إذا كانت مقولة "الإبداع بديل عن الانتحار" حاضرة في وجدان الأدب الإنساني بصفة عامة، فإنها أضحت أكثر حضوراً وتجلياً في عصرنا هذا، حيث ينسحق الإنسان تحت وطأة الرأسمالية المتوحشة من ناحية، ومن ناحية أخرى تتكالب على المبدع جملة ظروف ضاغطة اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية، فضلاً عن الشتات والقلق المسيطرين في رحلة البحث عن الهوية، والصراع الذي يُخرج الكاتب من دائرة التأمل إلى التشظي واللهاث بحثاً عن واقع أفضل وحياة أهدأ، وعلاقات إنسانية أكثر ثباتاً ورسوخاً في دائرة الوضوح والخير المُبتغى، غير أن كل هذا الأمل يتلاشى في ظل اللهاث المادي المحموم، وهيمنة الشر والتناقضات والانتكاسات الماثلة بسبب ضبابية الرؤية، واضمحلال مساحة الهدوء المُرتجى، فلا يكون للمبدع سوى كلمته التي يشكل بها معبرا بين عالم مُهترىء وواقع مأمول.
من هنا جاءت مجموعة "غير المغضوب عليه" لعلاء البربري بديلاً وارفاً عن الصمت، ومرتكزاً لخطوات نحو أفق أرحب، عبر قصص قصيرة جداً "شكلاً" لكنها طويلة مضمونأً وثرية بما تحمله من رموز ورؤى ومواربة وإقدام ونكوص، وفضح لقبح الواقع، وصراخ هادئ، لكنه موار وصاخب، وفي غير موضع بدت القصص القصيرة جدا أشبه بومضات كاشفة للهم الإنساني العام انطلاقاً من الشجن الذاتي والأحاسيس الخاصة، وتجلت الرمزية في سرد مكتنز ولغة محملة بالوجع من ناحية، ودلالات موارة بالثورة والتمرد ولغة الرفض لتناقضات الواقع من ناحية أخرى.
ولأول وهلة يفصح علاء البربري عن كنه مشروعه القصصي في هذه المجموعة، فبدءاً من عنوانها " غير المغضوب عليه" يتناص مع النص القرآني المقدس، لكن العبارة المشتقة من أول سور القرآن الكريم، جاءت أشبه بفاتحة لإثبات حضور الألم، فالمغضوب عليه توزع على أكثر من 18 قصة قصيرة جداً، وبدا شاخصاً في لحظات النكوص والإقدام " كما في "قصة منسية" ص 15، وقصة "المريض" ص 20، و"حديث ودي"31"، ونكد زوجي " ص 104، لكن الوجع والغضب والكمد والتناقض والنكوص والشجن والرغبة المختنقة تبلغ ذروتها في قصة "غضب مزدوج" حيث تلخص حالة اشتهاء الأنثى لكن ما إن سنحت فرصة الذوبان في جسدها، تراجع بطل القصة طالباً من أنثاه أن يأتي بشاهدين على اقترانهما حتى يتمكن من مضاجعتها تحت ستار السلام النفسي والاطمئنان بأنه لم يقترف علاقة محرمة معها " .... قلتُ أنا مسلم، والزنا عندنا شيء خطير، يمكننا أن نتزوج الآن، وببساطة فقط البواب يحضر شاهداً غيره، وأسلمكِ مبلغاً كمهر، وتقولين إنك موافقة على الزواج وانتهينا" ... لكن الأنثى المُشتهاة تشبه الدنيا المخادعة في هذه اللحظة الفارقة، وتعكس تناقضات الحياة وخذلانها " بعد العقد الشفاهي وعندما كانت أنفاسنا تتلاحق من جديد همستْ في أذني بكلمات لم أتبينها جيداً، لكنني لاحظتُ فوطة صحية تخرج من بين فخذيها، لتستقر بجانب جوربي"، .. وهنا تأتي خاتمة القصة مُحمّلةً بمجريات الصراع المشتعل في الذات " لأول مرة أحس بأني أغضبتُ الله والشيطان معاً".
إن "المغضوب عليه"، ليس مجرد عنوان للمجموعة القصصية، بل هو وجه الحياة بقسوتها وضغطها على الذات الحالمة، وهو المعادل الموضوعي للأمل والألم والحلم المبتور والخطوات التي تتلمس الطريق فلا تجده، والعيون التي تبصر في الظاهر لكنها عمياء في الباطن.
وإذا كان البربري جعل "غير المغضوب عليه" صورة لجميع "المغضوب عليهم" بسبب البحث عن الحلم والوعي والرقة والقبض على الأمل، فإنه كشف عن صرخة هائلة في إهدائه الذي تصدّر المجموعة" إليَّ أنا الذي حاولتُ طول حياتي أنْ أعرفني، فلم أستطع، إلى صفحة الماء التي نظرتُ إليها عن طريق الخطأ". هذه الصرخة التي تشير إلى الوردة من دون أن تلمسها، وتلمّح بأوجاع الذت المجهولة بلا تصريح، وتفتتح علاقة حميمة مع مفردات الوجود من غير إبحار في جوهرها، فالصدود يُباغت النفس الحالمة، والخطأ أو "التخطيء القسري" نهاية حتمية في هذا الواقع البليد المعتم.
شعرية القصة
إذا كانت القصة القصيرة الابن الشرعي للشعر، فإن علاء البربري تماهى بصورة كبيرة مع الشعر وتقاطع مع بنيته في مجموعته "غير المغضوب عليه"، وبدت الكثير من نصوص المجموعة أقرب ما تكون إلى قصائد نثر، وجاءت الرؤية الكلية وتجليات السرد الأسلوبية والبناء اللغوي والصورة الجزئية والكلية مشتبكة مع بنية الشعر الحداثي، لكنه في النهاية لا يتخلى عن "كنه القصة القصيرة ومقوماتها"، ولعل العين الراصدة لا تنكر مقدرة القاص الجلية على التعبير اللغوي الذي يجمع فيه بين رهافة السرد والحبكة المدهشة، وصولاً إلى أعلى درجات الحساسية السردية والشعرية في آن، ولعل ذلك يتجلى في قصة "يسكن في سحابة" ص 96، والتي تفتح أفق التأمل على الحلم والالتصاق بالذات:
أنا الرماديُّ الساكن في سحابة
وحدي أقاوم سقوط المطر
وأنا المنهمر على ذات مشبعة بالعذاب .. أكلم نفسي وأواعدها فلا نلتقي.
ورغم المآخذ على "شعرية القصة" لدى الكثير من النماذج القصصية المتماهية مع الشعر، وتحديدا "قصيدة النثر"، جاءت شعرية السرد في مجموعة "غير المغضوب عليه" متكئة على سمات أسلوبية جعلتها واقعة في منطقة وسطى بين الشعر والسرد، لكنها تنطوي على مقومات القصة بصورة أكبر من انتمائها للشعر، ومن هذه السمات:
1-الحكاية المقتضبة والسرد المكتنز.
كما في قصة الربع الخالي ص 107 " الجوع ينتهي بالشبع، والحب لغز بعيد، .. أعدو وراء لغة لا يتكلمها أحد كي نتفاهم"، ثم يأتي السرد المكتنز ليصنع دائرة تبدأ من قصة "نكد زوجي" ص 104 .. "الورقة التي كانت ملقاة على الأرض .. الأرض التي كان عليه أن ينظفها جيداً قبل وصولها.. وصولها الذي زاده هماً على هم" ..وتنتهي عند قصة "ثلاثة" ص 116 والتي تجسد حالة شعرية سردية مساحة المسكوت عنه فيها أكبر بكثير من المحكي على الورق " في هذه اللحظة والشمس تغيب، أريد امرأة فاجرة في العشق لا في الخصومة، امرأة لا تنتظر غياب الشمس كي تقف أمامي، ثم ترمي بعريها على جنوني.
2- القبض على الواقع ومزجه بالأسطورة
وبينما أنسن السارد الأشياء وتوحد معها، جعلها تنطق بتفاصيل الواقع ومجريات الحياة، ولعل أسطرة الحياة هنا وسيلة مراوغة بالسرد القائم على الحساسية العالية للغة، والصانع لبنية موسيقية موغلة في الشعر والخيال الأسطوري، فالنوم يتكلم ويشرب الشاي كما في قصة "الهارب" ص 8، والوحدة كائن حي وشريك حياة، كما في "سيدتي الوحدة ص 12، أما الكوابيس فهي كائنات حية لمعتقلين وجرحى وشهداء، " قصة منسية " ص 15، لكن أروع ما في هذه القصة "اليد التي تحدثت حديث المُواسي على قلة حيلته وعجزه".
وحينما يقصر الكلام عن توصيل دلالات القهر والألم والكبت والخذلان، تنطق الحروف بالهم الإنساني وتترجم أحزانه وآماله وآلامه " قال صاد يوماً لسين: لماذا لا تُغطي سوى نصفك العلوي؟ .. رد سين وهو يهتز ويصعد باهتزازاته: أنت صديق عمري، لماذا تسأل الآن بالذات؟ .. " قصة "الجائزة 99" ص 23.
3- تشكيل حالات التكثيف والإيجاز والإحالة على الواقع برمزية تنطلق من النص إلى عوامل ماثلة خارجه.
فالسارد هنا يؤنسن الكائنات والأشياء ويتحاور معها، ويستأنسها ليرمز بها إلى حالة التمرد والتوحد مع الذات انطلاقاً نحو تفاصيل وجودية وقضايا مجتمعية، وتبدو القصص القصيرة جداً أشبه بوسيلة شحن للجسد والروح، وجاءت العبارات القصيرة المكثفة دالة وموجزة تعبيراً عن الضيق بالحال والضجر من الظروف وتجسيداً للصراع النفسي والوجودي.
وبدت حالة التكثيف والإيجاز في قصة " فأر جميل" ص 26 حيث يرمز الفأر لصراع من نوع خاص بين الحب والخوف والظلم والعدل والشر والخير، تماماً كما يتحدث المطر عن معاناته، وكما كان الضجر حكيماً فلم ينفجر ولم يوص حتى بزجاجة نبيذ" ص 31، وفي قصة "لعنة" ص 41 يتحول "السيد صفر" إلى فزاعة وهمية ترمز إلى حياة موازية خارج النص، فهذا الذي يرى ما لا يراه الآخرون لابد أن وراءه حكاية أخرى مسكوت عنها، ومتروكة للمتلقي لتخيلها.
التناص مع القرآن
مثلما جاء عنوان المجموعة مشتقاً من فاتحة الكتاب" غير المغضوب عليه"، اشتملت الكثير من القصص في جزئها الأول على عبارات تتناص مع آيات قرآنية، ومن ذلك " قبضتُ قبضة من أثر الرسول" ص 72 ، وهي العبارة الواردة في الآية القرآنية " قال بصرتُ بما لم يبصروا به، فقبضتُ قبضةً من أثر الرسول فنبذتُها وكذلك سولت لي نفسي" ، " الآية 96 سورة طه"، ومن هذه الآية أيضاً جاء قول القاص " بصرتُ بما لم تبصر به" ص 71 ، لكن يلاحظ هنا أمران:
الأول: أن التناص مع القرآن جاء لخلق حالة روحانية تتماشى مع الشجن المسيطر على النص، والرغبة في تبرير الفعل الأسطوري بالالتصاق بالمقدس والغيبي.
الثاني: كسر نمطية السرد المعتاد، وخلق بنية حداثية مضفرة بلغة تتماس مع أجزاء بعينها من النص القرآني في دلالة على التماهي مع حالة كشف الحجب والإيغال في أسرار النفس في إقدامها وإحجامها وأفراحها وأتراحها وتمردها وسكونها.
توظيف العبارات
القاص متمكن من لغته، وجاءت قصص "غير المغضوب عليه" على درجة عالية من المهارة اللغوية سرداً وبناءً وبلاغة، وخلت من الترهل والسيولة غير المبررة، فكل عبارة موظفة بصورة جيدة وخادمة للفكرة الكلية والجزئية، غير أن المجموعة لم تخل من الهنات .
بقي ان أقول: إن المجموعة القصصية " غير المغضوب عليه" صرخة هائلة في وجه الركود والتخاذل عن نصرة روح الإنسان الباحث عن كينونته في وسط الصراخ والفوضى وغياب العدالة، إنها سردية قائمة على الحب الوجودي، وفلسفة التأمل الهادئ، الذي يجعل الإبداع القصصي أقرب إلى همسات هادرة في قلب الكون والوجود، وجاءت المسحة الفلسفية بادية ومعبرةً عن توحد السارد بنور الحياة الأرحب، في محاولة للانتصار على الظلم والظلام والصدود والهجران.
محمد توفيق
شاعر وناقد مصري مقيم في الكويت
عرض المزيد
رسالة إلى "ستوديو Studio الاربعاء Wednesday"
رسالة إلى "ستوديو Studio الاربعاء Wednesday"
إرسال طلب للتواصل مع "ستوديو Studio الاربعاء Wednesday"
نحن بحاجة لملفات تعريف الارتباط لكي يعمل هذا الموقع. يرجى تمكينها للمتابعة.
نحن نظهر لك هذه الرسالة لأننا نحترم خصوصيتك.
بإستخدامك هذا الموقع أنت توافق لنا على جمع ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لتقديم تجربة مستخدم أفضل،
المزيد من التفاصيل.
لا يمكن تصفح الموقع طالما رفضت استخدام الكوكيز لأن الموقع يعتمد عليه بشكل أساسي للعمل