غير متوفر وصف له.
رواية «الكونتيسة» للروائي المغربي مصطفى الحمداوي، عن دار الفاصلة للنشر عام 2019، نص من 314 صفحة من الحجم المتوسط.
لعل التصور الأول الذي يسيطر على القارئ وهو يبدأ قراءة رواية «الكونتيسة»؛ أن الكاتب يستحضر الأسطورة الشعبية «عيشة قنديشة» وما تناسل حولها من محكيات، أو يعيد بشكل من الأشكال أو بصيع من الصيغ سرد حكايتها أو الاستناد إليها كواقعة خيالية لبناء النص الروائي في مساحة من التصورات العجائبية التي تتماشى مع ما تختزنه المخيلة الشعبية المغربية عن أشهر شخصية خرافية (جنية) تعرف بجمالها الفتان وإغرائها الذي لا يقاوم. لا شك أن هذا الإيهام سيرافق القارئ في الفصول الأولى من الرواية، إلا أن ذلك لن يطول بعدما سيتبين له أن استدعاء الكاتب لشخصية عيشة قنديشة أو القديسة أو الكونتيسة ما هو إلا توظيف أدبي لرصد جوانب الحياة الإنسانية الواقعة بين الواقع والخيال، وتأثير التصورات الخيالية واعتقادات الإنسان الخرافية على حياته ومساره، ونزوع هذا الإنسان إلى قيم الجمال والفن بحثا عن المفتقد والضائع في عالمه الموضوعي.
يعد الحدث الرئيس في الرواية هو انتقال الشخصية المحورية سمير (مهندس زراعي) إلى إفران قصد معالجة أشجار غابات الأطلس من الدودة الجرارة عن طريق التطهير الكيميائي. وفي طريقه إلى عمله فجرا توقفه في منعرج طرقي -قريبا من أزرو- امرأة ذات جمال يصفه بـ"جمال جحيمي ماحق". تركب إلى جواره دون أن يتبادلا أي كلام، ثم تطلب منه بالإشارة التوقف في مكان محدد، ويتكرر هذا الحدث مع سمير. يقع البطل تدريجيا في حب تلك المرأة المجهولة والتي تشبه إلى حد ما امرأة تجسدها لوحة فنية معلقة على حائط وراء كونتوار حانة الكذابين (حانة الأطلس). وكان صاحب الحانة السيد موحا يعتاد أن يجلس قبالتها متأملا فيها بشغف واضح، معتقدا أن اللوحة تجسد صورة «الكونتيسة كارولين أودران»، التي رسمها في شبابه فنان تشكيلي يسمى جمال المشرقي. تعد هذه اللوحة في النص الخيط الرابط بين كل أحداثها. وترى فيها كل شخصية صورة لحبها الضائع: مالك الحانة السيد موحا، ومايكل ماسون والفنان جمال المشرقي الذين تعلقوا بحب “كارولين أودران”. أما كريم الرغاي الفنان الموسيقي فيرى فيها صورة عشيقته “مارتا” التي انتحرت. ويرى فيها المهندس سمير صورة تلك الفتاة الجميلة التي صادفها في طريقه نحو أزرو، وتعلق بها وأحبها ثم فشل في الاقتران بها. وكل هؤلاء الأبطال فشلوا في تجاربهم العاطفية، لأنهم ارتبطوا بالوهم لا بالحقيقة.
يرتاد سمير تلك الحانة كل مساء مما أتاح له فرصة التعرف على زبائنها وزوارها، وكل ما يروج من أقاويل حول الكونتيسة ، مما جعل البطل يربط ما يسمع حولها بتلك المرأة التي صادفها في الطريق، فيحتار في أمرها ويتولد لديه قلق السؤال وفضول المعرفة، بناء على الإيحاء الذي يصور له أن المرأة التي في اللوحة هي عائشة القديسة التي التقاها في طريق الغابة، والتي تعرف في المتخيل الشعبي بعيشة قنديشة. فيتناسل الحكي وتتشابك الوقائع من خلال ما يشاهده أو يتصوره البطل أو من خلال ما يلتقطه مما تحكيه الشخصيات الأخرى، فيتأرجح ما بين الواقع والخيال، وتتظافر الوقائع متخذة منحى غرائبيا، خاصة عندما يكتري البطل المحوري بيتا يشاع عنه أنه بيت مسكون بروح الكونتيسة كارولين أودران، حيث كانت تسكن فيه خلال إقامتها بإفران. ويتلقى البطل رسائل من مجهول مختومة بحرف C، فيزداد توجسه وقلقه، وشعوره بمواجهة عوالم غريبة، رغم محاولته عدم تصديق كل ما يصادفه إلا أن عامل الإيحاء يؤثر على تصوراته فتتجه دائما نحو منحى يتعلق بالخرافة.
ويعد فضاء الحانة مسرحا تنكشف فيه الشخصيات المتنوعة (ذات جنسيات مختلفة) تستدعيها الرواية فتنفضح تدريجيا انتماءاتها الاجتماعية وبنياتها السيكولوجية. وتلعب الشخصيات دورا مهما في تأثيث حكايات موازية مع الحكاية الرئيسة، وتتقاطع معها دلاليا.
رواية «الكونتيسة» نص مخاتل، ينطلق من الخيال والعجائبي والغرائبي في مسار له صلة بمرجعية أسطورية، ليؤسس بنية حكائية تتجه نحو الأمام فيما يشبه الانكشاف وانجلاء الغموض، وفي السياق الموازي؛ تنكشف عوالم النفس الإنسانية وخفايا أعماقها.
نص يحاول أن يصور لنا أن العوالم التي تبدو مخيفة وغريبة قد تصبح مألوفة إذا استندت إلى تفسير منطقي واقعي. حيث إن التفسير الخرافي والأسطوري، يعوض التفسير المنطقي الذي ينبني على المعرفة، والمعرفة ضد الخرافة.
رواية تعتمد على تيمات بارزة في النص: الحب والفن والجمال، وتجليات العلاقة بين هذه القيم التي تسيطر على حياة الإنسان من حيث يعلم أو من حيث لا يعلم.
رشيد أمديون
22 شتنبر 2021
نحن بحاجة لملفات تعريف الارتباط لكي يعمل هذا الموقع. يرجى تمكينها للمتابعة.
نحن نظهر لك هذه الرسالة لأننا نحترم خصوصيتك.
بإستخدامك هذا الموقع أنت توافق لنا على جمع ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لتقديم تجربة مستخدم أفضل،
المزيد من التفاصيل.
لا يمكن تصفح الموقع طالما رفضت استخدام الكوكيز لأن الموقع يعتمد عليه بشكل أساسي للعمل
الملكية الفكرية محفوظة للمؤلفين المذكورين على الكتب والمكتبة غير مسئولة عن افكار المؤلفين
يتم نشر الكتب القديمة والمنسية التي أصبحت في الماضي للحفاظ على التراث العربي والإسلامي
، والكتب التي يتم قبول نشرها من قبل مؤلفيها.
وينص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه "لكل شخص حق المشاركة الحرة في حياة المجتمع الثقافية، وفي الاستمتاع بالفنون، والإسهام في التقدم العلمي وفي الفوائد التي تنجم عنه. لكل شخص حق في حماية المصالح المعنوية والمادية المترتِّبة على أيِّ إنتاج علمي أو أدبي أو فنِّي من صنعه".