني محاولاً التقريب بين المذاهب الإسلامية والتقرب من إيران. من الوسائل التي لجأ إليها السلطان لدعم الحركة إحياء مركز الخلافة الإسلامية لاستمالة المسلمين حول العالم من غير رعاية الدولة حوله وحرص على إقران الأسماء الدينية مثل "أمير المؤمنين" و"خادم الحرمين الشريفين". وعمد على إضافة مظاهر الزهد وممارسة الشعائر الدينية علانية وأحاط نفسه بعلماء الدين، وغيرها. وأدخل اللغة العربية على برامج الدروس في المعاهد وحاول جعلها مساوية للّغة التركية اللغة الرسمية للدولة. وكان أهم منجزاته لدعم حركة الجامعة الإسلامية مشروع خط حديد الحجاز. كانت هذه الحركة نجاحاً تأرجح بين القوة والضعف، وانتشر صداها في العالم الإسلامي والعالم العربي، وبرزت دعوات رافضة لحركة الجامعة الإسلامية كفكرة دينية في العالم العربي وتركيا وأوروبا، ففي العالم العربي برزت القومية العربية خاصة بين النصارى، ودور عبد الرحمن الكواكبي الذي هو أحد رواد الحركة الإسلامية إلا أنه رسخها بصورة مغايرة عن حركة السلطان عبد الحميد وقد أراد أن تكون الخلافة عربية وفي قريش ومركزها مكة المكرمة وإبعادها عن آل عثمان، وفي تركيا الحركة الطورانية، وأما أوروبا فقد عملت على تشويه صورة السلطان أمام رعاياها المسلمين بوصفه حاكماً استبدادياً يتسم بالظلم.
ويرى بعض الباحثين "إن الخلاف الأخير بين السلطان عبد الحميد وجمال الدين الأفغاني ، خلاف في وجهات النظر والرؤى إزاء القضايا لا خلاف شخصي ، والواضح للمؤرخ البصير ان جمال الدين كان يتمتع بمكانة كبرى لدى السلطان عبد الحميد والذي كان يعده من كبار مفكري الأمة ورجالها ، وحزن حزنا شديدا لوفاته ،أما أصحاب نظرية المؤامرة فلا داعي للألتفات لكتاباتهم والتي باتت معول هدم لتاريخ الأمة بلا دليل ولا تحقيق منجرين خلف أهل التغريب".
يجمع الكثير من المؤرخين أن هذه الواقعة "واقعة 31 مارت" مدبرة بالكامل وأن أهدافها محددة من قبل الاتحاديين وبمساعدة من بريطانيا بالرغم من أن المطالب لا تجعل أحداً يشك أنها كانت منهم وبهدف إثارة القلاقل والفوضى. فرتبوا شعارات دينية أثناء الحوادث التي افتعلوها مثل: "الشريعة تنتهك" أو "ضُيعت الشريعة"، وألصقوا هذا كله بالمسلمين واتهموهم "بالرجعية". كانت الأسباب التي دفعت الاتحاديين إلى تدبير هذه الحوادث هي إقدامهم على فعل خطوات حساسة مثل قتل "إسماعيل ماهر باشا" والصحفيين المعارضين لهم "أحمد صميم بك" وحسن فهمي بك، وفي نفس الوقت ارتفعت معدلات الجريمة وتزايدها يوماً بعد يوم، وأيضاً قلق الشعب بسبب زيادة الجرائم، وظهور من يرغب بإعادة زمام الأمور إلى السُلطان عبد الحميد مرة أخرى، ودخول الجيش في السياسة، وتسريح العديد من الضباط والجنود المخالفين أثار قلقاً واسعاً.
وتحت هذه الأجواء انطلق الجنود القادمين إلى إسطنبول من الجيش الثالث وهتفوا "نطالب بالشريعة" وأعلنوا التمرد وهذا كله بغياب الضباط وبرئاسة عرفاء، وطالبوا أمام جامعي آيا صوفيا والسلطان أحمد بعزل الصدر الأعظم حسين حلمي باشا ورئيس مجلس المبعوثان "أحمد رضا بك" ونفي الاتحاديين وانضم لهم حشود من أصناف الشعب وخاصةً الحمالين. يظهر أن هدف هذه المؤامرة هو كبح جماح جمعية الاتحاد والترقي ونصرة السُلطان عبد الحميد والشريعة كما يهتفون. قاموا بقتل وزير العدل "ناظم باشا" ظانين أنه "أحمد رضا بك" وقتلو "الأمير شكيب أرسلان" أحد المبعوثين ظانين أنه الصحفي "حسين جاهد". قام السلطان عبد الحميد باستدعاء قائد الفرقة الثانية وأمره بإخماد التمرد لكنه رفض قائلاً أنه ينتظر الأمر من قائد الجيش. أنضم في الفترة إلى حركة التمرد معارضي جمعية الاتحاد والترقي وبعض علماء الدين. وساقت جمعية الاتحاد والترقي جيشاً سمي "بجيش الحركة" من مدينة سالونيك إلى العاصمة إسطنبول وكان يقال أن هدفه الأساسي "نجدة السلطان" تحت قيادة "محمود شوكت باشا"، وطلب قائد الجيش الأول "ناظم باشا" من السُلطان التدخل لردعه، لكنه رفض قائلاً بأنهم مسلمون مثلكم، دخل "جيش الحركة" إلى إسطنبول في 6 رجب/25 أبريل وسيطر عليها وأعلن الطوارئ وأعدم الآلاف ونهب قصر يلدز مقر السلطان. وفي اليوم التالي 7 ربيع الآخر 1327 هـ/27 أبريل 1909م دعا "محمود شوكت باشا" مجلسي النواب والأعيان لمجلس مشترك سُمي "بالمجلس الوطني المشترك" واستصدروا فتوى بخلعه بالضغط على شيخ الإسلام، وقيل أنه رفض وحصلوا على توقيع أحد العلماء الآخرين، وقيل أنهم عرضوا على "أمين الفتوى" الحاج نوري أفندي إلا أنه رفض. واتهم السلطان عبد الحميد الثاني بعدة تهم، تدبير "واقعة 31 مارت"، وبالإسراف، وبالظلم وسفك الدماء، وتحريق المصاحف والكتب الدينية، انكر جل المؤرخون هذه التهم التي وجهت للسلطان. استدعى المجلس الصدر الأعظم "توفيق باشا" ليبلغ السلطان بقرار الخلع إلا أنه رفض، فكلفوا وفداً من أربعة أشخاص هم: "عارف حكمت باشا" و"آرام الأرمني" و"أسعد طوطاني" و"قره صو عمانوئيل اليهودي"، وقرأ الوفد الفتوى على الخليفة. ونصب محمد الخامس أخ عبد الحميد الأصغر محله. ونفي إلى مدينة سالونيك مع مرافقيه وعائلته عبر القطار، ولم يُسمح لأحد منهم باخذ حاجياته وصودرت كل أراضيه وأمواله، وبقى في قصر "ألاتيني" تحت الحراسة المشددة.
تعرف السلطان عبد الحميد الثاني على الشيخ الشاذلي محمود بن محيي الدين بن مصطفى أبو الشامات، عند زيارته لإسطنبول عن طريق مدير القصر السلطان "راغب رضا بك" الذي كان من تلاميذ الشيخ، ومن بعد تعرفه عليه اتبع عبد الحميد الطريقة الشاذلية. وفي ديسمبر 1972م نشر المحرر سعيد الأفغاني في مجلة العربي في العدد رقم 169 رسالة مترجمة من اللغة العثمانية إلى اللغة العربية ذكر أنها كانت بحوزة أحفاد محمود أبو الشامات، وقد أرسلها السلطان إليه عندما كان منفياً في مدينة سالونيك عن طريق أحد الجنود الذي كان من تلاميذ أبو الشامات، الرسالة:
بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين،
الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد رسول رب العالمين وعلى آله وصحبه أجمعين والتابعين إلى يوم الدين.
أرفع عريضتي إلى شيخ الطريقة العلية الشاذلية، إلى مفيض الروح والحياة، إلى شيخ أهل عصره الشيخ محمود أفندي أبي الشامات، وأقبل يديه المباركتين راجياً دعواته الصالحة.
بعد تقديم احترامي أعرض أنني تلقيت كتابكم المؤرخ في 22 مايس في السنة الحالية، وحمدت المولى وشكرته أنكم بصحة وسلامة دائمتين.
سيدي
انني بتوفيق الله تعالى مداوم على قراءة الأوراد الشاذلية ليلاً ونهاراً. وأعرض أنني ما زلت محتاجاً لدعواتكم القلبية بصورة دائمة.
بعد هذه المقدمة أعرض لرشادتكم وإلى أمثالكم أصحاب السماحة والعقول السليمة المسألة المهمة الآتية كأمانة في ذمة التاريخ:
انني لم أتخل عن الخلافة الإسلامية لسبب ما، سوى أنني ـ بسبب المضايقة من رؤساء جمعية الاتحاد المعروفة باسم (جون تورك) وتهديدهم ـ اضطررت وأجبرت على ترك الخلافة.
إن هؤلاء الاتحاديين قد أصروا وأصروا علي بأن أصادق على تأسيس وطن قومي لليهود في الأرض المقدسة (فلسطين)، ورغم إصرارهم فلم أقبل بصورة قطعية هذا التكليف، وأخيرا وعدوا بتقديم (150) مائة وخمسين مليون ليرة إنكليزية ذهبا، فرفضت بصورة قطعية أيضا وأجبتهم بهذا الجواب القطعي الآتي:
«إنكم لو دفعتم ملء الدنيا ذهباً ـ فضلاً عن (150) مائة وخمسين ليرة إنكليزية ذهبا فلن أقبل بتكليفكم هذا بوجه قطعي. لقد خدمت الملّة الإسلامية والأمة المحمدية ما يزيد عن ثلاثين سنة فلم أسود صحائف المسلمين آبائي وأجدادي من السلاطين والخلفاء العثمانيين. لهذا لن أقبل بتكليفكم بوجه قطعي أيضاً.»
وبعد جوابي القطعي اتفقوا على خلعي، وأبلغوني أنهم سيبعدونني إلى سالونيك فقبلت بهذا التكليف الأخير.
هذا وحمدت المولى وأحمده أنني لم أقبل بأن ألطخ الدولة العثمانية والعالم الإسلامي بهذا العار الأبدي الناشئ عن تكليفهم بإقامة دولة يهودية في الأراضي المقدسة: فلسطين.. وقد كان بعد ذلك ما كان. ولذا فاني أكرر الحمد والثناء على الله المتعال. وأعتقد أن ما عرضته كاف في هذا الموضوع الهام، وبه أختم رسالتي هذه.
ألثم على يديكم المباركتين وأرجو واسترحم أن تتفضلوا بقبول إحترامي وسلامي إلى جميع الإخوان والأصدقاء.
يا أستاذي المعظم، لقد أطلت عليكم التحية، ولكن دفعني لهذه الإطالة أن أحيط سماحتكم علماً، وتحيط جماعتكم بذلك علماً أيضاً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
في 22 أيلول 1329.
خادم المسلمين
عبد الحميد عبد المجيد"
نفي عبد الحميد إلى مدينة سالونيك وبقي هناك تحت الحراسة المشددة وفي أحوال سيئة، كان لعبد الحميد أموال مودعة في البنوك الألمانية، ضغط الاتحاديون على السلطان فترة طويلة حتى تنازل لهم عنها، إلا أنه شرط عدة شروط عليهم لأخذها وهي عودة ابنه عبد الرحيم أفندي إلى إسطنبول ليتحصل على العلم، وعودة بناته ليتزوجن، ومنح بعض العمال معه الحرية، وتخصيص قدر كافي من النقود له وشراء قصر ألاتيني وغيرها من الشروط، وبقي هناك في سالونيك من 1908م وحتى اندلاع حرب البلقان الأولى عام 1912م لأن مدينة سالونيك أصبحت معرضة للخطر وبهذا قُرر نقله إلى العاصمة إسطنبول وقد خصصت له السفارة الألمانية باخرتها، ووصل إليها في 1 نوفمبر 1912م واستقر في قصر بكلربكي. تدهورت صحة عبد الحميد وأصبح يشكو من الإرهاق ومن مشاكل في الجهاز الهضمي.
وفي 9 فبراير 1918م شعر بألم في جسمه بعد أن نهض من مائدة الطعام، وكان طبيبه الخاص قد حصل على أذن، فقام أحد من كانوا معه وهو "راسم بك" باستدعاء طبيب أخيه الأصغر محمد وحيد الدين الذي أصبح سلطاناً لاحقاً، وعندما فحصه أبلغهم بأن مرضه بوادر سل خطير، فابلغ راسم بك السلطان محمد الخامس، وفحصه الدكتور "عاطف بك" وتوصل لنفس الأمر، واستدعوا طبيبًا مشهور وهو "نشأت عمر بك" ليفحصه وعند الصباح التالي أصر على الاستحمام على غير رغبة الطبيب وعند خروجه منه بدأ يتصبب عرقًا، وأرسل أخوه السلطان محمد رشاد الأطباء ودخلوا عليه وقالوا أنه من الممكن أن هذا نتيجة الإفراط في الطعام في الليلة السابقة. واستدعي ابنه محمد سليم أفندي وأحمد أفندي وقبل دخولهم عليه توفي وكان ذلك في 10 فبراير 1918م يوم الأحد ودفن في مدينة إسطنبول.
وقام برثائه الشاعر العراقي جميل صدقي الزهاوي، بقصيدة عن العهد الحميدي قال فيها:
وكذلك رثاهُ الشاعر أحمد شوقي قائلًا عنه في بعض قصيدته التي رثا بها الخلافة الإسلامية:
بلغت الدولة العثمانية الذروة في عهد أفولها خلال عهد السلطان عبد الحمي