إن حديث «إن أبي وأباك في النار» ليس نصًّا قاطعًا في المراد، ويحتمل من جهة اللغة والسياق ما يرفع الإشكال، وحديث الاستئذان لا يدل دلالةً لازمةً على الكفر، بل غايته عدم الإذن بالاستغفار، وهو أمرٌ يحتمل وجوهًا متعددة.
الحمدُ لله الذي اصطفى من خلقه صفوةً، واختار من عباده نخبةً، وجعل خاتم أنبيائه سيدَ ولد آدم أجمعين، ونقله في الأصلاب الطاهرة والأرحام الزاكية، فلم يزل نورُه يتقلب في معدن الشرف، ومحلّ الكرامة، حتى أخرجه إلى الدنيا رحمةً مهداةً، وسراجًا منيرًا، وهدايةً للعالمين.
والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ، الذي شُرِّف بكمال الرسالة، وتمام العصمة، وعلوِّ النسب، وطهارة المحتد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحبه الغرّ الميامين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
حديث «خرجتُ من نكاحٍ ولم أخرج من سفاح»
رُوي عن عليٍّ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«خرجتُ من نكاحٍ ولم أخرج من سفاح، من لدن آدم إلى أن ولدني أبي وأمي، لم يصبني من نكاح الجاهلية شيء، ما ولدني إلا نكاحٌ كنكاح الإسلام».
وقد حسَّن الحديث جمعٌ من أهل العلم بمجموع طرقه، واحتج به الحفاظ في باب فضائل النسب الشريف.
احتمال كونها من أهل الفترة
وأمُّ النبي صلى الله عليه وسلم – السيدة آمنة بنت وهب – عاشت في زمنٍ لم تبلُغها فيه دعوةُ نبيٍّ على وجه تقوم به الحجة، فهي داخلةٌ في حكم أهل الفترة، الذين قال الله فيهم: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾.
فإذا كانت من أهل الفترة، فهي معذورةٌ بعدم قيام الحجة، ولا يلزم من عدم الإذن بالاستغفار أنها مشركةٌ مستحقةٌ للعذاب؛ بل قد يكون عدم الإذن لعدم الحاجة إليه، أو لخصوصيةٍ تتعلق بمقام النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد ثبت في الأخبار أن أمَّه صلى الله عليه وسلم رأت من الآيات عند حملها وولادتها ما يدل على عنايةٍ ربانيةٍ خاصة،
حتى رُوي أنها رأت نورًا أضاءت له قصور الشام.
فهل يُعقل أن يتفاخر النبي صلى الله عليه وسلم بذكر أمه، وأن يذكر ما وقع لها من الكرامات، ثم يُحمل أمرُها على الشرك الذي وصفه الله بالنجاسة في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾؟
حاشاه صلى الله عليه وسلم أن يكون في نسبه ما يُنافي الطهارة التي تليق بسيد الخلق، وحاشا أمَّه الكريمة أن تُجعل في مقامٍ لا يليق بمن اصطفاها الله لتكون وعاءَ خيرِ خلقه
فإذا ثبت:
أن لفظ «الأب» يُطلق على العم في لسان العرب والقرآن،
وأن أبا لهب قد نُصَّ على مصيره في القرآن،
وأن أمَّ النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الفترة،
وأن عدم الإذن بالاستغفار لا يساوي الحكم بالكفر،
كان حمل النصوص على ما يصون المقام أولى وأحوط وأليق.
نحن بحاجة لملفات تعريف الارتباط لكي يعمل هذا الموقع. يرجى تمكينها للمتابعة.
نحن نظهر لك هذه الرسالة لأننا نحترم خصوصيتك.
بإستخدامك هذا الموقع أنت توافق لنا على جمع ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لتقديم تجربة مستخدم أفضل،
المزيد من التفاصيل.
لا يمكن تصفح الموقع طالما رفضت استخدام الكوكيز لأن الموقع يعتمد عليه بشكل أساسي للعمل