العربية  

Book Fundamentals Of Education Critical Discoveries

Copyright reserved

The book cannot be previewed or downloaded in order to preserve the copyright of the author and publishing house
Not available digitally or on paper through the Noor Library, it is for rating and review

Copyright reserved
Fundamentals Of Education: Critical Discoveries
Qr Code Fundamentals Of Education: Critical Discoveries

Fundamentals Of Education: Critical Discoveries

Author:
Category: Educational Sciences [Edit]
Language: Arabic
Rank: 472,265 No 1 most popular
Short link: Copy
More books like this book
Reviews ( 0 )
Quotes ( 0 )
Download is not available

بروفسور - أستاذ علم الاجتماع التربوي - بجامعة الكويت

The Publisher and the author Book Fundamentals Of Education: Critical Discoveries .
أ.د. علي أسعد وطفة سوري الجنسية أستاذ علم الاجتماع التربوي في جامعة الكويت- رئيس تحرير مجلة نقد وتنوير . له عدد من الإصدارات العلمية والبحثية .

Book Description

أصول التربية : إضاءات نقدية
إصدار : لجنة التأليف والنشر بجامعة الكويت 2011
تأليف : علي أسعد وطفة
مراجعة نقدية: الدكتور عبد الله بدران

لا يخفى على أحد أن التربية العربية تعيش أزمتها الفكرية كجزء من أزمة حضارية عامة تقض مضاجع المجتمعات العربية المعاصرة برمتها. ولا غرو في القول إن الأزمة التي تعيشها التربية العربية تتميز بالعمق والشمول لتأخذ صورة جمود في المضامين وركود في المناهج وانغلاق في الرؤى وتصلب في التصورات. وإذا كانت التربية العربية تعاني حقا من الانغلاق والتزمت والانقطاع والجمود،فإن هذا الجمود والانقطاع يتجلى في أكثر حالاته مأساوية وبؤسا في الفكر التربوي الذي يختنق في شرانق الجمود ويتقصّف تحت مطارق العدمية والتصلب.
ولنقل، وفي بعض القول حكمة، إن تقدم المجتمعات العربية مرهون بتقدم أنظمتها التربوية، وإن تقدم الأنظمة التربوية لا يكون إلا بومضة روح نقدية تستطيع اختراق الحجب وكسر الجمود للخروج بالتربية ومن ثم بالمجتمع، من عالم الضياع والاختناق إلى فضاءات تنويرية حضارية جديدة. ولا نبالغ إذا قلنا بأن التربية العربية تحتاج اليوم فكرا مستنيرا وممارسة فكرية نقدية أكثر من أي وقت مضى للخروج من الدهاليز المظلمة إلى عالم الضياء والعطاء والمشاركة في نهضة الأمة وبناء حضارتها المأمولة.
فالتربية العربية تختنق بعناصر جمودها وعطالتها وانكسارها تحت مطارق أوضاع التخلف المدمرة الكبرى التي تعاني منها جميع الأوطان في ممالك العروبة والإسلام. ولم يخف على المفكرين العرب المعاصرين عمق هذا الانكسار الحضاري فبدؤوا بالعمل على اختراق جدار الصمت والسكون، انطلاقا إلى آفاق أرحب من فضاءات النقد والرفض والتمرد على أوجاع الفكر وهزائم العقل وعدمية الاستكانة إلى ظلام التقاليد الفكرية المتكسرة تحت حوافر التخلف المزمن الذي فرضته عصور الظلام.
وفي دائرة هذا الأفق التنويري الجديد برزت نخبة من من المفكرين التربويين العرب نذروا أنفسهم للعمل على تطوير التربية والنهوض بالفكر التربوي العربي وتجديده، إيمانا منهم بأن تجدد هذا الفكر يؤسس لحركة عربية نهضوية تكسر أوضاع الجمود والتقوقع والتصلب في الفكر والممارسة التربوية سعيا إلى فضاءات تربوية إنسانية جديدة. وإلى هذه الفئة من المفكرين ينتمي مؤلف هذا الكتاب الدكتور علي أسعد وطفة الذي خرج من عمق هذا الصمت التربوي عبر كتابه الجديد الموسوم (أصول التربية: إضاءات نقدية معاصرة) ليؤكد انتسابه إلى مرحلة جديدة من التفكير النقدي الذي ينطلق من التربية وإليها، سعيا إلى النهوض بالفكر التربوي العربي المعاصر إلى آفاق نقدية جديدة متجددة. ومن يتأمل في مضامين هذا الكتاب سيجد أنه يومض برؤية نقدية لأوضاع الفكر التربوي العربي في كليته وشموله، كما سيجد فيه رؤية متمردة ضد التقاليد التربوية الظلامية الثاوية في أعماق هذا الفكر تعطيلا لمقومات انطلاقه إلى فضاء جديد ينفتح على شمس الحرية ويستضيء بأنوار العقلانية التربوية التي لطالما افتقدناها كثيرا في مراحل الزمن الغابر. فالكتاب مضمخ بعطاءات النقد والتمرد على أوضاع الجمود، ومحمل بالدعوة إلى حركة تنويرية في الفكر التربوي والممارسة البيداغوجية. فالمنهج النقدي الذي يتبناه الكاتب يتجلى في مختلف المضامين الفكرية لهذا الكتاب الذي يشكل في حقيقة الأمر نوعا من الممارسة النقدية الهادفة إلى كسر عوامل العطالة والجمود في التربية والفكر التربوي، إذ يتحرك الكاتب خارج دائرة المعتاد والمألوف والمكرر والمجتر الذي لطالما خبرناه وعرفناه وألفناه في الفكر التربوي المعاصر.
وتتضح قيمة هذا العمل عندما نأخذ بعين الاعتبار ما يعانيه الفكر التربوي من هيمنة نمط متجانس من التقاليد في الكتابة التي لا تتجاوز في أغلبها حدود النسخ والاستنساخ ولاسيما في مجال أصول التربية؛ فالمكتبة العربية تفيض بالكتب التي دبجت في هذا الميدان، ولكن من يتأمل في مضامين هذه الكتب يجد أنها لا تخرج عن كونها نوعا مهنيا من الكتابة التي تستنسخ بعضها بعضا في مستوى المضامين والمنهج والغايات. ولا تكاد الكتابة في هذا الميدان تعدو أن تكون أكثر من تقليد أكاديمي يهدف إلى تعريف الطلاب ببعض جوانب هذا الفرع العلمي على نحو يفتقر إلى العمق والأصالة والتجديد.
وعلى خلاف هذه الصورة ينطلق الكتاب من رؤى جديدة تتميز بطابعها النقدي في تناول موضوعات هذا الجانب العلمي، فمنذ البداية يحاول الباحث الخروج من دوامة التقليد والتكرار والاجترار مجترحا منهجية جديدة تخاطب العقل وتنزع إلى التجديد في تناول موضوعات هذا العلم ورسم مناحيه المختلفة.
وراعى الكاتب في تأليف هذا الكتاب أن يكون عميقاً في تناوله لمكونات التربية، وأن يقدم صورة واضحة لهذا العلم وفق معايير منهجية تتسم بالجدة والأصالة. والفصول التي تواترت في هذا العمل لم تكن توليفاً عابراً لكتاب مدرسي أو مقرر جامعي، بل جاءت تجاوباً لمقتضيات رؤية علمية شمولية؛ إذ حررت الفصول على أسس منهجية ومعايير علمية، راعى فيه الكاتب الدقة العلمية والموضوعية المنهجية في تناول الظواهر التربوية المدروسة.
ويعلن الكاتب منذ البداية “أن الكتاب يمثل ثمرة جهود مضنية بذلها الباحث على مدى سنوات طويلة بذلت في البحث والعمل والدراسة، تقصياً لأهم الجوانب العلمية في مجال أصول التربية، وإنه أي الكتاب يمثل قطوف عقدين من الزمن في ميدان التدريس الجامعي، والتأليف في مجال التربية وأصولها وعلومها المختلفة".
الرسالة التربوية للكتاب:
يعلن الكاتب منذ البداية عن الرسالة الإنسانية للفكر التربوي الأصيل الذي يتميز بحصافته وانفتاحه، ويعرف بمرونته، ويتصف بقدرته على التواصل الخلاق مع مختلف مكونات الوجود الاجتماعي، ويصف هذا الفكر بأنه يشكل رفضاً لكل أشكال التحجر والتقوقع والانغلاق، كما أنه يعبر عن حركة فكرية إنسانية دينامية تنهض على نوابض رؤية كونية تتجاوز كل حواجز الانغلاق على الذات، والانفصال عن الواقع تخفياً في المناطق المظلمة من الوجود، إذ لا يمكن للتربية الحقّة أن تأخذ طابعاً مقفل المسارات، منفعلاً مع الأحداث، مغترباً على الواقع، بل هي دائماً صورة من صور الانفتاح الإيجابي على الكون في أكثر جوانبه الأخلاقية والإنسانية المضيئة، عبر أنساق رؤية فلسفية تجوب الآفاق بحثاً لا ينقطع عن المعرفة الإنسانية التي تقارب الكمال وتدانيه.
فالمربي، كما يقول جون ديوي، يجب أن يكون فيلسوفاً، والفيلسوف يجب أن يكون مربياً بالضرورة. والمربي لا يمكنه أن يكون من غير رسالة تربوية تنهض به إلى آفاق القدرة على استلهام المعاني، وتوليد الدلالات الكونية في رحاب الحياة التربوية وفضاءاتها المختلفة. فالتربية رسالةٌ إنسانية وأخلاقية في آن واحد، ومن ثم فإنّ التربية من غير رسالة إنسانية فراغ وخواء، ومن أجل يجب على المربي أن ينهض إلى مرتبة الفيلسوف في قدرته على مخاطبة العقول البازغة والضمائر الخلاقة للأجيال والناشئة، وحال المربي كحال الصقور التي لا تستطيع أن تحدد أهدافها إلا من الذروة والعلى، ومن غير هذا التحليق في الأجواء والآفاق يتحول المربي إلى أعمى بصير لا يمتلك القدرة على المناورة وتحديد غائية الفعل التربوي ومساراته وجدواه.
فالأنساق التربوية المعاصرة تواجه منظومة معقدة من التّحديات التي فرضتها التغيرات، العاصفة في مختلف الميادين والمجالات؛ ويتمثل جوهر هذه التّحديات في قدرة الأنظمة التربوية على مواجهة هذه التغيرات ومواكبة صيروراتها الحادثة في مستويات الفكر والنظرية. و أثمرت هذه المواجهة إحداث تغيرات بنيوية في الأنظمة الفكرية التربوية؛ إذ شهدت الساحة المعرفية ولادة أنساق فكرية ونظرية تربوية جديدة في ضوء التصادم مع ثورة الأشياء في عالم لا يتوقف عن صيرورة التبدل والتغير. فالفكر - كما هي الحياة- مواجهة كبرى مع التّحديات، ولا يستقيم وجوده إلا بقدرته على مواجهة التّغير ومواكبة الإيقاع المتسارع لصيرورة التسارع، واحتواء الآثار التي يمكن أن تترك بصماتها على مقدرات الحياة.
فليس لشيء أن يبقى ويستمر في الوجود ما لم ينطو في ذاته على أسباب نمائه وتطوره، فدوام الحال من المحال، كما تقول الحكمة القديمة، وكل شيء يزول ويتلاشى ما لم يتطور وينمو ويتقدم ويستمر في مسار نمائه وتطوره وتقدمه، ولا تشكّل العلوم الإنسانية استثناء يتجاوز حدود هذه القاعدة، فالعلوم تستجمع في ذاتها القوة الحقيقية على الاستمرار في الوجود عبر التقدم والتطور، ولكي يحظى علم من العلوم أو فن من الفنون بإمكانية الاستمرار في الوجود يجب عليه أن يماحك ويعارك ويصادم من أجل الحضور في عالم المتغيرات والطفرات، لأن عالم اليوم يشهد طفرات مذهلة من التطور والتحول والتغير في مختلف الميادين وشتى الاتجاهات، وهذا التحول بقدرته الهائلة يصدم الواقع والأفكار والأشياء ويغيرها ويضعها في مواجهة التغير، حيث يجب عليها أن تواكب حركة التّغير والتحول.
ومما لا شك فيه أنّ الفكر التربوي يكافح ويناضل من أجل مواكبة هذه الدينامية الطاغية في الوجود، ومن أجل الاستمرار يترتب عليه أن يطور أدواته ومناهجه وأساليب حركته، وينمي في ذاته كل إمكانات المناورة من أجل الاستمرار في الوجود علماً بين العلوم، وفناً بين الفنون.
وفي دائرة هذه الحركة الدائمة نحو المطالب المتجددة في الوجود يكون التّحدي الأكبر للتربية في قدرتها على الاستمرار في عالم المتغيرات والمواجهات، حيث تولد النظريات والرؤى الجديدة والتصورات في عالم يتدفق بعطاءاته الفكرية المستمرة وذلك لمواكبة عالم المستجدات والمتغيرات.
وفي عمق الفكر التربوي هذا تنبلج إضاءات فكرية جديدة في علم أصول التربية الذي أدرك حكمة التجدد وروعة الانسجام وفضيلة التوازن الخلاق وعظمة الانطلاق نحو عالم يفيض بالإثارة والطفرة والجدة. فعالم التربية يشهد مستجدات فكرية وواقعية أفضت إلى تغير في ملامح العلوم التربوية وفي وظائفها وبنيتها وكينونتها، ويتجلى هذا كله في تدفق هائل للنظريات والأبحاث والدراسات، وظهور علوم جديدة مثل الأنثروبولوجيا التربوية والإثنولوجيا واقتصاديات التربية والنظريات التربوية الحديثة التي تتدفق فيضاً في عالم الفكر التربوي برمته.
ومن هذه الزاوية تولد ضرورة التجديد في المعرفة التربوية نحو آفاق قادرة على النهوض بالوعي والعقل، والتفكير التربوي إلى مستويات أكثر شمولاً وعمقاً ورحابة. ومن هذا المنطلق تجد محاولتنا هذه مشروعيتها العلمية في تقديم صور متجددة للفكر التربوي المعاصر وإضاءات معاصرة في أكثر جوانبه حداثة وتنوعاً وإبداعاً.
فأصول التربية، كعلم وفن ومعرفة، يشهد اليوم تدفقاً فكرياً متجدداً في الأدوات والرؤى والمنهج تجاوباً مع متطلبات التغيير في مصادره الخارجية والداخلية. ومما لاشك فيه أن أصول التربية علم يزود الباحثين بمعرفة شمولية عن طبيعة الحياة التربوية وفعالياتها المدرسية، ويمكّن المربين والدارسين من تفهم النظريات العامة التي تفسر الظواهر التربوية بالعوامل الاجتماعية والاقتصادية والفلسفية. فالتفكير التربوي بمستوياته المختلفة ومضامينه المتعددة ونظرياته المتعددة وغاياته المضمرة والمعلنة يتواصل ويتحرك ويتواتر عبر الزمن، فيرتسم في صورة تأمل عقلي يمتلك هويته الخاصة ووحدته النقدية المتميزة. وهذا يعني أن تنامي الفكر التربوي يترافق في العادة مع ظهور مشكلات تربوية مستجدة في الساحة التربوية ذاتها، ومن ثم فإنّ الفكر التربوي يأتي استجابة لعوامل النمو والتعقيد اللذين تشهدهما العملية التربوية ذاتها عبر تاريخها الطويل. فكل تربية تقترح نموذجاً إنسانياً تسعى إلى تحقيقه، وهي في دائرة هذا التوجه تعمل على تحديد الفعاليات التربوية لصيرورة الإنسان في تواتر نموه من الطفولة إلى الرشد. وهذا النموذج التربوي المنشود ينبثق عن رؤية فلسفية تربوية إلى الإنسان غاية و مصيراً. وهذه الغائية الفلسفية تقتضي بناء وشائج جوهرية وأصيلة بين التربية والفلسفة والحياة كما بين المربي والفيلسوف. فالصورة التي تسعى التربية إلى تحقيقها مرهونة ببناء تصورات عقلية وفلسفية كمرتكزات كلية ينطلق منها العمل التربوي بذاته.
وتأسيساً على هذه الصورة نقول: إن على المعلم أو المربي تزويد نفسه بمعرفة نقدية شمولية لمختلف أركان العملية التربوية ومصادرها وأصولها كي يكتسب صفته التربوية، ويمتلك قدرته على بناء الأجيال والناشئة بناء إنسانياً أخلاقياً يتميز بالأصالة والرشاقة والجمال. ومن المؤكد أن أيّ تعليم يفتقر إلى المعلم صاحب الرسالة الغائية في التربية والحياة لن يستطيع أن ينهض بالمجتمع، وينير له دروب المشاركة في بناء الذات والحضارة الإنسانية. ومن هنا تبرز أهمية التأصيل الفكري للمعلمين والمربين والدارسين، وتمكينهم من فهم عميق وشامل لمختلف العناصر والمكونات والركائز والمنطلقات، والأسس التي تشكّل عماد العملية التربوية برمتها. وكما أسلفنا فإنّ علم أصول التربية الذي يبحث في هذه المكونات ويعرف بها يعد مادة حيوية لعملية بناء المعلم وتشكيله وتأصيل قيمته الإنسانية والتربوية.
في مضامين الكتاب :
بلغة عربية انسيابية تتصف بجمالها ورشاقتها وقدرتها على التأثير في ذائقة القارئ يرسم الكاتب معالم وحدود القضايا التي يتناولها في هذا الكتاب، حيث يجد القارئ نفسه تحت تأثير بيان لغوي جميل آسر اعتمده الكاتب في مختلف مراحل هذا العمل وفي مختلف مستوياته العلمية.
يتضمن الكتاب تسعة فصول تغطي أهم المجالات الحيوية لأصول التربية حيث كرس الفصل الأول لبحث التجليات الفكرية في مفهوم التربية، وخصص الفصل الثاني لدراسة الأصول الثقافية للتربية، في حين انفرد الفصل الثالث في تناول الأصول السيكولوجية للتربية، ويتضمن الفصل الرابع بحثا في الأصول الاجتماعية للتربية، أما الفصل الخامس فقد كرس لقضايا الأصول الفلسفية للتربية، ويتناول الفصل السادس الأهداف التربوية في مناحيها الفلسفية، و خصص الفصل السابع لدراسة الأصول الأخلاقية للتربية، أما الفصل الثامن فقد كرس لبحث الأصول الأنتروبولوجية للتربية، وفي الفصل التاسع والأخير نجد تناولا للأصول الاقتصادية في لتربية. وإضافة إلى المقدمة والخاتمة نجد أن الكتاب يشكل لوحة مكتملة اجتمعت فيها مختلف التجليات الأساسية لأصول التربية الفكرية والاقتصادية والاجتماعية والأنتربولوجية.
يدور الفصل الأول حول التجليات الفكرية في مفهوم التربية ويبحث في مختلف الإشكاليات التي تتعلق بمفهوم التربية ذاته. ويحاول الباحث الفصل ما بين صورتي التربية كفن وعلم ، ويبحث في جماع العلاقة بين المنهجين فيقول: "إذا كانت التربية فناً، فإنّ هذا الفن لا يعمل في مادة جامدة، كفن النحت، بل في مادة حية تنطوي في ذاتها على مبدأ نموها"، كما يقول توما الإكويني. وباختصار يحاول الكاتب بما عرف به من منهجية علمية أن يحدد تخوم هذا المفهوم وحدوده بطريقة منهجية موضوعية حيث يحدد التخوم الفاصلة بين هذا المفهوم؛ أي التربية وعلم التربية والتربية والبيداغوجيا ودلالة المفهوم في اللغات العربية والأجنبية.
وفي الفصل الثاني من الكتاب يتناول الباحث الأصول الثقافة للتربية. كما يتناول العلاقة الحيوية القائمة بين التربية والثقافة فيقول: “بين التربية والثقافة وشائج علاقة فريدة في طبيعة العلاقة بين الظواهر والأشياء، وتأخذ هذه العلاقة طابعاً وجودياً؛ حيث لا تكون الثقافة من غير تربية، ولا تكون التربية من غير ثقافة. فالتربية بمناهجها ومضامينها وتجلياتها ظاهرة ثقافية بالضرورة، ومن ثمّ فإنّ الثقافة لا يمكن أن تكون خارج دائرة التربية من حيث الوظيفة والهوية، فوظيفة الثقافة وظيفة تربوية، كما أن وظيفة التربية وظيفة ثقافية بالدرجة الأولى. ومثل هذه العلاقة تعلن نفسها بوضوح في مختلف مداخل العلاقة بين الثقافة والتربية. فالتربية تنقل الثقافة وتحييها، ومن غير التربية تضمحل الثقافة وتتلاشى، وكذلك الحال في الثقافة التي لا تكون إلا بقدرتها على التأثير في الأفراد؛ حيث يأخذ التأثير فيهم طابعاً تربوياً بالطبيعة والضرورة. ويبين الباحث أن العلاقة بين الثقافة والتربية ليست علاقة ميكانيكية، بل هي علاقة وجودية تفاعليه قائمة على تبادل التأثير والفعل حيث يؤدي كل منهما دور المنتج الحيوي للآخر في نسق علاقات جدلية متنامية بصورة أزليةً.
وقد أغنى الكاتب هذا الفصل بمختلف الدلالات والمعاني التي تدل على عمق العلاقة بين التربية والثقافة، حيث لا تكون الثقافة من غير تربية أو لا تكون التربية من غير ثقافة. والفصل غني بالأمثلة والبيانات والمحاججات الجميلة التي تضع تصورا جميلا للعلاقة بين المفهومين.
وفي الفصل الثالث نجد تناولا منهجيا للأصول السيكولوجية للتربية. يبين الكاتب في هذا الفصل مختلف النظريات والتصورات السيكولوجية الحديثة للعملية التربوية حيث يجب على المربي أن يكون عالما في النفس قبل أن يكون مربيا. ومن أجل أن يقوم المربي بعمله يجب عليه أن يمتلك معرفة عميقة جوهرية بالتكوين النفسي للطفل، كما يجب عليه في الوقت نفسه أن يعرف الكيفية التي تحدث التغيير المطلوب في طبيعة الإنسان وفي بنيته السيكولوجية، وهذا يعني أن المعرفة الدقيقة والعلمية بسيكولوجيا الطفل ومكوناته الانفعالية هي السبيل الوحيد لتربيته وتعليمه بصورة علمية.
وفي هذا الفصل نجد مناقشة نقدية لمختلف النظريات السيكولوجية في مجال التربية والتعليم، كما نجد تحليلا معمقا لأهم المبادئ التربوية المستقاة من مختلف النظريات النفسية في مجال علم نفس الطفولة وعلم النفس التربوية. وفي هذا السياق يقول المؤلف “لقد شكّلت المعرفة العلمية، بطبيعة الأطفال وميولهم واتجاهاتهم واهتماماتهم، فتحا كبيراً في مجال التربية والحياة التربوية. وليس لهذا الفتح أن يقف عند حدوده الأخلاقية ومعانيه الإنسانية التي تتمثل في احترام الطفولة ومحبتها، بل يتجاوز هذا إلى آفاق لا حدود لها يتمثل غيض منها في تمكين المجتمعات الإنسانية من تفجير قدرات أبنائها وتحويل طاقاتهم المستلبة قديماً إلى قدرات إبداعية خلاقة تفيض في الكون عطاءات إنسانية غامرة".
لقد استطاع علم النفس اليوم أن يهتك الأسرار الدفينة للنفس الإنسانية، وأن يتوغل في أعماقها، وأن يكتشف مجاهلها، وأن يفك رموزها، ويبدد طلاسمها، وذلكم هو التحليل النفسي الذي يبحث في الأعماق، ويكتشف مجاهل العقل الباطن للنفس الإنسانية، وهو بذلك يقدم للتربية معرفة سيكولوجية تفوق شطحات الخيال بجمالها، ويغنيها بأروع إبداعات المعرفة في مستواها السيكولوجي.
وفي الفصل الرابع نجد تناولا للأصول الاجتماعية للتربية " فالإنسان الذي تودّ التربية أن تحققه فينا ليس هو الإنسان على غرار ما أودعته الطبيعة في الإنسان بل هو الإنسان على غرار ما يريده المجتمع كما يقول إميل دوركهايم، وهذا يعني أن الإنسان "حيوان اجتماعي بالطبع "، وتلك هي العبارة المشهورة التي رددها كبار المفكرين ودونتها أقلامهم، بدءاً بالمعلم الأول أرسطو، وانتهاء بابن خلدون في مقدمته المشهورة. فالكينونة الاجتماعية للإنسان تأخذ صورةً حقيقةً دامغةً سجلت حضورها المميز في مختلف الثقافات وفي تنوع الحضارات. وفي هذا الفصل الجميل يتناول الباحث مختلف الأسس الموضوعية للنزعة الاجتماعية في التربية، ويستعرض مختلف النظريات والاتجاهات السوسيولوجية لهذا الميدان منذ القرن الرابع عشر حتى اليوم حيث ترتسم معالم النظريات السوسيولوجية في التربية مثل: أوغست كونت ودوركهايم وسبنسر وبيير بورديو وبازيل برنشتاين وبودلو واستابليه وغيرهم من هؤلاء الذين رسخوا النظريات الاجتماعية في التربية. والفصل غني بمختلف النظريات الاجتماعية الحديثة في مجال التربية والممارسة البيداغوجية للتربية بأبعادها الاجتماعية.
ويستعرض الفصل الخامس الأصول الفلسفية للتربية، ويركز هذا الفصل على تناول مختلف التيارات والاتجاهات الفلسفية في التربية بدءا من المرحلة الإغريقية حتى يومنا هذا. فالفلسفة كما يقول الكاتب تجسّد قدرة الإنسان على فهم العالم وإدراكه بمقتضى العقل والتأمل العقلي، والعقل يتماهى بالتساؤل، ويستلهمه لينطلق منه في عملية تشكيل المعرفة وبنائها، وهو انطلاقاً من خاصة التساؤل النقدي المفتوح يبني ممالك المعرفة ويرفع حصونها استكشافا للعالم وخوضاً مستنيراً في متاهاته الغامضة. فبعد أن يحكم الكاتب تعريف الفلسفة وصلاتها مع الدين والعلم والأسطورة وتقاطعاتها مع التربية يستعرض أهم التيارات الفكرية الفلسفية وتأثيرها في التربية مثل: المثالية والمادية الماركسية والبرغماتية والوجودية. ويركز الباحث على تناول الفلسفة التربوية في تناولها لقضايا المعرفة والوجود والماهية والصيرورة والغاية والقيم الأخلاقية بصورة معمقة وأصيلة في هذا الفصل. ويركز على الجانب الغائي للفلسفة التربوية حيث يقول: “الفلسفة عشق مطلق للحقيقة، وما أعظم أيّ نظام تربوي يعمل على بناء أجيال تعشق الحقيقة، وتسعى إليها، وليس أكثر من تعليم الفلسفة يؤدي إلى عشق الحقيقة والتفاني في طلبها". وهنا نجد تقديراً لا يوصف لعملية التفاني في طلب الحق والصدق والحقيقة، فالفيلسوف عاشق للحقيقة، ينشدها أينما وُجدت، على الرغم من اقتناعه باستحالة امتلاكه لها بالمطلق على وجه اليقين! وهذا ما يذهب إليه المُربي العظيم لسنج الذي يقول: لو أن الله وضع الحقيقة كلها في يمناه، وجعل الدافع الوحيد الذي يحرك الإنسان إلى طلبها في يسراه، ولو كان في نيته أن يُضلني ضلالاً أبدياً، ومد نحوي يديه المضمومتين، وهو يقول: اختر بينهما! لركعت أمامه في خشوع، وهتفت وأنا أشير إلى يسراه: ربِّ! أعطني هذه! فالحقيقة الخالصة ملكك أنت وحدك!".
وفي الفصل السادس تتجلى رؤى الكاتب في مجال الأهداف التربوية حيث يتناول مختلف الاتجاهات والنظريات والتصورات والفلسفات التي تتناول الغايات التربوية وأهداف التربية في المنظومات الفكرية والتربوية العربية. فالأعرج الذي يسلك الطريق الصحيح يسبق العداء الذي يسلك الطريق الخطأ" كما يقول فرنسيس بيكون، والعالَم يفسح الطريق لمن يعرف إلى أين هو ذاهب" كما يقول رالف وامرسون.
فالأهداف التربوية، في بنيتها وآليات اشتغالها، تشكل ظاهرة تربوية معقدة، تتخاصب فيها معطيات الفكر بمعطيات الواقع، وتتكامل في تكويناتها طموحات المجتمع مع طموحات الفرد، وتتجلى في مضامينها فلسفة المجتمع مع فلسفة الفرد، كما تتبلور في ذاتها الروح الحضارية للمجتمع بما تمتلكه الروح من قدرة على مواجهة التّحديات التي تفرضها الحياة بمعطياتها الحضارية والإنسانية.
يعرف الكاتب الأهداف التربوية بوصفها انعكاسا لطموحات المجتمع وتطلعاته ورؤية للصورة الإنسانية التي يريدها المجتمع ويرتضيها لنفسه. وتأخذ الأهداف التربوية مداها وجوهرها في قدرتها على تحديد صورة الإنسان المستقبلي التي يريدها المجتمع لنفسه بما يجب أن تكون عليه هذه الصورة من سمات وخصائص وماهيات. وغالباً ما تكون الأهداف التربوية محض إجابة عن تساؤلات تربوية تقليدية قوامها: ما صورة الإنسان الذي نرغب في بنائه تربوياً؟ أيّ إنسان نريد؟ أيّ مجتمع نريد؟ ما حدود هذه الصورة؟ وما طبيعة الأدوات التي يمكن أن تعتمد في تحقيقها؟ وتنبثق في الإجابة عن هذه التساؤلات الغائية فلسفة تربوية تستجيب نقدياً لمسألة هوية الإنسان وكينونته التربوية. تلك هي أبعاد الإشكالية التي تضعها فلسفة الأهداف التربوية أمام العقل النقدي وتسعى إلى تحديدها وتفكيكها وتحليلها.
ثم يتناول الكاتب مفهوم الأهداف التربوية ويفصله عن مختلف المفاهيم المتداخلة معه، و يبحث في وظيفة الأهداف وفي أهميتها ، ويرسم صورة واضحة لمضادر اشتقاقها. ويتناول أبرز سماتها ومعالمها. ويتحدث عن تكامل مصادرها الفلسفية والفكرية ويبرز أهميتها في قدرتها على التجاوب مع حاجات المجتمع وتطلعاته . ويؤكد في نهاية الفصل على أهمية المراجعة النقدية للأهداف التربوية ولاسيما فيما يتعلق ببناها وآليات اشتغالها، ومراحل تنفيذها، وضرورات تطويرها إلى مستويات ما تفرضه الحياة من تطورات جديدة وتحديات متجددة.
وفي الفصل السابع يطالعنا الكاتب بموضوع الأصول الأخلاقية للتربية ، ويصدره بمقولة كانط الجميلة : "ثمة أمران يملأان نفسي إعجاباً واحتراماً: السماء المزدانة بالنجوم فوقي، والقانون الأخلاقي في أعماقي" . يرى الكاتب أن البعد الأخلاقي يشكّل ركناً أساسياً من أركان العملية التربوية ونسقاً حيوياً في نسيج وجودها. وإنه من الصعوبة بمكان الفصل ما بين الأخلاق والتربية، إذ لا يكون أحدهما من غير الآخر أبداً، فالتربية فعل أخلاقي في جوهره كما أن الأخلاق فعالية تربوية بطبيعتها. ويتجلى هذا التصور للعلاقة ما بين التربية والأخلاق في رؤية هربرت سبنسر الأخلاقية؛ إذ غالباً ما كان يردد قائلاً: "إنّ الغرض الجزئي والكلي من التربية يتمثل في فكرة واحدة هي “الفضيلة ". وتأسيساً على هذه الرؤية لا يمكن للأخلاق أن تنفصل عن جوهرها التربوي، في الوقت الذي لا يمكن فيه للتربية أن تنقطع عن كونها رسالة أخلاقية في أشمل تجلياتها الإنسانية وأعمقها على الإطلاق. وعلى هذا النحو يصعب تماماً إيجاد الحدود الفاصلة بين التربية والأخلاق، أو بين الأخلاق والتربية، لأن كلاً منهما يرتهن بالآخر، ويتكامل معه في عملية بناء الفرد والـتأثير في سلوكه والنهوض به إلى مستوى السمو الإنساني والأخلاقي.
فالأخلاق نظام من القيم يوجه حياة الفرد ويرتقي بها إلى مستوياتها الإنسانية، حيث لا يمكن للإنسان أن يكون إنساناً إلا في صورته الأخلاقية. والإنسان هو الكائن الوحيد في مملكة الكائنات الذي يرتقي إلى مستوى الفضيلة مضحياً برغباته وميوله على مذابح السمو الأخلاقي، سعيا إلى تجسيد قيم الحق والخير والجمال والفضيلة والشرف والكرامة والتضحية والإيثار والتسامح والشجاعة والنبل الإنساني، وتلك هي القيم والفضائل التي تشكّل جوهر الحياة الأخلاقية والتربوية في آن واحد.
يتناول الكاتب في هذا الفصل مفهوم الأخلاق ويرى أنها منظومة من القيم والمعايير السلوكية التي يرتضيها المجتمع لنفسه وأفراده نشداناً لفضائل الحق والخير والجمال، وهي من حيث وظيفتها توجه الأفراد إلى ما يجب عليهم القيام به، وتنهى عما يجب تجنبه في مختلف المواقف الحياتية والإنسانية. يتناول الكاتب مفهوم الأخلاق في الثقافة الإنسانية، ثم يعمل على تحليل المفهوم وتحديد تخومه الفكرية . ثم يتناول الأبعاد التربوية لمفاهيم : الحق والخير والواجب والضمير والجمال وغيرها من القيم وضرورتها في التشكيل التربوية للفرد ويعالج هذه المفاهيم في إطار المقولات والنظريات الفكرية والأخلاقية والتربوية السائدة . ثم يتناول الفصل الاتجاهات الفكرية المثالية والمادية والطبيعية في مجال التربية والأخلاق .
ويعرج الفصل على مفهوم التربية الأخلاقية في المدرسة والمؤسسات التربوية، ويؤكد على الضرورة الحيوية للمسألة الأخلاقية في هذه المؤسسات في عصر يضج بكل معطيات الانحراف والجريمة والعطالة والجمود . وينتهي الكاتب في هذا الفصل إلى القول : إن التربية معنية بترسيخ نسق من الفضائل والقيم الأخلاقية في وعي الطلاب ووجدانهم، وتتمثل هذه القيم في فضائل: الأدب، والكرم، والتسامح، والإخلاص والرحمة، والعفة، والنزاهة، والصبر، والتأني، والشفقة، والرقة، واللطف، والاعتدال، والشكر، والعرفان، والصدق، والشجاعة، والتواضع، والدعابة، والظرافة، والعدالة، والبساطة، والحب والحق، والخير، والجمال.
في الفصل الثامن يتناول الكاتب الأبعاد الأنتروبولوجية للتربية . ويطالعنا الكاتب في مقدمة الفصل بالقول : " عندما يقرأ الإنسان في صفحات الأنتربولوجيا، ويتجول في رحابها الواسعة، ويتهادى في فضائها الفسيح، يسيطر عليه فضول علمي غامر، يأخذه في رحلة البحث عن الدلالات والمعاني الكبرى للوجود الإنساني؛ وعندما يستزيد من القراءة، تمتلكه نزعة غامرة، ورغبة جامحة، تشده للترحال على مراكب هذا العلم، بحثاً عن المعرفة والحقيقة، واستكشافاً للجمال المكتنز في عالم الإنسان، والحياة الإنسانية. فالأنتربولوجيا حالة من الترحال في الجوانب الخفية الغامضة من الحياة الإنسانية، وهو نوع من الترحال الذي يأخذ القارئ إلى عوالم غريبة وبعيدة ليستكشف معانيها، ويفكّ رموزها، ويكتنه أسرارها، وينهل من معينها. ولطالما كانت الرحلة على مركب الأنتروبولوجيا أشبه برحلة سحرية في عالم من الأسرار يفيض بالغامض والصامت والمكتنز والرمزي والخيالي والمدهش والأسطوري والواقعي والحقيقي في آن واحد، ويقيناً أن الترحال في هضاب هذه الأنتروبولوجيا أشبه برحلة في قارب يتهادى في مجرى وادٍ جميل عميق تحيط به أسرار الطبيعة وجمالها، حيث تحمل كل انسيابة على صفحات الماء استكشافاً متجدداً لسحر الطبيعة وجمالها وألقها، فلا يأمنن المسافر على نفسه من الإصابة بخدر ودوار افتتاناً بجمال الطبيعة، واندهاشاً بأسرارها ".
إنك لتقف بإعجاب كبير، ودهشة أكبر، أمام هؤلاء الأنتروبولوجيين الذي حطوا الرحال في عوالم بعيدة، فعاشوا مع أقوام بدائية تصارع في حياتها اليومية أشد قوى الطبيعة، كما في جبال الإسكيمو الجليدية، وفي شمس الصحارى الحارقة، في جزر الأوكيناوا والتروبرياندر وغينيا الجديدة، وفي كل الأصقاع الجغرافية الغريبة والعجيبة. فالترحال والتجوال والسير الذاتية والتدوين الأدبي مناهج حقيقية في التكوين الأصيل للأنتربولوجيا التي تعد نتاجاً طبيعياً لتطور الرحلة والأدب والتشويق عبر التاريخ من رحلات ابن بطوطة حتى السندباد البحري. فكيف تستطيع أن تقف أمام هذه العناوين الساحرة دون أن تصاب بدوار، كأن تقف قارئاً لـ "المدارات الحزينة" لكلود ليفي ستروس، والمجتمع القديم لمورغان، والمغامرون في غرب المحيط الهادئ لمانيلوفسكي، ومئات العناوين حول الطوطم والتابو والسحر والمعجزة والدين والأخلاق في الحضارات القديمة.
وعلى هذا المنوال الأنتربولوجي، تكمن الأصالة العلمية للأنتربولوجيا التربوية في قدرتها الهائلة على استكشاف العمق والروح والدلالة والمعنى الكامنة في قلب العمليات التربوية، بطريقة تفوق حدود وإمكانات الفروع العلمية الأخرى التي تبحث في قضايا التربية ومشكلاتها وتحدياتها. فنحن مع الأنتربولوجيا التربوية نجد أنفسنا في مشهد حيّ كلي شمولي مضمخ بدلالته الإنسانية مفعم بزخم الحياة ودفعها، وذلك لأن الأنتربولوجية تتناول القضايا التربوية في سياقها الإنساني الحي، وكأنك في مشهد خلاق خلاب تتفاعل فيه كل اللحظات والجزئيات والمواقف والمعاني والدلالات التي تشترك جميعاً في بناء المشهد التربوي في حركته ونقلته وتكونه وانبساطه وانعطافه، فتقف مذهولاً مسحوراً أمام هذا الفعل الإنساني الذي يجمع بأطراف الواقع والعقل والرمز والوجدان في نبضة واحدة. وتأتيك اللحظات الآتية للمشهد، حيث يتم استخدام الرموز والدلالات والمعانى والكلمات والإشارات والإيماءات جميعاً في عملية توصيف الفعل التربوي واستخراج الحقائق الكامنة فيها جلية واضحة تخاطب العقل والوجدان، وتمنحهما القدرة على الفهم والتمثل.
وما يؤسفنا أن الحقيقة التربوية في حلتها الأنتروبولوجية ما زالت بعيدة المنال في ثقافتنا التربوية، وفي مجال حياتنا الأكاديمية التي تكاد تخلو إلا من إشارات هنا وهناك عن بعض الدراسات الأنتربولوجية التربوية النادرة التي تقع في بعض الكتب التربوية على نحو مختصر. وهذا يدل على ضعف كبير في حضور هذا العلم العظيم في الأنساق المعرفية العربية بصورة عامة. وإنني لأجزم بأننا في أمس الحاجة اليوم إلى بناء هذه الأنتربولوجيا التربوية، وتأصيل حضورها في ثقافتنا ووعينا وحياتنا الأكاديمة؛ لما تنطوي عليه من أهمية وخطورة وحساسية وقدرة منهجية في استلهام الحقيقة، واستكشاف المناحي الأساسية لعالم تربوي مجهول برمته وكليته.
في هذا الفصل يفدم الكاتب محاولة جادة في الإجابة عن مجموعة من الأسئلة ، أهمها:
- ما الأنتربولوجيا وما تعريف الأنتربولوجيا التربوية؟
- ما المراحل التاريخية التي مرّ بها تطور الأنتروبولوجيا التربوية؟
- ما طبيعة المناهج السائدة في الأنتروبولوجيا التربوية وما سماتها ؟
- ما أهم المكونات الفكرية والنظرية لهذا الفرع العلمي الناشئ ؟
- ما صورة هذا العلم في بعض البلدان ولاسيما المتقدمة منها ؟
يتميز هذا الفصل بغناه حيث يتناول الباحث الأنثروبولوجيا التربوية في أغلب بلدان العالم، ويستجوب ما تنطوي عليه من قيم وتصورات وأفكار ونظريات تربوية . وباختصار فإن الكاتب يقدم لنا عبر هذا الفصل
مشهدا للأنتروبولوجيا التربوية يتصف بغنى المضامين فكرية حول معطيات هذا العلم الناشئ ونظرياته وتعيناته في دوائر المكان والزمان. ويختتم الكاتب هذا الفصل بالقول : " إن الأنتروبولوجيا التربوية ما تزال غائبة في حياتنا الأكاديمية في الوطن العربي، وهذا الفرع المعرفي الجديد يحتاج إلى جهود من الباحثين والمفكرين العرب لتقديم هذا العلم والتعريف به تمهيداً للمشاركة في تأصيله علمياً عبر الدراسات والبحوث الأنتربولوجية الممكنة في دائرة حياتنا المدرسية المثقلة بهموم العصر ومشكلاته. في هذه الدراسة حاولنا أن نقدم إجابات عن الأسئلة التي طرحناها حول ماهية الأنتروبولوجيا، وتعريفاتها، ومراحل نشوئها وتكونها، وانتشارها في أصقاع العالم. ومما لا شك فيه أنّ هذا الموضوع يحتاج إلى دراسات وأبحاث كثيرة، وحسبنا أننا قدمنا صورة مصغرة ومختصرة لهذا الفرع العلمي، ونأمل لهذا الجهد المتواضع أن يقرع الأجراس منبها إلى أهمية تعريب هذا العلم على أمل المشاركة في معطياته وأبحاثه ونهضته في المستقبل القريب".
في الفصل التاسع يتناول الكاتب الأصول الاقتصادية للتربية ، ويستهله بالقول المأثور لمهاتير محمد الذي يقول : " عندما أصلي أيمم وجهي صوب مكة، ولكنني عندما أريد بناء بلادي أيمم وجهي شطر اليابان". ويؤكد الكاتب في هذا الفصل على العلاقة الجوهرية المتنامية بين التربية والاقتصاد التي تأخذ صورة معقدة من التفاعلات يتشابك فيها المعرفي بالاقتصادي والسياسي بالتربوي دون انقطاع. ومما لاشك فيه أن هذه العلاقة بين التعليم وسوق العمل قديمة قدم التاريخ، ولكن التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها المجتمعات الإنسانية دفعت بهذه المسألة إلى مرتبة الصدارة، وذلك عندما بدأت المؤسسات التعليمية والتربوية تتحول إلى مؤسسات إنتاجية بالمعنى الدقيق للكلمة، وعندما صارت معنية بإنتاج القوى الاجتماعية المؤهلة علمياً وفنياً لممارسة مختلف الوظائف والمهن في الحياة الاجتماعية.
لقد استكشفت اقتصاديات التربية المعالم المجهولة للعلاقة بين التربية والاقتصاد، وبين رأس المال البشري والتنمية الإنسانية، و أضاءت كثيراً من الغموض الذي يحيط بطبيعة العلاقة الجدلية المعقدة بين المادي والمعنوي في العملية التنموية بصورة عامة. ومهما يكن الأمر فإنّ الدراسات الجارية في هذا الميدان رسخت رؤى وتصورات علمية شاملة حول طبيعة العلاقة بين الاقتصاد والتربية، وأكدت أهمية الوظيفة الاقتصادية للتربية.
وقد مكنت نتائج الدراسات الجارية في مجال اقتصاديات التربية الحكومات والدول والأفراد من توجيه سياساتها التربوية والاقتصادية في المسارات المأمولة، واستفادت هذه الحكومات بدرجة كبيرة من معطيات البحث العلمي في ميدان التفاعل المعقد بين التعليم والاقتصاد وبين رأس المال البشري والتنمية. وشكّلت نتائج هذه الدراسات منطلقاً للإستراتيجيات والسياسات التربوية في مختلف أنحاء العالم لمواجهة كثير من المعضلات السياسية والاقتصادية. ومن هذا المنطلق دأبت كثير من الدول على تطوير التعليم والتأهيل لمواجهة تحديات التخلف وتحقيق التقدم الاقتصادي والاجتماعي.
فاقتصاديات التربية كما يرى الكاتب تكتسب اليوم أهمية استراتيجية سياسية واقتصادية واجتماعية، وتشكّل مدخلاً رئيسياً من مداخل التخطيط الاجتماعي والتربوي للتنمية والتّحديث والتطوير في المجتمع. لقد أوضح الباحث في هذا الفصل مختلف المداخل الأساسية لاقتصاديات التربية في مسارات التوظيف والتمويل والاستثمار والعوائد. وقدم تصوراً شاملاً لمختلف المفاهيم والمقولات والدراسات الجارية في هذا الميدان. وقد راعينا في تناولنا لهذه المسألة أهمية التأثير الذي يحققه التعليم في نمو المجتمع وتطوره الاقتصادي على نحو شامل.
وقد اعتمد الباحث منهجا واضحا في تناوله لقضايا رأس المال البشري، حيث تناول قضايا التوظيف والاستثمار الاقتصادي في رأس المال البشري عبر العملية التربوية في مستوى الأفراد وفي مستوى المجتمع، كما تناول بالدراسة والتحليل تأثير رأس المال المتشكّل في دخول الأفراد وفي النمو الاقتصادي للمجتمع. وقد جرى هذا التناول وفقاً للمنهج المجهري "المايكرو اقتصادي “من جهة والمنهج الشمولي "الميكرو الاقتصادي" من جهة أخرى. وقمنا بعرض عدد كبير وواف من الدراسات الاقتصادية التربوية التي تناولت مختلف المسائل التي تتعلق بالتربية والاقتصاد ورأس المال البشري.
خلاصة
تتجلى أزمة الفكر التربوي العربي في أزمة الخطاب التربوي السائد الذي يشكّل صورة للأزمة الفكرية والأكاديمية التي تعانيها أقسام الأصول التربوية، وهي المعنية أصلاً بإنتاج هذا الخطاب في حلته النقدية. فالخطاب التربوي السائد في الوطن العربي يأخذ طابع الخطاب التمجيدي السائد الذي يعلي من شأن الأوضاع التربوية القائمة، ويثني على كل ما فيه من مزايا وعطايا وسمات، وهذا الخطاب هو خطاب مؤسساتي تنتجه المؤسسات التربوية للدولة، ويقوم على تمجيد الدور الذي تؤديه التربية في خدمة المجتمع والأنظمة السياسية القائمة. ويتجلى هذا الخطاب بقوة في الكتابات العربية التربوية؛ إذ يقوم كثير من التربويين العرب بتقديم أنظمتهم التربوية على أنها الأفضل عالمياً والأجود عربياً. ويشكّل هذا الاتجاه أحد أخطر عوامل الأزمة الحضارية والتربوية في الوطن العربي وأشدها فتكاً وتدميراً.
لقد وضع هذا الكتاب (أصول التربية: إضاءات نقدية) ليتجاوز حدود الأزمة التربوية المعاصرة في نسق من التصورات النقدية، وليكون مرجعاً علمياً حديثاً للطلاب والباحثين والمربين. والكتاب باختصار يتضمن تسعة فصول ومقدمة وخاتمة تغطي مختلف جوانب علم أصول التربية في مجال التربية وعلومها، وقد روعي في تأليفه الأصالة المنهجية والدقة العلمية والموضوعية.
يتناول الفصل الأول مفهوم التربية وأبعاده وتجلياته، ويعالج الفصل الثاني الأصول الثقافية للتربية، ويدور الفصل الثالث حول الأصول السيكولوجية للتربية، أما الفصل الرابع فيستعرض الأصول الاجتماعية للتربية، وتشكّل الأصول الفلسفية للتربية موضوع الفصل الخامس، فيما يتناول الفصل السادس الأهداف التربوية والسياسات التربوية المرتبطة بها، و خصص الفصل السابع لمقاربة الأصول الأخلاقية للتربية، ونجد في الفصل الثامن مقاربة لمسألة الأصول الأنتروبولوجية في التربية، ثم يأتي الفصل التاسع أخيراً ليقدم تصورا واضحاً عن الأصول الاقتصادية للتربية.
والكتاب يشكّل مصدراً جديداً من مصادر المعرفة التربوية، ونأمل له أن يثمر في مجاله، وأن يجد المربون والطلاب فيه ما يمكّنهم من فهم أبعاد هذا العلم ومتطلباته، ومن إدراك أشمل لمصادر العملية التربوية ومضامينها وحدودها، وأن يشكّل أحد منطلقات وعيهم التربوي الشامل والمعمق بأبعاد العملية التربوية.
ويجب علينا القول في هذا السياق بأن خصوصية هذا الكتاب تأتي في تناوله المعمق لمستجدات علم أصول التربية، ومراعاته للمنهج العلمي في تناول مختلف القضايا التي يتناولها. ومهما يكن فإننا نعتقد أن الكتاب يشكّل مسنداً مرجعيا يثري أفهام المعلمين والمربين، ويمكّنهم من إدراك أعمق لمختلف قضايا التربية وإشكالياتها ومصادرها وأصولها.
وأخيراً نقول: إن هذا الكتاب المرجعي يمكنه أن يشكّل مصدراً جديداً من مصادر المعرفة التربوية، ونأمل له أن يثمر في مجاله، وأن يجد المربون والطلاب فيه ما يمكّنهم من فهم أبعاد هذا العلم ومتطلباته، ومن إدراك أشمل لمصادر العملية التربوية ومضامينها وحدودها، آملين أن يشكّل أحد منطلقات وعيهم التربوي الشامل والمعمق بأبعاد العملية التربوية. وفي نهاية المطاف يجب توجيه كلمة شكر وتقدير إلى لجنة التأليف والتعريب والنشر بجامعة الكويت على الجهود الكبيرة التي بذلتها في إصدار هذا الكتاب وتبنيه كتابا مرجعيا في جامعة الكويت .

Copyright reserved

Copyright reserved

The book cannot be previewed or downloaded in order to preserve the copyright of the author and publishing house
Not available digitally or on paper through the Noor Library, it is for rating and review

Reviews ( 0 )
Quotes ( 0 )
  Search for another book

Book Review "Fundamentals Of Education: Critical Discoveries"

Book Quotes "Fundamentals Of Education: Critical Discoveries"

Other books like "Fundamentals Of Education: Critical Discoveries"

Other books for "Ali Asaad Watfa"

Hide Intellectual property is reserved to the author of the aforementioned book
If there is a problem with the book, please report through one of the following links:
Report the book or by Contact us

E-books are complementary and supportive of paper books and never cancel it. With the click of a button, the e-book reaches anyone, anywhere in the world.
E-books may weaken your eyesight due to the glare of the screen. Support the book publisher by purchasing his original paper book. If you can access it and get it, do not hesitate to buy it.
Publish your book now for free