كاتب روائي و أستاذ في وزارة التربية، متحصل على شهادة الليسانس في اللغة و الأدب العربي تخصص نقد و تحليل الخطاب، ماستر تخصص أدب جزائري.
- رواية "الفرح المحزن" صدرت في 2025، و تكون حاضرة في معرض الدولي للكتاب سيلا 2025 الجزائر.
- بعض النصوص في كتب جماعية لم تصدر بعد.
- رواية "امرأة في شق الزمن" لم تصدر بعد.
- رواية "23H17" لم تصدر بعد.
- كتاب في صفحات تبحث عن معنى الحياة تحت عنوان " أنا وأنت وأفكاري" لم يصدر بعد.
رسائل لم تصل
منذ زمنٍ بعيد، صرتُ أجدُ راحتي في الكتابة.
كل ليلة تقريبًا، أجلس أمام الورق وأكتب لكِ، أحيانًا تكون الكلمات حنينة كنسيم الفجر، وأحيانًا تنفجر من قلمي مثل دمعةٍ ضاقت بها العين، كتبتُ لكِ عن أشيائي الصغيرة، عن مقهى الحي، عن وجوه الناس التي أعبرها كل يوم، عن لحظات فرحي القصيرة، وعن حزني الطويل.
لكن أغلب هذه الرسائل لم تخرج من درج مكتبي، بقيت حبيسة بين السطور، لم يقرأها أحد، ولم تلمس يدّكِ أوراقها، كل ما فيها ظلّ سرًا مشتركًا بيني وبين اللّيل.
كنتُ في البداية حزينًا لذلك، كنتُ ألوم نفسي: ما فائدة كتابة رسائل لا تصل؟ أليست الرسائل وُجدت لتُسلَّم إلى أصحابها؟ لكن مع الوقت اكتشفتُ شيئًا آخر… اكتشفت أنني لا أكتب لأُسلمكِ الورق، بل لأُسلمكِ نفسي، كل رسالة كنتُ أكتبها، كانت تُقربني من حقيقتي، تُعرّفني بي أكثر مما تعرّفكِ بي.
تساءلتُ مرارًا:
- ماذا لو وصلت إحدى هذه الرسائل إليكِ فجأة؟
- كيف ستقرئينها؟
- هل ستضحكين من بساطتها؟
- هل ستتوقفين عند جملة معيّنة وتقولين: هذا يشبهني؟
- أم أنكِ ستمرين فوقها مرورًا عابرًا كأيّ ورقة أخرى؟
ومع أنّي لم أجد إجابة، فإنّ مجرد طرح السؤال جعلني أؤمن أنّ الكلمات لا تضيع، ربّما لم تصل إلى صندوق بريدك، لكنّها وصلت إلى فضاءٍ آخر، مكانٍ لا نراه ولا نلمسه، لكنّه يحتفظ بما يُكتب من صدق.
أحيانًا أغمض عينيّ وأتخيّلكِ تفتحين رسالة من رسائلي، أراكِ تبتسمين، ربّما تهزين رأسكِ كأنّكِ تردّين عليّ بلا صوت، عندها أفهم أنّ الكتابة ليست عن المسافة ولا عن الورق، بل عن الخيال الذي يجعل اللّقاء ممكنًا ولو في الحلم.
لقد تحوّلت رسائلي غير المرسلة إلى جسورٍ صغيرة، أعبرها كلّما شعرتُ بالوحدة، هناك، على تلك الجسور، أراكِ جالسة تنتظرينني، لا أحتاج إلى طابع بريد ولا إلى ساعي، يكفيني أنّني أؤمن بأنّكِ في مكانٍ ما، تلتقطين ذبذبات هذه الكلمات حتى من دون ورق.
في النهاية، صرتُ أكثر تصالحًا مع فكرة الرسائل التي لا تصل، وجدتُ فيها قيمة لم أتوقعها: إنّها تحفظ الأمل حيًا. كل رسالة لم أرسلها، هي وعد مؤجَّل بأنّني ما زلت أملك شيئًا لأقوله، وأنّ الغدّ قد يحمل الفرصة المناسبة لقول ما سكتُ عنه.
أقفلتُ درج مكتبي تلك اللّيلة، وابتسمت. قلت لنفسي: ربّما يظلّ الغدّ صامتًا، وربّما يفاجئني بما لم أتوقعه، لكن في الحالتين، لستُ خاسرًا، لأنّني أدركت أنّ الأمل نفسه رسالة، وأنّ القلوب، مهما ابتعدت، لا تعجز عن استقبال بريدٍ قادم من صدق المشاعر.
رعاف حمانة
كان المقهى مزدحمًا كعادته في مساءات المدينة.
الطاولات متقاربة، والكراسي تعبتْ من كثرة الأجساد التي جلست وغادرت، لكنّني لم أكن أرى شيئًا من ذلك الصّخب، كل ما كان يُشغلني هو ذلك الكرسي الفارغ أمامي…
الكرسي الذي كنت أتمنّى أن تكوني أنتِ من يشغله.
أتأمل فنجان القهوة الذي بدأ يبرد، وأتساءل:
- هل يبرد انتظارنا مثلما تبرد القهوة إذا تأخرنا عن شربها؟
- أم إنّ بعض الإنتظارات تظلّ ساخنة مهما طال الوقت؟
الناس من حولي يضحكون، يتبادلون النكات، وربّما يشكون أحمالهم اليومية لبعضهم البعض، وأنا بينهم، جسد حاضر لكن قلبه في مكان آخر، في مكان حيث اللّقاء لم يتم، والموعد بقي فكرة أكثر من كونه واقعًا.
أفكر في المفارقات:
- نحن نلتقي الغرباء في كل يوم بلا موعد،
- نتبادل التّحيات في الطرقات بلا تخطيط،
ومع ذلك، نعجز أحيانًا عن أن نلتقي بمن ننتظرهم بكل الشوق، كأنّ القدر يسخر منّا، أو كأنّ الحياة تريد أنْ تذكّرنا دومًا بأنّنا لسنا أصحاب القرار الكامل في تفاصيلها.
الكرسي أمامي ظلّ فارغًا، لكن في داخلي كان ممتلئًا بكلمات كثيرة لم تُقال، كلمات ترددت بين القلب واللّسان، ثم قررتُ أنْ تعيش في الصمت.
خرجت من المقهى بخطوات بطيئة، أحمل معي سؤالًا لم يجب عنه أحد،
هل كان اللّقاء ممكنًا… أم أنّه وُلد ليبقى ناقصًا، جميلًا بقدر ما هو مؤلم؟
رعاف حمانة
اللّقاء الذي لم يُكتمل
كان المقهى مزدحمًا كعادته في مساءات المدينة.
الطاولات متقاربة، والكراسي تعبتْ من كثرة الأجساد التي جلست وغادرت، لكنّني لم أكن أرى شيئًا من ذلك الصّخب، كل ما كان يُشغلني هو ذلك الكرسي الفارغ أمامي…
الكرسي الذي كنت أتمنّى أن تكوني أنتِ من يشغله.
في النهاية، نحن جميعًا مسافرون في دروب الحياة، نبحث عن المعنى، نتعثر، نقوم، ونحلم من جديد، وأرجو أن يكون هذا الكتاب رفيقًا صغيرًا في رحلتك، يذكّرك فقط أنّ الأمل ليس بعيدًا…
إنّه أقرب ممّا تظن، يسكن داخلك، في انتظار أن تراه.
الإهداء
إلى الذين يمشون مثلي بين الصّمت و الحنين،
إلى الذين يضعون رؤوسهم على الوسادة كل مساء، محمّلين بأسئلة لا تنام،
إلى القلوب التي تتصدّع لكنّها تظلّ تُحب،
إلى العيون التي تلمع رغم التعب،
إلى الأرواح التي تتعثّر لكنّها لا تفقد إصرارها على النهوض.
إلى كل إنسان عادي يحمل في داخله بطولة صامتة،
وإلى كل حلم صغير يضيء الطريق في عتمة الأيام.
أُهدي هذه الصفحات.
نحن بحاجة لملفات تعريف الارتباط لكي يعمل هذا الموقع. يرجى تمكينها للمتابعة.
نحن نظهر لك هذه الرسالة لأننا نحترم خصوصيتك.
بإستخدامك هذا الموقع أنت توافق لنا على جمع ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لتقديم تجربة مستخدم أفضل،
المزيد من التفاصيل.
لا يمكن تصفح الموقع طالما رفضت استخدام الكوكيز لأن الموقع يعتمد عليه بشكل أساسي للعمل