يا رباح ، منذ تركنا المدرسة ، بدأت رحلتنا باتجاه الرصاص ، نحن لم نتركها في الحقيقة ، بل هي من تركتنا ، فلو كانت المدرسة باحة جميلة وخلابة واساتذتها طيبون للغاية ما تركناها أبدا ، بل هي من تركنا ، نعم نحن تمكنا من الهروب عنها وظفرنا بالنجاة ، وإلا فليس من المعقول أن يهرب أحدنا عن جنته ، أو موطن رفعته ، المدارسُ مصانعُ النور في الحقيقة ، لكن بعضها مصانع للبطش والارهاب والضرب المُبرح ، تأتيك العصا دون أن تدري في أي موضع من جسمك على قفاك أو مؤخرتك أو باطن كفك أو على هامة رأسك ، وان سقطتَ فاقدا للوعي ينقلونك للإدارة ، وعندما تنتبه يتحول المعلم الى أبٍ ثانٍ يتودد اليك ويرجوك وقد يبكي أحيانا ، فيسرق من عمرك عاما آخر ، مرة ضرب المعلم عباس الشاطر لأنه اعترض على طريقته ( انت من يعلمني أم أنا .. طررررراخ ) طُبعت اصابع المعلم على خد عباس ، من يومها تحول من الشاطر الى ( عباس الغبي ) ، أنت يا رباح .. هل تتذكر لحظة تركك للمدرسة ؟ أنا أتذكرها جيدا ، نعم وقتها كنتَ ناعما بجسدٍ نحيلٍ ، ورأسك الصغير لا يتوقف عن الحراك وبشرتك السمراء التي اصطبغت بقسوة الشمس نتيجة مرافقتك لأبيك في حقل الحنطة ، وها أنت تقع بين يدي ( استاذ جاسم ) ، هو بالأصل ( جاسم ) لكن لفظة استاذ اقترنت باسمه بمجرد انه دخل غرفة المعلمين ، بل حتى انه (جويسم ) بأعراف قريتنا ، يقال إنه اجتاز المتوسطة في امتحان ( الخارجيين ) ثم بعدها دخل معهدا مسائيا نجح فيه بعد أن تبنى تخرجه استاذ بمقابل بسيط ، ليتم تعيينه ( معلما ) في مدرسة القرية الوحيدة ، وها أنت تقع بين يديه ، ولازالت عربدته وخطاباته لك ترن بأذني الى اليوم ( انت مطي شنو ؟ معقوله اهلك بس يعلفون عليك ، ماعلموك ، ما درسوك ، ما حلوا التمارين الك ، ما تابعوا واجبك البيتي ، ما ... ما ....) حينها اغاضتك لفظة ( مطي ) فقلتَ له بلسانك المتواضع وصوتك الناعم ( أذا اهلي يعرفون كل هذا ، شنو فايدة المدرسة استاذ ؟؟ ) لكن تلك العبارة اثارته جدا ، ما اضطر ( استاذ جاسم ) ليرد عليك بصفعة على خدك الايمن سمعنا رنتها جميعا بل وسمعها ( فراش المدرسة ) الذي هرع نحو باب الصف متفرجاً ، ثم ماذا ؟ لم يكتفي استاذ جاسم حينما رآك وقد استدارت بك الدنيا ركلك بقدمه لتقع على حافة الرحلة المكسورة ويغمى عليك ورأسك الصغير بحضني الذي شهدت امتلاءه بدمائك ونشيجك ، وأنا المعتاد دائما على احتضان رأسك ، كلما هويتَ أو سقطتَ ، لكني لم أشهد سقوط رأسك الاخير ، أتذكر أيضا إن والدك عندما اتصل به المدير حينها حضر غاضبا وقال بالحرف الواحد ( المدرسة اللي يدرس بيها جويسم .. ما نريدها .. هذي مقصلة وليست مدرسة ) واصطحبك خارجا ورأسك ملفوف بردن قميصك ، ناهيك أيضا عن كون المدرسة محلا لفتح النفس وترويحها وأنت تدخل فصلك وليس فيه مروحة سقفية على الاقل ، أو تنزوي تخبئ رأسك في حضنك هربا من البرد القادم من شباك مهشم النوافذ ، بينما تقضي دقائق الفرصة في ساحة يثار فيها التراب بفعل الركض والعراك بيننا .
نحن بحاجة لملفات تعريف الارتباط لكي يعمل هذا الموقع. يرجى تمكينها للمتابعة.
نحن نظهر لك هذه الرسالة لأننا نحترم خصوصيتك.
بإستخدامك هذا الموقع أنت توافق لنا على جمع ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لتقديم تجربة مستخدم أفضل،
المزيد من التفاصيل.
لا يمكن تصفح الموقع طالما رفضت استخدام الكوكيز لأن الموقع يعتمد عليه بشكل أساسي للعمل