The download is free, but we offer some paid services. Support us by subscribing
Delete ads and speed up browsing the library.
The download starts with the click of a button without waiting for the book to be ready.
No limits for download times.
You can upload unlimited books in the library.
Enable readers to download your books without waiting.
Delete ads on the books that you publish.
No problems with download links for your uploaded books.
Copyright reserved
The book cannot be previewed or downloaded in order to preserve the copyright of the author and publishing house
Not available digitally or on paper through the Noor Library, it is for rating and review
| Author: | أحمد بن راشد بن سعي |
| Category: | Biography And Translated Literary Notes [Edit] |
| Language: | Arabic |
| Publisher: | قرطبة للإنتاج الفني |
| ISBN: | 132724267621829 |
| Pages: | 135 |
| Rank: | 465,718 No 1 most popular |
| Short link: | Copy |
| More books like this book | |
قال حدث سهم بن كنانة - ثارت عليَّ أشجاني، وعناني منها ما عناني، فقررت الخروج من الديارْ، وزيارة الرسوم والآثارْ، فلما أشرفتُ على طللْ، تولى عني المللْ، وطفقتُ أتفكرُ في مصائر الأممْ، وكيف جرى بهلاكها القلمْ، كم من مصرٍّ على ذنبه، مات ولم يتبْ إلى ربه، وكم من دولةٍ انهارتْ، وامبراطورية توراتْ، وكم من شديدٍ كَلْ، ومن عزيزٍ ذلْ، ومن مستبدٍّ هوى، ومن عاشقٍ برّح به النوى، وكم من ناظمٍ قصائدَ الغزلْ، في بدرٍ غاب أو نجمٍ أفلْ. قال سهم بن كنانة: وبينا أنا سارحٌ بأفكاري، مستشرفاً ما سيرى الناس من آثاري، إذ أقبل عليَّ رجلٌ مهيبُ الخلقة، ذو ملامحَ طلْقة، كأنه شيخٌ في حلْقة، فوقف إلى جانبي وأخذ يحدّق ببصره، فدفعني الفضول إلى استقصاء خبره، وقد هالني ما هو عليه من حسن السمْتْ، وطول الصمتْ، لا ترى فيه من عوجٍ ولا أمْتْ. ولم يطل انتظاري، إذ أخرج من جيبه لفافة تبغ، فدهسها بقدميه وهو يقول: ذلك ما كنا نبغ! فسألته عن القصة، فقال: بل هي الغصة، ولكنها مليئة بالعبرْ، والعقبى والله لمن صبرْ. قلت: قد أسلمتك قيادي، وأصغى إليك فؤادي، والسعيد من تدارك الغفلة، واتعظ بمن قبله. قال سهم بن كنانة: وتنهد الرجل تنهد الثكلى، وقال: هذه الدنيا من دون التدخين أحلى، لو تعلم كيف امتُحنتُ به في شبابي، فأتلف مالي وثيابي، بل مزق عقلي وإهابي، حتى عافني أهلي وأصحابي .قلت: كيف أفسدتْ بالك، سيجارةٌ لا أبا لك؟ قال: ابتُليتُ بقومٍ ذوي جهلْ، قاطعين للرحم والأهلْ، لا يعرفون للدين حدودا، ولا للمودة عهودا، يقضون اليوم في اللهو، ويحيون الليل باللغو، ويتعاطون أثناء ذلك مئات «السجائرْ»، ويقدمونها لكل زائرْ، حتى إذا بقيَ ثُلُثُ الليل الآخرْ، وورمت الشفاهُ والمناخر، نادوا بـ «الشيَشِ» والمباخرْ، وهم بين ضاحكٍ وساخرْ، وأمسوا يعبّون دخانَها، وينفثون أنتانَها، ولو أنك اطلعتَ عليهم في ذلك المكانْ، الذي أثَّرتْ فيه سُحُبُ الدخانْ، وشممتَ تلك الرائحة، وأبصرت تلك الوجوهَ الكالحة، لرأيتَ منظراً تَحاُر فيه العينْ، ويطربُ له غرابُ البينْ .قلت: كيف استوحلتَ في هذا الوحلْ، واستعضتَ عن الشهدِ بإبَرِ النحلْ؟ قال: الرفقة يابن أخي..الرفقة. لقد كنت أعجب من أهل السجائرْ، وأراهم عُميَ البصائرْ، حتى أغراني قوم بالسيجارة الأولى، فأصبحت بحبِّ الدخانِ مشغولا، وكنتُ كلما جادلتُهم في أمرِه، ساعياً إلى كشفِ سترِه، صاحوا بي: إنه سمْتُ العباقرة، ودأبُ الأباطرة، وبريدُ الإنجازْ، ودليلُ الإعجازْ، وكلما حدثتُهم عن أسقامِه، مؤكداً أسباب اتهامِه، هتفوا بي: بل هو سُّر الرشاقة، وسحرُ الأناقة، وإكسيرُ الرجولة، ووَقودُ الفحولة، وهكذا غدت السيجارة خير جليسْ، والفضل في ذلك لجنود إبليسْ. قال سهم بن كنانة: وشعرت أن الرجلَ صالحُ النشأة، لكنه انغمس في تلك الحمأة، ورُبَّ صالحٍ زلَّتْ به القدمْ، ومذنبٍ بادر إلى التوبةِ والندمْ، فقلت له: ألم تحاول إنقاذ نفسِك، والتحرر من قيودِ حبسِك؟ قال: لو فعلتُ لأصبحتُ بين أصدقائي كالغريبْ، ونظروا إليَّ نظر المستريبْ، وربما سمَّوني «المطوّعَ» و»الأديبْ»، فعاد أمري إلى الذلة، وطواني كهفُ العزلة، لقد نالني من أذى القومْ، فصرت أدخن أربعين سيجارة في اليومْ، تنقص ولا تزيدْ، وتشتعلُ حتى تبيدْ، وكنت كلما نابني خطبْ، أو مسَّني كربْ، فزعتُ إلى السيجارة، ولثمتها بحرارة، ثم عصرت في صدري تبغها «العريقْ»، وأنا أنتفض انتفاض الغريقْ، فإذا فرغت من التمتع برحيقها، والتلذذ بحريقها، اطفأتها أو دهستها، ولسان حالي يردد قول ديك الجن : روّيتُ من دمِها الثرى ولطالما روّى الهوى شفتيَّ من شفتيها! تباً لي! كيف استمرأت ذلك العبثْ، واستسغت ذلك الخَبَثْ، لقد كنت أعجب من عبادة الأصنامْ، والانقياد للخزعبلاتِ والأوهامْ، حتى رأيت صاحبَ الدخانْ، يقدسُ لفافة أنتانْ، يالله وللنهى، وسبحان من له المنتهى، كيف يُهلك المرء نفسَه، ويحفر بيديه رَمْسَه، كيف يتهافت على البوارْ، تهافتَ الفراشِ على النارْ، كيف يدمي رئتيه، ويشوي شفتيه، ويلوث أسنانه، وينفّر أقرانه، فيصبح كنافخ الكيرْ، لا حامل المسك والعبيرْ؟ أما نظرت إلى إهابه، ومراتب سيارته وثيابه، أتت عليها الخروقْ، وانتشرت فيها الحروقْ، أما نظرت إلى حيائه كيف قلْ، ووقاره كيف اختلْ، وهو يرمي أعقاب السجائر أينما حلْ؟ لقد استبدت بي الغفلة، فكنت كمن فقد عقله، أنفق في التدخين حُرَّ مالي، وأمثل أسوأ قدوةٍ لعيالي، ووصل بي الإدمان إلى انتفاض يدَيْ، واصطكاك ساقَيْ، وضمور وجنتَيْ، وكان بعض الفضلاء يفرُّ مني، أو تؤذيه رائحتي فيصد عني، وشعرتُ أني في ضياعْ، وصرت كالبضاعة التي لا تباعْ، بل تحولت إلى حرف امتناعْ، وضعفت قدرتي على الجماعْ، وكدت أختفي من نحولْ، ولم يبق مني إلا طلولْ . قال سهم بن كنانة: فلما بلغ صاحبي هذا الحد، لم أتمالك نفسي فهتفت: آمنت إيماناً لا تخامره الظنون، وأيقنت كما أيقن العارفون، أن من يشرح للدخان صدرَه، فقد سلم للشيطان أمرَه، بل هو فسلٌ لا يساوي بعرة، ثم تنبهت إلى سوء عبارتي فاستدركت قائلاً: رحم الله والديكْ، لا يصدق هذا الوصف عليكْ .صاح الرجل :لله أبوكْ، بل الصوابُ ما نطق به فوكْ، لكن الله سلمني من هذه الورطة، التي لا تنقذ منها دولة ولا شرطة، وعدت إلى الحياة بعد احتمال الهلكة، كما عادت إلى ماء البحر السمكة. قلت: كيف؟ قال: حاولت ترك الدخان فما استطعتْ، واجتهدت في تقليل تعاطيه فأخفقتْ، فنمت ليلة فرأيت شيخاً سيء الريحْ، ذا منظرٍ قبيحْ، لحيتُه كثة، وملابسُه رثة، لا يبدو عليه الوقارْ، وله أنيابٌ وأظفارْ، فكأنه من أهل النارْ، وإذا به يباغتني كالإعصارْ، ويمطرني بوابل من أحجارْ، فحاولت الفرارْ، لكنه تبعني بإصرارْ، ورشق أولادي الصغارْ، وبدا لي أنه غولٌ يريد قتلي، والتهامَ أبنائي وأهلي، وكنت ضعيفاً أمام بأسه، كعصفور يترنح في حبسه، واستيقظت من النوم فزعاً وأنا أغمغم :هو التدخين لا غيرْ، ومتى ظفر المدخنُ بخيرْ؟ قلت: وماذا بعد؟ قال: عدت إلى النوم، فرأيت أني في يوم عيدْ، والاحتفالات تملأ الحضر والبيدْ، وكنت لابساً ثوباً جديدا، ومعتمراً شماغاً فريدا، ولما حمدت الله على اللباسْ، وهممت بالخروج إلى الناسْ، شعرت أن في جيبي ورقة، كأنها لصِغَرِها علقة، ففتحتها فإذا مسطورٌ فيها هذه الأبيات : هيَ يا صاحبي ضياعُ الأمانِ *** واستعارُ الجوى وموتُ الأماني واصفرارُ الذبول يغشى المحيّا *** واختلاطُ الأشباهِ والألوانِ تقتلُ الطيبَ: طيبَ علمٍ وفضلٍ *** ثم طيبَ الشذى ورَوْحَ الجِنانِ هيَ يا صاحبي المصائبُ تترى *** من بلاءٍ ولوعةٍ وافتتانِ ثم تبقى مكبلاً وحسيراً *** وأسيراً لحزمة من دخان لا تجيدُ الحديثَ إلا سعالاً *** يتهادى على رفاتِ البيان يا صديقي فلتسمعِ اليوم نصحي *** أو ستردى في هوّةِ الإدمان ارمِها تائباً وأطفِ لظاها *** وأبدْها لفائفَ الشيطان استعنْ بالدعاءِ ما ضلَّ ساعٍ *** مخبتٌ في عبادةِ الرحمن أنت بالله أمةٌ من عطاءٍ *** أنت بالله واحةٌ من أمان انتفضْ يا أخي بعزمة *** حرٍّ هيَ أو أنت في غمارِ الطعان قلت: وماذا حدث بعد ذلك؟ قال: تركت هذا البلاء، بلا تدرج ولا دواء، واشتغلت بالصلاة والذكر، ورياضة البدن والفكر، وصاحبت ثلة من ذوي الألباب، والكرم اللباب، والدعاء المستجاب، فنالني منهم عبير الورد، وأريج الند، واكتشفت كذب «العراقة»، وزيف الدعاوى البراقة، وعادت إليّ «الطاقة»، وعوفيت من الحماقة، وكنت «مُعسِرَ بن مسحوقْ»، فأصبحت «مُوسِرَ بن مرزوقْ»، وعزمت على مناصحة المبتلى بهذه السموم، فإن ارعوى وإلا هجرته هجر المجذوم. قال سهم بن كنانة: هلا أخبرتني من تكونْ، فإنني بك اليوم مفتونْ، قال: أنسيت من صحبك صغيرا، وحفظ ودك كبيرا؟ قلت: العزاز أبو نصرْ؟ فصاح: نعم والذي فلق العصر، فاستلمت عمامته، وطفقت أقبل هامته، ثم شكرت فضل ربي، وأنا أردد قول المتنبي: على قدرِ أهلِ العزمِ تأتي العزائمُ وتأتي على قدرِ الكرامِ المكارمُ.. وتعظُمُ في عينِ الصغيرِ صغارُها وتصغُرُ في عينِ العظيمِ العظائمُ.
Copyright reserved
The book cannot be previewed or downloaded in order to preserve the copyright of the author and publishing house
Not available digitally or on paper through the Noor Library, it is for rating and review
Be the first one to Rate, Review and Quote from the book
Be the first one to Rate, Review and Quote from the book
E-books are complementary and supportive of paper books and never cancel it. With the click of a button, the e-book reaches anyone, anywhere in the world.
E-books may weaken your eyesight due to the glare of the screen. Support the book publisher by purchasing his original paper book. If you can access it and get it, do not hesitate to buy it.
Publish your book now for free
We require cookies for this site to function. Please enable them to continue.
نحن نظهر لك هذه الرسالة لأننا نحترم خصوصيتك.
By using this website, you consent to us collecting cookies to provide you with a better user experience,
more details.
You cannot browse the site since you refused the use of cookies, as the site relies primarily on them to work.
Intellectual property is reserved for the authors mentioned on the books and the library is not responsible for the ideas of the authors
Old and forgotten books that have become past to preserve Arab and Islamic heritage are published,
and books that their authors are accepted to published.
The Universal Declaration of Human Rights states: "Everyone has the right freely to participate in the cultural life of the community, to enjoy the arts and to share in scientific advancement and its benefits.Everyone has the right to the protection of the moral and material interests resulting from any scientific, literary or artistic production of which he is the author".