•أنا الذي أبتسم… وأنا لا أبتسم داخلیًا
كثيراً ما نبتسم في وجه الحياة، ونقول: “أنا بخير”، بينما في الداخل، هناك وجعٌ صغير لا يتكلم، وهناك فراغٌ لا يعُبَرّ عنه، وهناك رغبة في الصراخ بصوتٍ لا يسُمع. وهنا، لا تكون الزيف هو الابتسامة، بل الحاجة لأن نستمرّ دون أن ننهار.
أن تُخفي شعورك لا يعني أنك كاذب، بل أنك في مرحلة صيانة للذات، تحاول أن تعُيد ترتيبك بطريقةٍ تحفظ ما تبقّى من وضوحك. والابتسامة، وإن كانت لا تشُبه حالك، فهي محاولة أن ترُاضي نفسك، لا أن تخدع غيرك.
بل إنك حين تتظاهر بالقوةّ، قد تفعل ذلك لأنك لا تريد أن تحُملّ من تحبّ ألمك. وهنا، يكون التناقض علامة نبُل، لا نفاق. لأنّ فيك إدراك أن الحزن يحتاج مساحة، ولـكن ليس دائماً يليق أن يعُرض في العلن.
لـكن ما لا تراه، هو أن الله يرى كل هذا التراكب. يرى قلبك الذي يحاول أن يصمد، ونفسك التي تحتاج راحة، ونيتّك اٍلتي تقول له في صمت: “أنا أبتسم يا رب… لـكنني منُهكَ، فلا تُحاسبني على الصورة، بل على نداء داخلي لا يقُال.”
قال تعالى: ﴿وهو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم﴾… كأن المعرفة الإلهية بك أقدم من كل ملامحك، أعمق من كل تصرف، وأكثر نقاء من كل تمثيلٍ اضطررت له حتى تحفظ شيئاً من نفسك.
فلا تشُعرِ ذاتك بالذنب لأنها أظهرت ما يرُضي الناس، بينما أخفت ما يثُقلِها. بل قلُ: "أنا أحاول… والله يعلم أني لا أتظاهر لأخدع، بل لأتحملّ."
وحين يأتي الوقت المناسب، ستخُرج شعورك كما يُخرج الطفل بكاءه بعد صبر، وسيكون هذا الإفراج علامة على شفاء، لا انهيار. لأنه حين تنُصت لك، وتصُغي لله، فإن التوازن يعود، وتصبح الابتسامة مرآةً للسكينة… لا جداراً يخفي الألم.
النھایة التي تُبقیك في الطریق
بعد كل الذي مررت به من انطفاء، وتخبطّ، وتغيرّ، وهروب، ورجاء، وتناقض، ومراجعة… تصل إلى لحظةٍ لا تعُرفّ فيها نفسك بجملة، بل بهمسة تقول: "أنا الآن في الطريق، والله يمسُكني كيفما كنت."
الذات ليست مجردّ استقرار، بل حركة متواصلة نحو الأصل. وكل مرة قلت فيها "أنا لا أعرف من أنا"، كنت تعُيد ترتيب الطريق دون أن تدري، تصُقل نيتك، وتقُدّمِ لله مشاعرك كيفما كانت… لأنك لم تتصنعّها، بل عشتها.
بل إن أعظم النسخ التي تسُجَلّ في كتابك، ليست تلك التي أبهرت الناس، بل التي قلت فيها لله: "خذني كما أنا الآن، واصنع بي الخير الذي يشُبهِك." وهنا، تصبح الهويةّ دعاءً لا يثبت على صيغة، بل يثبت على قلبٍ يرجو، وإن أخطأ.
قال تعالى: ﴿والله يعلم ما تسُرِوّن وما تعُلنِون﴾… أي أن ما لم تفُلح في شرحه، ما أخفيته لأنك لم تفهمه، ما ابتسمت خلاله وأنت تخبئّ بكاءً داخلياً… كل ذلك ليس مجهولاً عند الله، بل هو أساس التعامل، أساس اللطف، أساس الإصلاح.
فاختم هذا الفصل كما يليق بالحائر الصادق:
“أنا لا أُريد أن أكون نسخة مثالية… بل أُريد أن أكون كما يُحبنّي الله، في انكساري، في بحثي، في تجاربي، في تقلبيّ،
في كل أنا ولدت من صدق… حتى لو لم تكتمل بعد.”
نحن بحاجة لملفات تعريف الارتباط لكي يعمل هذا الموقع. يرجى تمكينها للمتابعة.
نحن نظهر لك هذه الرسالة لأننا نحترم خصوصيتك.
بإستخدامك هذا الموقع أنت توافق لنا على جمع ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لتقديم تجربة مستخدم أفضل،
المزيد من التفاصيل.
لا يمكن تصفح الموقع طالما رفضت استخدام الكوكيز لأن الموقع يعتمد عليه بشكل أساسي للعمل