English  
  تفاجأ عمر بدخول الوالد، تلعثم وهو يحاول الرد، لكن الأب استرسل وقال: - لن اضغط عليك لأجعلك في موقف تكذب فيه على والدك، فأنت تشبهني لا تجيد الكذب، لهذا انس امر حماسك وانس امر القطة... واعلم يا بني أن الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة، فتخيرها طيبة، ولا تعجبنك خضراء الدمن، حاذر مواضع قدميك، وإني لأعلم خطواتك من غير تتبع لك ولا رصد، فعيونك كلماتك، وتصرفاتك كتاب مفتوح لي، اعلم به هل هذا كتابي الذي ألفته وربيت، أم هو كتاب آخر قد زور الشارع معانيه وحور... - وكيف تجد الكتاب هذه الأيام يا والدي؟ - تكاد بعض أوراقه تتمزق، هناك رياح فتنة تجتاح صفحاته، وماء شهوة يكاد يغير معاني الكتاب السامية، لكني على ثقة بالكتاب، وعلى ثقة بعمر ابني... حياتك هذه تصرف بها بما شئت، قد ربيتك مذ كنت صغيرا، وأرشدتك كبيرا، وها أنا ذا أذكرك وأنت في سن الثلاثين، فاختر طريقك بنفسك. - ستفتخر بي أبي أعدك، وسأصلح ما أخطأت يداي. - ستفعلها بني، ولن أهد جسر الثقة بيني وبينك أبدا، في رعاية الله، ولا تنس إكرام القطة، فهي ضيفة لا أراها ستطيل المقام، وقم غدا بالمرور على السيد سعدان فقد عاد الى مناطقنا، واتخذ من ساحة المسجد ملاذا. قالها الشيخ وهو يبتسم، واتسعت عينا عمر، فأبوه كأنه مقيم في قلبه، ومتكئ فوق آرائك دماغه، يحيط بما يفعله من غير ترصد ولا مراقبة، فراسة الوالد كانت قوية، ولطالما توسل عمر أباه بالبوح بكل ما يجول في عقله الثاقب، لكن الوالد كان يأبى البوح، بحجة أنه لا يريد أن يظلم أحدا، هذا التريث وهذا التردد، كان يراه عمر جمودا وإجهاضا كبيرا للفكر الرصين الموازي للدين ، المفحم للمتربصين الذين يتربصون بالثغرات ويعزفون على النعرات والتفرقة، كان عمر ينتقد نقدا لينا هذا الانتظار، الذي وضع فيه فقهاء كمثل أبيه أنفسهم فيه، فيما العالم من حولهم يفكر ويبدع، ويكتب كل ما يعتمل في الصدور، كان الشيخ خالد يستحسن هذا النقد البريء الهادف، لكن من غير أن يتبناه، بل كان يقول لابنه: - هذا جيلكم جيل المعرفة الفياضة الخلابة، المعرفة المارقة الحراقة، وإنا نحن جيل رباكم، توارثنا على الأجيال التي سبقتنا الحفاظ والمحافظة على ثوابتنا بالشد عليها بالأيادي، بالنواجذ، فإن كانت نواياكم خدمة لهذا المبدأ، ووجدتم أن غير النواجذ والأيدي تجدي نفعا في الحفاظ على تلك الثوابت في النفوس، فتلك طريقكم اجتهدوا فيها، وهاذي طريقنا التي عليها تعلمنا ونُعلم، ولكل امرئ ما نوى، فقط الثوابت، الثوابت، لا تتركوها ولا تفرطوا فيها قيد أنملة.  
صفاء وهناء
عرض المزيد