English  

الاشمونين المدينة النموذجية الخضراء

د كرستينا 01 مارس 2026

( تقييمي للكتاب
  )

الأشمونين المدينة النموذجية الخضراء... حينما تتحوّل الحضارة إلى مستقبل أخضر
من كتاب إلى آخر، تُسطّر الدكتورة كرستينا عادل فتحي فصولاً جديدة من رؤيتها المتكاملة للتنمية المستدامة في صعيد مصر، مستلهمة من التاريخ، ومسترشدة بالعلم، ومُحركة بأمل التغيير. فبعد أن أهدتنا في عام 2022 كتابها الرائد "التنمية السياحية المستدامة لمسار رحلة العائلة المقدسة بمحافظة المنيا"، والذي سبقه كتاب "حماية التراث والتنمية المستدامة لقرية دير جبل الطير"عام 2020, يأتي كتابها الثالث "الأشمونين المدينة النموذجية الخضراء" ليُكمل هذه السلسلة المتناغمة من الإسهامات التنموية التي ترتكز على خصوصية المكان، وثراء التاريخ، وطموحات المستقبل.
من التاريخ إلى الرؤية... الأشمونين تُبعث من جديد:
في مقدمتها العميقة، تسلط الكاتبة الضوء على مدينة "هرموبوليس ماجنا"، أو الأشمونين، التي كانت ذات يوم منارة حضارية تضج بالمعرفة والقداسة، وكانت مركزًا ثقافيًا وروحيًا في مصر القديمة. واليوم، تنطلق منها رؤية طموحة تُحوّلها إلى مدينة نموذجية خضراء، تعكس تطلعات التنمية المستدامة في قلب الصعيد.
هذه الرؤية لا تكتفي باستعادة أمجاد الماضي، بل تسعى إلى إعادة صياغة الحاضر، وصناعة مستقبل أفضل، حيث تتكامل مفاهيم الذكاء الحضري، والتكنولوجيا النظيفة، والبنية التحتية الذكية، مع ضرورة إشراك المجتمع المحلي وتمكينه.
المدن ليست حجارة... بل أحلام قابلة للتحقيق:
يرتكز الكتاب على مبدأ أن المدن لم تعد مجرد تجمعات سكانية، بل كيانات حيّة تعكس طموحاتنا الجماعية. ومن خلال فصوله الثلاثة، يبني العمل نموذجًا فكريًا وعلميًا متماسكًا، يبدأ من تأصيل المفاهيم الأساسية للمدن الذكية والخضراء، ويمر برحلة عبر عبق التاريخ الأشموني، ليصل إلى رؤية تنموية شاملة ومُقترحة، قابلة للتطبيق العملي على مدى عشر سنوات.
من خلال آليات تنفيذ الأبعاد الثلاثة للاستدامة منسوجة في سياق علمي مدروس، يعتمد على مسوحات ميدانية، ورصد للوضع الراهن، وتقييم شامل لكافة جوانب قرية الأشمونين الأثرية، منذ عام 2014 وحتى الآن.
من التخطيط إلى التنفيذ... خريطة طريق نحو الأمل:
هذا الكتاب لا يكتفي بوصف الماضي العريق لمدينة الأشمونين، بل يرسم خريطة طريق لتحويلها إلى مدينة خضراء نموذجية، تجمع بين عبق التاريخ وحداثة التخطيط، بين إرث الحضارة وقوة الابتكار.
ففي الفصل الثالث من الكتاب و هو المحوري، تضع د. كرستينا أدوات التنفيذ بين أيدينا، عبر خطة تنموية متكاملة تُراعي الخصوصية الثقافية والجغرافية للمنطقة، وتُحاكي أفضل الممارسات العالمية في التنمية المستدامة من خلال اتخاذ خطوات استياقية مدروسة تبدأ من بالمسح الشامل للمنطقة الأثرية وتقسيمها إلى مواقع عمل، وهو ما يعكس فهماً عميقاً لأهمية العمل الميداني الدقيق كأساس لأي تطوير حقيقي. يلي ذلك تشكيل لجنة علمية متخصصة لدراسة تقارير البعثات الأثرية السابقة، مما يضمن البناء على المعرفة التراكمية بدلاً من البدء من الصفر.
تخطيط مستدام لا يغفل المجتمع المحلي-بل توصي بدمج المجتمع المحلي في دورة التنمية، وتوفير فرص اقتصادية : فالمجتمع المحلي في الأشمونين ليس فقط مستفيدًا، بل شريكًا فاعلًا في عملية التحول. الخطة تتضمن مراحل متكاملة لإشراك السكان، بدءًا من تأهيلهم نفسيًا وثقافيًا لقبول متطلبات التنمية، مرورًا بتوفير مصادر دخل مستدامة مرتبطة بالتراث، وصولًا إلى تعزيز الوعي البيئي والحضاري.
حماية المنطقة الأثرية… حماية للهوية: وضعت الكاتبة إجراءات صارمة لحماية المنطقة الأثرية من التعديات والإهمال، إدراكًا منها أن الحفاظ على التراث ليس ترفًا ثقافيًا، بل أساس لبناء اقتصاد محلي قائم على السياحة المستدامة والمعرفة.
تطوير البنية التحتية والمرافق الخضراء: فلم تغفل الخطة تطوير البيئة العمرانية، حيث تقترح الكاتبة إنشاء بنية تحتية خضراء، مع تنظيم خطوط السير داخل المنطقة الأثرية، وتحسين الوصول إليها. كما تم تقديم مقترح خاص بتطوير منطقة البازيليكا والمحيط الأثري لها، بما يُعزز من قيمة المكان دون المساس بأصالته.
رؤية عشرية قابلة للقياس والتطبيق: واحدة من أبرز ما يُميز هذه الرؤية هو الطابع العملي والمرحلي للخطة، التي تمتد على مدار عشر سنوات، مع تحديد مسارات تنفيذ واضحة، تُمكن صناع القرار والمخططين من تتبّع الأثر وقياس التقدم.
يُقدّم الكتاب خطة استراتيجية واضحة لتحويل الأشمونين إلى مدينة خضراء نموذجية، من خلال محاور متكاملة تشمل على الاقل إعادة إحياء المنطقة الأثرية عبر حفريات علمية منظمة، و خلق مسار سياحي متميز يُعيد للأشمونين مكانتها.
إلهام القادة وصناعة التغيير:
هذا العمل ليس فقط بحثًا أكاديميًا، بل هو دعوة صادقة ومُلهمة لصنّاع القرار، والمخططين الحضريين، وكل من يحمل همّ التنمية المستدامة في مصر. إنه مرآة تعكس كيف يمكن لموقع أثري أن يتحول إلى منارة للمستقبل، دون أن يفقد هويته أو يتخلى عن تاريخه.جهد فردي بروح جماعية: شغف د. كرستينا الذي صنع الفارق:
ما يميز كتاب د. كرستينا ليس فقط الرؤية الشاملة، بل شغفها الصادق بإحياء قرية الأشمونين، واستغلال كل ما تملكه من إمكانات مادية وبشرية وتاريخية في سبيل النهوض بها. هذا الشغف هو ما يدفعها لدمج المعرفة الأكاديمية بالميدان، وللإيمان بأن التنمية الحقيقية لا تأتي من الخطط الجاهزة، بل من الانصات لصوت المكان وسكانه، وتحويل التحديات إلى فرص.
رؤيتها للأشمونين تُجسّد نموذجًا نحتاجه بشدة في كل بقعة من أرض مصر: أن نصون ما نملك، ونتطور دون أن نُفرط، وأن نبني المستقبل بأدوات الماضي والحاضر معًا.

عرض المزيد